‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدراسات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 3 فبراير 2010

دراسات في شعر المرأة الأفريقيّة
  (8)
اليوم نتحدث عن
  عدد من الأديبات الأفريقيّات اللاتي سطعن في سماء العالميّة من شاعرات وروائيات ....
*الشاعرة والرسامة النيجيريّة (أدا أوبي أوديتشو كوو)
إنها الشاعرة والقاصّة والرسامة التي ولدت في مدينة إينجو النيجيريّة عام 1960 لأب ينتمي إلى قبيلة الإيبو النيجيريّة وأم أمريكيّة بيضاء.. بدأت تكتب الشعر في الرابعة عشرة، وقد علّمت نفسها الفنون البصريّة.. التحقت عام 1977 بجامعة نيجيريا في بلدة (نوسكا) لتنال ليسانس الآداب في الأدب الإنجليزي والأفريقي عام 1981.
أو ديتشو كوو واحدة من الفنانات القليلات المنتميات إلى جماعة نسوكا الفنية التابعة لجامعة نيجيريا في بلدة نسوكا.. تعتبر أوديتشوكوو نفسها رسّامة أولا وكاتبة ثانيا. شاركت في العديد من المعارض الجماعيّة والمشتركة في نيجيريا وأمريكا منذ عام 1984.
. كتبت أولى قصصها تحت عنوان "الانتظار" عام 1990 ونشرتها في الملحق الأدبي للجريدة النيجيريّة (ذا ديلي تايمز) في مستهل عام 1991. كما نشرت كتابا يحوي مجموعة من القصائد والرسومات يحمل عنوان (إمرأة أنا) عام 1993.
وصف الناقد (تي ، ندوكا) المجموعة الشعريّة بأنها " ترحال لا نهاية له، يتسم صوت (أو ديتشو كوو) بالهدوء والوقار، ينقّب يسعى لكنه ذو دويّ يحمل أسئلة بلا أجوبة ، بيد أنّه يحمل المعرفة التي تقول بأن الخير لا يزال في الطريق.. إنه شعر التناقضات، معتزل يمد يده إلى الآخرين، يمسنا ومع ذلك نجده مكبوحا كبحا".
كما نشرت (أوديتشو كوو) كتابا بعنوان " الهيريرو" عام 1996 موجها لليافعين، والهيريرو شعب رعوي يسكن ناميبيا وبتسوانا وأنجولا.. حيث تتناول في الكتاب تاريخ شعب الهيريرو وثقافته ودينه وعاداته وحياته المعاصرة.
كثيرا ما نشرت (أوديتشو كوو ) الشعر ليصاحب لوحاتها..
حصلت على ماجستير الفنون الجميلة في الكتابة الإبداعيّة من كليّة (بينينجتن) في ولاية (فيرمونت) الأمريكيّة عام 2005.
كما نشرت القصّة القصيرة (نعم الله) في ربيع 2005 بمجلة (كالالو)
وقصة (الحافلة الليليّة) في صيف 2006 والتي رشّحت لجائزة(كين) للكتاب الأفارقة عام 2007، والتي عدّها كتاب المختارات القصصيّة واحدة من أفضل مائة قصّة ظهرت في المجلات الأمريكيّة والكنديّة عام 2006.
وقصّة (الحافلة الليليّة) قصّة غاية في السواد بطلتها في حالة القلق الشديد منذ البداية وحتى النهاية، كل من حولها لا مبال، وإمّا مهدّد بالخطر..
مع السطور الأولى للقصّة يرتطم القارئ بجو قاس ثقيل الوطأة بل وباعث على الاختناق في بعض الأحيان.. يتتبع السرد شابة نيجيريّة تدعى (أولوما) في طريقها من جنوب شرق نيجيريا إلى مدينة لاغوس وفي خلال رحلتها يحيط بها رجال يرغبون في السخرية منها وسرقتها وانتهاكها ، تكابد أولوما كل هذا من أجل حبيبها ( موناي ) الذي أقنعها بالانضمام إليه في رحلة عمل . تقضي اولوما النصف الأول من القصة قلقة في انتظار مجيئه . وعندما يحضر أخيرا تتكشف لأولوما بعض الوقائع التي تشكل سببا جوهريا للشك ليس فقط في ( موناي ) بل في إنسانية البشر .
حين سألت الصحفية ( جيني جريتس ) إن كانت القصة تعليقا على حالة نيجيريا المعاصرة ، أجابت : " بمعنى ما ، أجل ففي السنوات العديدة الماضية منذ بدأ في الواقع الحكام العسكريون يهيمنون على البلد فساد مناخ الشك المحيط بالنيجيري العادي وما يجابهه في حياته اليومية سوءا مستفحلا " .
وبرغم أن القصة لا تعالج الاضطرابات السياسية في نيجيريا معالجة مباشرة ، تنفض أحداثها في جو من الفوضى والخوف لتعكس شيئا من تجربة المؤلفة في طفولتها . عندما اندلعت الحرب الأهلية النيجيرية في منطقة شرق نيجيريا عام 1967 وسط أنهار من الدماء وتم إعلان جمهورية بيافرا ، لجأت ( اوديتشو كوو ) وإخوتها وأمها إلى ولاية ( ميشيجان ) الأمريكية على حين بقي أبوها في نيجيريا .
تقول " إن قصصها تهتم اهتماما خاصا بما لا يسمعه المرء دوما عن جوانب الحرب وضحاياها " .
بعد العام 1971 عادت ( أوديتشو كوو ) إلى وطنها واكتسبت اهتماما متناميا بثقافة قبيلة والدها ومعالمها الجمالية ، قبيلة ( الايبو ) النيجيرية .
حين سألتها الصحافية ( مارقريت هب ) إن كانت تود لقاء أي فنان أفريقي : كاتب أو رسام أو نحات أو موسيقي أو شاعر أو مغني أو مصمم ؟ فمن هو ؟ ولماذا ؟ أجابت : القائمة طويلة لكن ها هوا واحد منهم ، طالعت منذ سنوات عديدة خلال أعوام الجامعة قصت الكاتب السوداني الطيب صالح " حفنة تمر " اكتشفت قصة صالح مجددا منذ ثلاث سنوات وقرأتها على نحو دوري لأتلقى دروسا في حرفة الكتابة .
لكن على الرغم من اعتيادي عليها فقد نبهتني إلى أنه علي دوما أن أفطن إلى شيء جديد متى أمسك قصته ، حيث يخلف في نفسي استدعاء مقتضبا لا يمكن نسيانه لطبيعة إنسانية يأسرها الطيب صالح في قصة من أربع صفحات .
ومن الأديبات اللاتي سطع نجمهنّ في سماء الأدب العالمي:
الكاتبة الأفريقيّة (تشيما ماندا نجوزي أديتشي) والتي ولدت في 1977 ب (إنجو) نيجيريا.. فقد سارت على خطى والديها الأكاديميين، فبرعت في دراستها.. درست الطب في جامعة نيجيريا، والاتصالات في جامعة (دريكسل) بفيلادافيا، والاتصالات وعلم السياسة في جامعة (شرق كونيكتيكت) حيث تخرّجت في عام 2001.. وتحصّلت مؤخرا على شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعيّة من جامعة (جونس هوبكنز) في بالتيمور..
أثناء سنتها الأخيرة بجامعة (كونيكتيكت) بدأت العمل على أوّل رواية لها بعنوان (الكركديه الأرجواني) التي ما إن نشرت في أكتوبر 2003 حتى حققت نجاحا هائلا ممّا أكسب المؤلفة العديد من الجوائز والأوسمة بما فيها جائزة أفضل أوّل كتاب لكتّاب الكومنويلث. ، ثمّ أصدرت روايتها الثانية (نصف شمس صفراء) تقول عنها إنّ أحداثها تقع قبل وإبان الحرب الأهليّة ببيافرا، وهي تتحدث عن الحرب من وجهة نظر شخصيّات عدّة، كأستاذ جامعي، خادم منزل، ورجل إنجليزي.. لقد أجريت العديد من المقابلات للحصول على تاريخ شفهي لتلك المرحلة. لقد أحسست أن العديد من الكتب التي كتبت عن تلك الفترة تعير اهتماما أكثر بالأحداث والوقائع الكبيرة من اهتمامها بالأشياء الصغيرة التي تصنع الحياة اليوميّة. أريد أن يشعر القارئ كيف كانت بيافرا لرجال ونساء الطبقة المتوسطة العاديين.
راهن أبو الأدب الأفريقي (شينوا آشيبي ) على هذه الروائية الشابة والتي استطاعت عبر روايتين حصد قلوب ملايين القراء من أرجاء العالم، وكذا حصد الكثير من الجوائز الأدبيّة الرفيعة..
تقول الرواية: الصبي الصغير الأسود (آجوو)، تأخذه العمّة ليعمل خادما عند أستاذ الرياضيّات في جامعة (نسوكا) البروفسور النيجيري (أودينيجو). وفي بيت البروفيسور يتنصّت الصبيّ على السيّد وزائريه من زملائه الأكاديميين يتحدثون حول المجازر والانتهاكات وحلم الاستقلال. وتمر الأيام ويكبر الصبي يوما فيوما، فيكبر وعيه بالعالم، ويكبر معه وعينا، نحن القراء، بالقضيّة التي حملها شعب يحلم بالحريّة والاستقلال، احتفت الكاتبة بالأشياء الصغيرة التي تصنع الحياة اليوميّة للمواطن الأفريقي.. وعبر تلك اليوميات تسرّب الكاتبة مفردات قضيتها السياسية والاجتماعيّة الكبرى: صراع ثنائيات الثراء والفقر، الجوع والتخمة، العلم والجهل، وهنا ملمح موهبة (آديتشي) وسر فتنة طرحها السردي..
خمسة أشخاص وطفلة صغيرة هم شخوص العمل الرئيسيون. قصة حب رفيعة نشأت بين بروفسور أودينيجو الذي سيتخذ لقب " السيد" طوال السرد، بما أن الراوية الناطق هو "آجوو" الخادم الصغير، . والرواية بهذه الشهرة وهذا التألق استطاعت بها الكاتبة أن تتألق كنجمة في سماء الأدب العالمي..

.
إقرأ المزيد Entry>>

الاثنين، 25 يناير 2010

دراسات في شعر المرأة الأفريقيّة
(7)
(صورة المرأة الأفريقيّة لدى الشعراء الأفارقة)


الشعر الأفريقي نهر دافق، وبركان متفجّر، وله سمات مميّزة ، ونكهة خاصّة، فهو شعر نابع من الغضب والقهر والأمل وحلم الخلاص.
والشاعر الأفريقي يعطينا صورة للمرأة نابعة من كيانه وجرحه الغائر، فهو الإنسان الذي عانى من القهر والعبوديّة في ظل الاستعمار، ومازال يعاني من الآثار المتبقية التي تركها الاستعمار خلفه.
في دراسة لمحمود الطهطاوي نشرت على صفحات (المجلة العربيّة) العدد 152.. كان التساؤل المطروح كيف صوّر الشعراء الزنوج المرأة؟ حيث بدأ بشاعر من موزمبيق وهو الشاعر " سلينو سانتوس" وشهرته "كالونجو" فقد لعب هذا الشاعر دورا كبيرا في حياة بلاده السياسيّة، وانتخب عام 1962 سكرتيرا عاما لجبهة تحرير موزمبيق.. يقول عن المرأة الأم:

الأم السوداء
تضع طفلها في المهد
وتنسى
أنّ حبات الذرة تموت في الأرض
وأن كرار الحزين قد فرغ بالأمس
وتحلم
تحلم بعوالم جميلة
يذهب فيها ابنها إلى المدرسة
المدرسة التي يتعلم فيها الرجال
عوالم جديدة
يستطيع ابنها أن يعيش فيها.
. كالونجو بهذا يقدم لنا صورة عن المرأة الأم المشتعلة بالأمل، فبرغم ما تعاني منه بلادها من جفاف وفقر مدقع واستغلال تام من قبل الاستعمار، إلا أنّ الأم قويّة صابرة مليئة بالأمل والتفاؤل..
والروائي " واليونجوجي" وهو أديب صدرت له ثلاث من الروايات بين عامي 1962- 1969 ، وهي "لا تبك يا طفلي" و " النهر الفاصل" و " حبّة من القمح" بالإضافة إلى المسرحيّة الشعريّة "الراهب الأسود" حيث يصوّر لنا فيها المرأة المتزوّجة، التي تعاني من فقد الزوج، ذلك الذي حصل على قدر من التعليم والثقافة فهجر قبيلته التي تعيش في دياجير الجهل، ليعيش الحياة الحضريّة في المدينة.. يقول الروائي الشاعر على لسان الزوجة:
نعم..
إنني لا أستطيع أن أعيش بدون رجل
رجل يسألني عن طعام العشاء
رجل يسألني أن أغسل ملابسه
وطفل من جسدي
طفل ينادي يا أمّي

هذه امرأة مثل أيّ امرأة تطالب بحقوقها ، تريد أن تمارس حياتها الطبيعيّة التي خلقها الله من أجلها.. ويقتنع الزوج بالعودة إلى زوجته وقبيلته وهو يقول:
يجب أن نعود إلى أرضنا
ونساعد أنفسنا
ونبني مدارسنا
نطرح قلوبنا وعقولنا لننشء أمّة
..
وهناك الطبيب الشاعر " أوجستينو نتو" والذي رغم دراسته الطب إلا أنه مارس العمل السياسي لفترة طويلة، واعتقل أكثر من مرّة، وفي نهاية المطاف عاد إلى قريته ليمارس مهنته الإنسانيّة.. يقول الطبيب الشاعر في قصيدته "الأم"
أمّاه .. علّميني
ككل أم سوداء يرحل ابنها
كيف أنتظر، وآمل
ما تعلمت أنت في أيامك المريرةلكل الحياة
قتلت ذلك الأمل المشرق في صدري
فلست أنا الذي ينتظر
بل أنا الذي ينتظر
ونحن الأمل
نحن أطفالك
نسير نحو أمنية
نستطيع أن نغذّي الحياة
عند أبنائك الباحثين عن الحياة
..
الشعر الأفريقي بعمومه متفجّر بالأمل والتفاؤل، فها هو الطبيب الشاعر يصوّر لنا المرأة الأفريقيّة الصابرة، التي تعطي لأبنائها درسا في الأمل والتفاؤل وكأنها تهمس برقّة " لا تقلقوا.. مهما طال الانتظار، فهناك أمل في الخلاص..
وهاهو الشاعر السنغالي الكبير " ليوبولد سيدار سنغور" يقول عن الأم:
افرحي يا أمّاه
فلن أبعث الريح الشرقيّة فوق هذه الصدور
كما أبعثها فوق رمال الطرق
إنك لا تسمعيني حين أسمعك
مثل أم مشغولة البال تنسى أن تضغط
- على زر البوابة..
لكن لن أمحو آثار قدمي أبي
..
رغم انشغال الأم عن ابنها، ولكن سنغور يبشرها بأنه على طريق أبيه يسير وسيكمل مسيرة النضال. وفي قصيدة له أخرى بعنوان "ليل السنين" يناجي سنغور فيها امرأة ويصف لنا برومانسيّة المكان المحيط به، ثم يعرّج فجأة إلى وطنه وزنوجته، فيطالب هذه المرأة أن تصغي إلى نبض دمه الأسود المتدفّق إلى نبض أفريقيا الغائر، إنه عاشق لوطنه المتغلغل في دمائه، ومندمجا في صفائحه الدمويّة يقول " سنغور ":
أيتها المرأة
ضعي يديك الباسمتين على جبيني
يديك اللتين تتفوقان في النعومة على الفراء
إن أشجار النخيل الشامخات تتمايل مع النسيم
يكاد حفيف سعفها لا يسمع
لا .. ولا ترنيمة الرضيع يسمع
ونحن يهدهدنا الصمت المموسق
إصغي إلى تغريده
إصغي إلى نبض دمنا القاتم
إصغي إلى نبض أفريقيا الغائر في ضباب القرى الضائعة
..
وها هو شاعر السودان " محمد المهدي مجذوب" الذي عشق امرأة زنجيّة، يصوّر لنا ما يراه في حياة هذه المرأة، يقول:
وبدت ستائر بيتها
وضّاءة بين الظلال
ورجعت أفزع للكرى
كي أستريح إلى مراح
ونهضت أسْمِعُهُ الملامة
وهو مشتعل الجراح..
.

إقرأ المزيد Entry>>

الاثنين، 11 يناير 2010

دراسات في شعر المرأة الأفريقيّة
(6)
(الخلاص)


ما زلنا نتواصل مع شعر المرأة الأفريقيّة ، أو الشعر النسوي الأفريقي.. والنقد الأدبي المعاصر يقسّم كتابة المرأة إلى ثلاثة أقسام:
- الأدب النسائي: وهو جميع ما تكتبه النساء.
- الأدب الأنثوي: وهو الأدب النسائي المهمّش والمقموع الذي أخرسه النظام اللغوي الاجتماعي الحاكم والسائد دون أن يشتمل بالضرورة على رفض للنسويّة.
- والأدب النسوي: وهو الملتزم برفض السلطة الذكوريّة ورفض التمييز بين الجنسين.
وكتابة المرأة الإبداعيّة بشكل عام – كما يشير بعض الدارسين – يمكن أن تتطوّر إلى خصائص وسمات ظلّت مغيّبة طوال الفترة التي انفرد فيها الرجل بكتابة النصوص الأدبيّة.. فالمرأة تتوافر على نفس الإمكانات الإبداعيّة المحتملة لدى الرجل... فعندما طرحت قضيّة المرأة في العصر الحديث – كما هو معلوم – جاء الطرح مقترنا بوعي متعدّد الأبعاد والمظاهر وهو وعي أنضجته كتابات ونضالات ذكوريّة ونسائيّة، إلا أنه دخل في منعطف حاسم عندما تولّت النساء أنفسهنّ المطالبة والتعبير والتنظيم لانتزاع الحقوق المهضومة، وتقويم الحيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المفروض.
فالعناصر السلبيّة التي تحول دون تنظيم المجتمع تنظيما متوازنا تتمثّل في :
- الحيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في حقّ المرأة.
- وإبعاد المرأة عن السلطة والمشاركة في اتخاذ القرار.
- وكذلك الاحتكام إلى منطق ذكوري في المجالات الاجتماعيّة والسلوكيّة ممّا يعوق تحرير المرأة ويحول بينها وبين تحقيق النديّة والتكافؤ مع الرجل..
. وتحت ستار من أغلفة أيديولوجيّة متعدّدة ظلّ صوت المرأة مبعدا محروما من إسماع كلمتها ونقل همومها ورأيها بوصفها مواطنة تضطلع بمسؤوليات جسام داخل المجتمع.
ليس غريبا إذن أن تركز حركات الدفاع عن قضيّة المرأة على انتزاع حق الكلام لأنه وسيلة مزدوجة افضح التسلط الذكوري والمؤسساتي وأيضا لبلورة وعي يوجه نضال المرأة ويوسّع نطاق قضيّتها. لهذا قالت الكاتبة الزيمبابويّة (إيفون فيرا) متحدية هذا الحظر قائلة: " أكره الصمت، والروايات التي أكتبها تسعى إلى إنهاء حالة الصمت وعدم القدرة على التعبير التي ظلّت ترزح تحت وطأتها النساء الأفريقيّات قرونا عدّة".
ومن الأديبات اللاتي مثّلن شيئا من الفكر النسوي وشجبن قوّة التقاليد القبليّة ، وفع راية التمرّد على الرجل الشاعرة (تانيلا بوني) فهي تمثل رمزا من رموز الحركة النسويّة الأفريقيّة.. تقول في إحدى قصائد ديوانها (متاهة وذرات رمل)1993:
بلا اسم أنتِ
منذ بدء الخلق
بلا صوت
حواء أو أيّ شيء
أيتها اللا ذكر
لا وجود لك
إلا باسم رجل
يعيرك اسمه الإلهي
إغراء جنّة عدن
الحيّة الملعونة
ضلع الرجل أو أيّ شيء آخر
لسان ثعبان
تبتلعين بؤسك
غمرتك السعادةُ
في غياهب شقاوتك
يا غير ذكر..

ومع كلّ ذلك فهي شاعرة روائيّة غزيرة الإنتاج، قديرة، أثبتت وجودها في الساحة العالميّة، وفي الأوساط الفرانكفونيّة في فرنسا وكندا وغيرها..
كما أنّ أوّل ظهور للشعر النسوي المعاصر في غرب أفريقيا يعود إلى الشاعرة (أنوما كلني) من كوت ديفوار 1952. غير أنّ الانطلاقة الحقيقيّة لإيقاعات الشعر النسوي تعزى إلى رائدة الأدب الشاعرة السنغاليّة (آنيت مْباي دي نيرفيل) في قصائدها (مياه نهر كوموي النسوي السنغالي) وفي ديوانها الشعري الأوّل: (قصائد أفريقيا ) 1965. فهي تشيد في تلك القصائد بأفريقيا وتقاليدها وقيمها، وتحث شعوب أفريقيا الحديثة العهد بالاستقلال على العمل والسعي الحثيث نحو التقدّم:

ألستُ أنا ديالي؟ " وديالي رواية شعبيّة"
معلّمة الكورا " والكورا آلة غنائيّة"
ألست أنا قوّالة
حارسة الكلمات السحريّة...

وبعد أن تثبت أحقيتها وجدارتها بفن القول وتحتكر لنفسها حقوق التحدث باسم شعبها تقول:

تشدّ النساء وسطهنّ
وفي أيديهنّ (خشبة) المطحنة الثقيلة
يحاكي نبها الإيقاع الثابت
للدول التي قامت
طاما، جورُنْغ، دية دونغ " وهي طبول شعبيّة"
تقول للرياح الأربعة
إنّ أفريقيا قد قامت
وهي تمشي نحو النور..

والميزة عند هذه الشاعرة استلهام المظاهر الثقافيّة الأفريقيّة، وتوظيفها توظيفا رمزيّا دقيقا يطوّعها للمواقف والظروف الراهنة، فهي تربط ربطا محكما بين إيقاعات خشبة الطحن في أيدي النساء، وأصوات الطبول الأفريقيّة، وكأنّ أفريقيا تدبّ على تلك الإيقاعات المتآلفة نحو التقدّم والازدهار..

إنّ الكتابة النسويّة في أفريقيا لم تنحصر في الموضوعات ذات العلاقة بالمرأة بل كان لها حضور متميّز في القضايا السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة. فهناك الكثير من الشاعرات والروائيات اللاتي أقضضن مضاجع الكيانات الاستعماريّة والحكومات..

إنّ الفن النسوي – بشكل عام- كما تقول الناقدة النسويّة الأمريكيّة " ليس رافدا دقيقا يصب في النهر العظيم للفن الحقيقي، إنه ليس صدعا في حجر كريم، ما كانت لتشوبه شائبة لولاه.. إنه وعلى نحو مذهل فن لا يعتمد على إخضاع نصف الجنس البشري، فن سوف يتناول المواضيع الإنسانيّة الكبرى : الحب والموت والبطولة والمعاناة بل والتاريخ ذاته ليحيلها إلى مواضيع إنسانيّة بالكامل..

.

إقرأ المزيد Entry>>

الثلاثاء، 5 يناير 2010


دراسات في شعر المرأة الأفريقيّة


(5)
في مجتمع تسود فيه بنية الوعي التناسلي ونتيجة انخفاض الرعاية الصحيّة، ومجابهة النقص في التعداد السكاني يصبح الهاجس هو التكاثر والإنجاب، ولكن الذي يدفع ضريبة هذا التناسل هو المرأة التي يقع على عاتقها الحمل والإنجاب بما فيهما من معاناة وخوف وآلام وتوتّر وقلق إضافة إلى التربية والرعاية للأبناء وللزوج، ورغم كل ذلك يقلّل المجتمع الذكوري من شأن المرأة ويحدد لها وظيفتها ودورها ومهامها التي عليها إنجازها دون أن يكافئها بالتقدير والاحترام اللازمين ناهيك عن الاعتزاز والمحبّة الكبيرة التي تستحق. كما أنه غير مسموح لها بالحديث في كل شيء ، حيث فرض الصمت عليها وفق التقاليد المرعيّة في المجتمع..
إلا أنّ المرأة الأفريقيّة وبمجرد امتلاك أداة التعبير حتى تحدثت في كل شيء وعن كل شيء معبرة عن ذاتها وعن معاناتها وآلامها وقضاياها عن طريق الرواية والقصة القصيرة والشعر والرسم والموسيقى وكل الفنون الإبداعيّة التي سمحت لها بتجسيد مشاعرها وأحاسيسها والتعبير عن أفكارها ورؤاها رغم كل التحديات قبلت المرأة الأفريقيّة التحدّي وقدّمت استجابتها لهذا التحدّي بفاعليّة كبيرة.
. والشاعرة (أنجرود جونكر) من جنوب أفريقيا والتي عاشت في الفترة من(1933- 1965) بدأت في كتابة الشعر وهي طفلة. وفي سن السادسة عشرة حاولت نشر أوّل مسوّدة لها، لكنها رفضت. في عام 1956 نشرت ديوانها(هروب) ثمّ ألحقته ب(دخان ومغرة) الفائز بجائزة "أفريكاني برس ـ جوهانسبرج" في عام 1963 والذي أرساها كواحدة من أكثر الشعراء في جنوب أفريقيا أصالة وذكاء. نشر أصدقاؤها جاك كوب وويليام بلومر مجلة بعد وفاتها لقصائدها بعنوان (شمس عارية) 1966، كما جمعوا النسخ الانجليزيّة لقصائدها التي أعدّتها ونشرت بعنوان (قصائد مختارة)1968.. كما أن لها من الإبداع أعمال أخرى تشمل "الماعز وقصص أخرى، ومسرحيّة وأين أمام قلبي" وظهرت قصائدها في عدد من المقتطفات مثل " الصوت الآخر: شعر نساء القرن العشرين" نيويورك 1976.، وكذا كتاب بنجوين عن الشاعرات، وكتاب بنجوين لشعر جنوب أفريقيا، ومقتطفات لونجمان للأدب العالمي للنساء (1875- 1975)، كما أنّ معظم كتاباتها نشرت في (أعمال مجمّعة) 1975.
تقول في قصيدة لها بعنوان (امرأة حامل):
أرقد تحت قشرة الليل مغنّية
متكوّرة،
وطفل دمي يرقد في الماء..
ألعب كطفلة
ألعب سعيدة
أنظر حيث حشرة النار تومض
قرص القمر، خنزير مبتلّ يرتجف
لكن مع الصباح،
القابلة العرجاء،
شاحبة ومرتعدة على التلال المنحدرة
أدفعك إلى الخارج عبر القشرة إلى ضوء النهار،
أيّتها البومة الحزينة، بومة ضوء النهار العظيمة
متحررا من رحمي لكن ملوّثا
ملطخا تماما بدموعي
وملوّثاً بالحزن
أرقد مرتعشة، مغنية
ماذا غير ارتعاش
مع طفل دمي تحت مائك....؟
ألعب .. إنني سعيدة
أنظر حيث حشرة النار تومض
قرص القمر، خنزير مبتل يرتجف
لكن مع الصباح، القابلة العرجاء،
شاحبة ومرتعدة على التلال المنحدرة
أدفعك إلى الخارج عبر القشرة إلى ضوء النهار،
متحرّراً من رحمي لكن ملوّثاً
ملطّخاً تماماً بدموعي
وملوّثاً بالحزن..
أرقد مرتعشة، مغنية
ماذا غير ارتعاش
مع طفل دمي تحت مائك...؟

بما أنّ المرأة عموما إحدى ركائز المجتمع بل نصف المجتمع، حيث تسعى المجتمعات التي نالت قدراً من الوعي والتعلّم وفكّت أسر الجهل والتخلّف إلى إحداث المعادلة بينها والرجل من أجل معركة التنمية أو إحداث نوع من العدالة.. إلاّ أنّ المرأة الأفريقيّة شرعت في انتزاع حقّها في الحياة بجرأة أذهلت الجميع، فمع كونها تسهم بشكل كبير في الاقتصاد بحكم مشاركتها ، بل وقيامها بالعمل حتى الشاق منه سواء في الرعي أو الزراعة أو جلب الماء أو حلب الماشية إضافة إلى المهام الأخرى الملقاة على عاتقها بحكم طبيعتها من حمل وإنجاب وتربية، وخدمة للزوج والاعتناء بالمنزل وطهي الطعام إلى غير ذلك من الأعباء.. إلاّ أن مجتمعها رغم ذلك وبحكم بدائيّته يعتمد القوّة البدنيّة، لذا يرفع من شأن الرجل عاليا دون اعتبار للإنسان فيها.
هذا ما جعل (شاكونتالا هاولدار) وغيرها ممّن امتلكن أداة التعبير يجسّدن هذا الظلم والإجحاف الواقع عليهنّ، فها هي شاعرتنا (كريستينا دنجانو) من زيمبابوي والمولودة في 28 فبراير 1963 والحاصلة على دبلوم في علوم الحاسب الآلي في بريطانيا، عادت لتعمل لدى مركز علوم الحاسب الآلي في هراري، ثم نشرت ديوانا لقصائدها(عاصفة تتجمّع) عام 1984 تقول في قصيدة بعنوان(المرأة):
منذ دقيقة جئت من البئر
حيث نساء شابات مثلي يسحبن المياه
جسدي كان كئيبا وقلبي مرهقا.
لدقيقة شاهدت الجدول يجري أمامي
وفكرت كم هي منعشة رائحة الأزهار،
كم هي يانعة الأعشاب حوله،
ومرة أخرى أيضا سمعت صوت الواجب
الذي يجثم عليّ – جعلني أشعر بالعجز
بينما أحمل الإناء الصلصالي الكبير على رأسي
مثل مظلّة مؤلمة كبيرة عظيمة.
ثمّ وصلت البيت وطبخت طعامك
لأنّك كنت بالخارج تحتسي متع الدنيا
بينما أكدحُ في الحقول
تحت اليقظة الغاضبة للشمس

في كل الجبهات أضحت المرأة الأفريقيّة تقاتل وتزود عن حياضها لتثبت كيانها كإنسان أولا ثمّ كأنثى ثانيا وكإفريقيّة عليها أن تدافع عن وطنها وقارتها ثالثا. لكن صورة المرأة الأفريقيّة رسمتها عدد من الشاعرات ليعلنّ كم هي كافحت وناضلت وخدمت الزوج والابن والأب والجد، وماهوبرنامجها اليومي منذ الصباح على مدى عمرها .
ها هي (مارينا جاش) من (كينيا) والتي عملت معلّمة ، إضافة لكونها مؤلفة روايات مسرحيّة وشاعرة درست في جامعة ماكيرير ، كامبالا- أوغندا. وقد فازت مسرحيتها الأولى"الندب" في 1960 بجائزة المهرجان الدرامي في المسرح الوطني في كامبالا. متزوجة من رسّام تنزاني شهير اليمونجو.. تصف لنا (مارينا) مشهد المرأة الأفريقيّة في قصيدة لها بعنوان (القرية) فتقول:
كانياريري، قرية الكدح،
قرية العمل اللانهائي.
مثل نبع لا يجفّ أبدا،
نساء عجوزات سود ومنحنيات
يمشين بجهد مع مجارفهنّ
ليفرزن الذرة المحاطة بالأعشاب الضارّة.
زوجات شابات مع حمير
من وقت صياح الديك إلى غروب الشمس
يقمن بواجباتهنّ الدائمة،
هياكلهنّ الضامرة مثل أقواس مصفوفة في صف،
يمشين بتثاقل جيئة وذهابا في مزارع القرية الدائريّة
بأحمال على ظهورهنّ
وأطفال مربوطين لبطونهنّ
في الحقول طول اليوم يكدحن
يمزجن التربة بالأيادي والسكاكين
مثل دجاجات تبحث عن ديدان
لا شيء هنا يبدو ساكنا
حتى كنيسة القرية مثل بئر أثير
حيث"الإحيائيون" بمكبراتهم الصوتية
لا يكفون أبدا عن دعوة الناس
للاعتراف بأخطائهم والشرب من ماء الحياة.
عند المغيب يذهب الرجال تاركين معشر النساء
ليَعُلْنَ المعزات العجاف والأطفال المنتحبة
..
.

إقرأ المزيد Entry>>

الأحد، 27 ديسمبر 2009

الدراسات العليا بجامعة التحدّي- سرت الإنجاز والآفاق


في دائرة نقد النقد تمّت يوم الإثنين 16. 11. 2009 مناقشة الطالبة سالمة علي عبدالواحد لرسالتها الموسومة ب:"أثر الممارسات النقدية للقصّة القصيرة في تطوّر اللإبداع القصصي (من خلال مجلة الثقافة العربيّة بليبيا في الفترة من 1973- 2000م)" وذلك بقاعة الدراسات العليا بجامعة التحدّي – سرت ، وقد أجيزت بعد عرض منهجها ومناقشتها موضوعيا ومنهجيّا.. كما أجيزت بعدها دراسة الطالب ميلاد مصباح بعد مناقشة رسالته الموسومة ب "شعر أحمد رفيق المهدوي دراسة سيميولوجيّة" وقبلهما كانت قد أجيزت الطالبة حنان محمد يوسف لموضوعها الذي تناول" ظاهرة الغموض في شعر الحداثة الليبي" والطالبة سعاد حول "شعراء الجفرة"..
وقبل كل هؤلاء كانت قد ناقشت الطالبة مبروكة افحيمة سليمان موضوعها الموسوم ب "عبدالعزيز حمودة والهويّة الواقية دراسة نقديّة لثلاثيته النقديّة، وفوزيّة أحمد عبد الحفيظ حول " القذافي وفاعليّته الأدبيّة" وسعد عمر عبدالعزيز "القراءة البلاغيّة والأسلوبيّة للنص الأدبي" وهدى رجب محمد حول"فاعليّة الآمثال الشعبيّة الليبيّة دراسة نقديّة في ضوء منهج التحليل الفاعلي.. إضافة إلى عدد كبير من شعبة اللغويّات من طلابي الذين أعتزّ بهم
وتظل الدراسات العليا بجامعة سرت تواصل مسيرتها وخاصّة بقسم اللغة العربيّة بشعبتيه الأدبيّات واللغويّات حيث نال عدد لا بأس به من الطلاب درجة الإجازة العالية الماجستير. فلهم جميعا التحيّة والتهنئة.
وفي ندوة حول الدراسات العليا بجامعة التحدّي سرت الإنجاز والآفاق العام الماضي قدّمتُ الورقة التالية تحت عنوان:


. الدراسات العليا بجامعة التحدّي
الإنجاز والآفاق

مقدّمــة:
يشكّل برنامج الدراسات العليا بجامعة التحدّي واحدا من أهمّ المشاريع والبرامج الأكاديميّة البحثيّة التي تسعى لتوطين العلم والمعرفة بالداخل، إضافة إلى إثراء البحث العلمي وتعزيز أهداف الجامعة التي تسعى لمعالجة العديد من قضايا البيئة والمجتمع والإسهام في إيجاد الحلول واستخلاص النتائج ووضع التوصيات لها بعد إخضاعها للدراسة ووضعها تحت مجهر البحث. فالذين يوفدون بالخارج يبحثون في قضايا الدول التي يوفدون إليها أو يسهمون في قضايا علميّة عامّة.
وقد جاء برنامج الدراسات العليا بجامعة التحدّي خطوة جريئة استجابة لتحديات المرحلة ، وضرورة إحداث نقلة نوعيّة في مجال الإسهام بالنهضة الحضاريّة التي يحتاجها الوطن.
ورغم قصر التجربة وثرائها في الوقت نفسه، إلا أنني أجد مثل هذه الندوة لتقييم المرحلة السابقة ذات أهميّة قصوى في مجال تعزيز هذا البرنامج حين نطرح واقعه ونتاجه ، ونضع الطموحات التي نرتجيها منه.
سأتناول في هذه الورقة موقف الدراسات العليا بالجامعة من زاويتين:
الأولى ما تمّ إنجازه خلال هذه الفترة القصيرة من الزمن الغزيرة في الإنتاج.
والثانية من حيث احتياجات طلاب الدراسات العليا بالداخل من الدعم المعنوي والمادّي لقيمة المنجز من جهة وضرورة تشجيع الدراسة بالداخل لتوطين العلم والمعرفة من جهة أخرى والإسهام في دراسة قضايا البيئة والمجتمع دراسات ميدانيّة لها أكلها وثمارها ونفعها في النتائج والتوصيات من جهة ثالثة.
وسأبدأ بحصيلة الدراسات العليا بالجامعة التي أنجزت حتى نهاية العام 2007. والتي تصل إلى(170) رسالة علميّة تشكل رصيدا علميّا تعتزّ به الجامعة، ويمكن أن تباشر إن شاءت في إصدار الكتاب الشهري للجامعة ، فتعطي لها هذه الرسائل العلميّة القيّمة إضافة إلى إسهامات أعضاء هيئة التدريس إصدارات أكثر من (10) سنوات بواقع كتاب شهريّا دون توقّف. وبذلك تحتلّ الجامعة مكانتها بين الجامعات العربية والعالميّة من حيث غزارة الإنتاج وزخم البحث العلمي والإسهام في إثراء المعرفة.
دعونا نعرض الآن لإنجاز كلّ كليّة على حدة من حيث الموضوعات العلميّة المحليّة والعلميّة العامّة، لنصل إلى مدى فاعليّة هذا البرنامج الأكاديمي البحثي رغم قصر الفترة الزمنيّة التي اجتازها.

كليّة الاقتصاد:
لقد أنجزت كليّة الاقتصاد ما يصل إلى (37) رسالة علميّة. (15)منها تناولت قضايا تهمّ الواقع الوطني و(14) منها تناولت قضايا قوميّة و(8) رسائل تناولت قضايا عالميّة،أي أن 78.38% من الدراسات في الاقتصاد والمحاسبة والإدارة والعلوم السياسيّة تناولت قضايا وطنيّة وقوميّة و21.62% تناولت قضايا عالميّة.
وكلّ الذين توجّهوا للدراسة في العلوم السياسيّة من الذكور

كليّة العلوم:
أنجزت (52) رسالة علميّة . (19) منها ذات صلة بقضايا الواقع المحلّي .
و(33) منها رسائل تتناول قضايا علميّة عامّة وشكّلت نسبة الذكور للإناث %59.61 ذكور و40.39%

كلية الهندسة:
أمّا كلية الهندسة فقد أنجزت (12) رسالة علميّة
(6) منها تناولت قضايا علميّة ذات صلة بالواقع المحلّي والوطني (4) منهم ذكورا و(اثنتان) من الإناث.
و(6) من هذه الرسائل العلميّة تناولت قضايا علميّة عامّة. (5) من الذكور و(واحدة) من الإناث.

كليّة القانون:
التي أنجزت (3) رسائل علميّة (واحدة) منها لها صلة بقضيّة محليّة. و(اثنتان) لهما صلة بموضوعات علميّة عامّة .. وكلّهم من الذكور.

كليّة الآداب والتربية:
والتي أنجزت (53) رسالة علميّة حتى نهاية العام 2007م منها:
(29) رسالة علميّة تناولت قضايا الواقع المحلّي والوطني وفق دراسات ميدانيّة (14) من الذكور و(15) من الإناث
و(18) رسالة علميّة تناولت قضايا قوميّة وأفريقيّة. (9) من الذكور و(9) من الإناث.
و(6) رسائل تناولت قضايا علميّة عامّة. (2) من الذكور ، و(4) من الإناث.

كليّة الزراعة:
أما كلية الزراعة فقد أنجزت (11)رسالة علميّة ، حتى نهاية العام 2007م تناولت كلها قضايا محليّة ووطنيّة وجميعهم من الذكور.

مثل هذا التصنيف يضيء لنا عدّة جوانب:
أوّلا: حصيلة الدراسات العلميّة التي تناولت قضايا محليّة ووطنيّة في جميع الكليّات بلغت(82) رسالة علميّة من (170) مجمل الرسائل العلميّة حتى نهاية(2007ف) أي ما نسبته (48.24%) وإذا أضفنا الواقع المحلّي والعربي والأفريقي باعتبار ارتباطنا العضوي بهذا الواقع فستصل النسبة إلى (114) رسالة علميّة من مجموع (170) أي ما نسبته (67.06%)

ثانيا: أثر توجيه أعضاء هيئة التدريس لطلاّبهم وما يقترحونه عليهم بيّن وواضح إذا ما قمنا بإجراء مقارنة بالدراسات والأبحاث التي أنجزها أعضاء هيئة التدريس وقاموا بنشرها في الدوريّات التي تصدرها الجامعة(كالمجلّة العلميّة لجامعة التحدّي، ومجلّة أبحاث ، ومجلّة الباحث، ومجلّة أبحاث قانونيّة إضافة إلى الندوات والمؤتمرات التي أقامتها أو تبنّتها الجامعة. حيث نشر أعضاء هيئة التدريس بهذه الجامعة ما يصل إلى (208) بحثا علميّا منها (65) دراسة حول قضايا علميّة عامّة. و(73) حول قضايا عربيّة وأفريقيّة، و(70) بحثا علميّا حول القضايا ذات الصلة بالواقع المحلّي.
وهذا يعني أنّ نسبة الأبحاث التي تعالج إشكالات محليّة تصل إلى(33.65%) بينما التي تناولت قضايا عربية وأفريقيّة تصل نسبتها إلى(35.09%) بينما القضايا العلميّة العامّة (31.25%). وإذا أضفنا الأبحاث ذات الصلة بالقضايا المحليّة والوطنيّة بالأبحاث ذات الصلة بالقضايا العربية والأفريقيّة فستصل النسبة لدى دراسات أعضاء هيئة التدريس إلى ما نسبته(68.75%). ممّا يجعل النسب متقاربة، لكن علينا أن نضع في الاعتبار أنّ نسبة كبيرة من الدراسات لأعضاء هيئة التدريس والتي لها صلة بالواقع المحلّي والوطني جاء عبر ندوات ومؤتمرات أعدّت لها الجامعة مسبقا ومن ثمّ تمّ الإسهام فيها.
وعلى كلٍّ فإنّ مثل هذا التصنيف والإحصائيّات والمقارنات والنسب، توضّح أنّ التوجّه نحو دراسة الواقع المحلّي والوطني هو أساس توطين العلم وتوظيفه لخدمة الوطن والمواطن من خلال الدراسة والبحث العلمي ، خاصّة لأبناء المنطقة في دراساتهم بالداخل.. فإذا استطعنا أن نبعث بأبنائنا للدراسة بالخارج وإحراز مؤهلات علميّة ، فلن نستطيع أن نستورد من الباحثين من يقوم بدراسة واقعنا المحلّي وقضاياه.
لكنّ هذا يقودنا إلى تسليط الضوء على الزاوية الأخرى من هذه الورقة، والمتمثّلة في مدى الدعم المعنوي والمادّي الذي يجده طلاب الدراسات العليا بالداخل.
من خلال متابعتي أجد بعض القصور في الدعم المادّي الذي على الجامعة أو التعليم العالي أن يقوم به تجاه هؤلاء الطلاب دعما للبحث العلمي، ففي كليّة الآداب مثلا أنجزت رحلة علميّة واحدة في العام 01/2002ف لطلاب الدراسات العليا بقسم اللغة العربية إلى (جمهوريّة مالي) للاطلاع على المخطوطات العربية التي تذخر بها مكتبات مالي . وكان عددهم(5)طلاب. وأتيح لمجموعة بزيارة معرض كتاب محلّي هذا العام، وفيما عدا ذلك فكل الطلاب الذين تقدّموا بطلبات لدعمهم في رحلات علميّة داخليّة أو خارجيّة أو طلبوا دعمهم لزيارة معارض الكتب لم تتم الموافقة على طلباتهم، أو صرف النظر عنها ممّا دعاهم إلى إكمال مشوارهم بجهودهم الذاتيّة (حسب علمي). وهذا من وجهة نظري به حيف كبير مقارنة مع من يوفدون إلى الخارج ، رغم أنّ حصيلة الأبحاث والدراسات التي يتمّ إنجازها محليّا وميدانيّا هي من طلاب الدراسات العليا بالداخل. ولا أدري سببا لذلك سوى أنّ الآليّات التي تحكم ذلك ليست مترابطة بالصورة التي يمكن أن يقدّم بها الدعم لمن يستحق لإنجاز دراساته. (ومن أتحدّث عنهم خارج دائرة المعيدين الذين تتولّى الجامعة دعمهم).
ومن الصعوبات التي تواجه طلاب الدراسات العليا بالداخل كذلك:
• عدم التمكّن من حضور المؤتمرات العلميّة داخل وخارج الجماهيريّة،
• عدم وجود مقرّات خاصّة للقاء الطلاب بمشرفيهم(وأخصّ هنا كليّة الآداب والتربية) ممّا يدفع بهم للبحث عن حلول ليست مريحة.
• عدم اغتناء المكتبة المركزيّة بالدراسات الحديثة، وفقرها من حيث الدوريّات التي يتطلّبها البحث العلمي.
• إغلاق برنامج الدراسات العليا في مجمل الأقسام بالكليّة(عدا قسم اللغة العربيّة) ساهم في إحباط جميع الطلبة الذين لديهم الرغبة في استكمال دراساتهم العليا لا سيّما الإناث بالمنطقة. رغم أنّ الأمر يتطلّب توطين الدرجات العلميّة من المشرفين بالجامعة.

التوصيات التي أطرحها على هذه الندوة إضافة إلى ما سبق حرصا على الجودة:
1 ـ إضافة إلى ما سبق وحتى لا تصبح الدراسات التي أنجزت ميدانيا وذات صلة بالواقع المحلّي في حوزة الطلاب والمناقشين والمكتبة . أرى ضرورة أن تفتح إدارة الدراسات العليا بالجامعة القنوات مع الجهات ذات الصلة لتعميم الفائدة ودراسة النتائج والتوصيات التي توصلت لها تلك الدراسات ومحاولة الاستفادة منها .
2ـ بالنسبة للإخوة أعضاء هيئة التدريس الذين يقومون بالإشراف على طلاب الدراسات العليا أرى أن العبء عليهم كبيرٌ خاصّة وأنّ كاهلهم مثقل بموادّهم في جامعاتهم، وعليه أرى ضرورة توطين الدرجات العلميّة التي تسمح بالإشراف حتى يتمكّن الطلاب من الالتقاء بمشرفيهم وفق جدول محدّد، فالحوار بين الطالب والمشرف يولّد آفاقا رحبة للبحث العلمي.
3ـ أعيد هنا مقترح أن تتبنّى الجامعة مشروع إصدار الكتاب الشهري، خاصّة ولديها زخم من الدراسات والأبحاث التي عليها أن تبرزها تعميما للفائدة وإثباتا لفاعليّتها في مجال البحث العلمي.
4ـ المكتبة فقيرة من حيث الكتب والدوريّات العلميّة، وطلاب الدراسات العليا أحوج ما يكون إليها خاصّة في مرحلة جمع المادة العلميّة وضرورة مواكبة آخر الدراسات التي صدرت حول الموضوع الذي يقوم بدراسته.
5 ـ عدم إقحام إدارة الدراسات العليا بالجامعة لطلاب الدراسات العليا والمعيدين في مناشط ثقافيّة وبرامج علميّة وندوات ومؤتمرات ذات طابع محلّي يجعلهم معزولين عن التفاعل في الوسط العلمي الجامعي، ويقتصر جهدهم على موضوع الرسالة ليس غير. وهو أمر يمكن أن تتبناه الإدارة العامّة للدراسات العليا والتدريب بالتعاون مع الكليّات والأقسام العلميّة.
6ـ وأخيرا ولتسهيل الإجراءات الإداريّة لدى الإدارة العامّة للدراسات العليا بالجامعة عند رغبتها في التحقّق من الدرجات العلميّة لأعضاء هيئة التدريس المشرفين ، أو المناقشين. أن تطلب عن طريق نقابة أعضاء هيئة التدريس من النقابة العامّة تزويدها بقائمة أعضاء هيئة التدريس وتخصّصاتهم ودرجاتهم العلميّة بدلا من مطالبة كلّ عضو هيئة تدريس مشرفا أو مناقشا بضرورة إثبات درجته العلميّة ، وكلّهم من الأعلام المشهورين على مستوى الجماهيريّة.
هذا من حيث التوصيات أما الملاحظات:
فدعونا نعرّج على لائحة الدراسات العليا رقم (119) لسنة(2006 مسيحي) وتعديلها رقم(562) لسنة 2007مسيحي لطرح بعض الملاحظات من وجهة نظري الخاصّة: المادّة(19).. والتي تشير إلى عودة الطالب بعد حصوله على درجة الإجازة العالية(الماجستير لدراسة ساعات معتمدة ـ عند تسجيله لأطروحة دكتوراه ـ لا تقلّ عدد وحداتها المعتمدة عن (18) وحدة ولا تزيد على(24) وحدة إضافة إلى اجتياز امتحان شامل، وإنجاز أطروحة بحثيّة في مجال التخصّص تقبلها المؤسّسة التعليميّة وتجيزها لجنة المناقشة، هذه المادّة(من وجهة نظري ) بها إجحاف كبير على طالب الدكتوراه في مجال العلوم الإنسانيّة، الذي أجيز أصلا باحثا أكاديميّا منذ حصوله على درجة الماجستير، ولن تضيف له هذه الساعات جديدا إن لم تكن عائقا تعيده من رحابة البحث إلى أفق الدرس المحدود.
المادة(30) تقول بأن تتخذ لجنة المناقشة قراراتها دون الإشارة إلى التقدير ، وفي ذلك إجحاف على الطلاب المتميّزين أوّلا ، وثانيا تصبح الرسالة أو الأطروحة منفصلة تماما وقائمة بذاتها ولا صلة لها بدراسة الساعات المعتمدة في السنة التمهيديّة، تميّز فيها الطالب أم لا. في حين تشير المادة (39) إلى ضرورة الكتابة على صفحة الغلاف الأولى عبارة" قدّمت هذه الرسالة/الأطروحة استكمالا أو استيفاء لمتطلبات إجازة ...."
والمادة(30) أيضا تشير إلى إجازة الرسالة أو الأطروحة بإجماع أعضائها، وقد لا يتوفّر الإجماع بإجازة اثنين لواحد، فالمادة هنا تظلم الطالب إذا لم تتم إجازتها، ولا تعتدّ برأي اثنين من أعضائها.
المادة(37) بربطها مع المادة(36) والخاصّة بالإنذار وتلك الخاصّة بالفصل( حيث تقول المادّة(36) أ : يوجّه للطالب إنذارا إذا رسب في مقرّرين دراسيّين أو إذا رسب في نفس المقرّر مرّتين، بما يعني أنّ طالب السنة يحقّ له أن يبقى راسبا في مادة ، وعند رسوبه في ذات المادّة السنة التي تليها يوجّه له إنذار أوّل.. وفي المادة (37) يفصل الطالب في حالة حصوله على إنذارين إذا كان بنظام السنة الدراسيّة أو ثلاثة إنذارات إذا كان بنظام الفصل..وهذا يعنى أنّ طالب السنة يحقّ له أن يبقى (3) سنوات حتى يصل إلى مرحلة الفصل بتطبيق المادة(37). ومثل هذا التعثّر يعرقل كثيرا سير الدراسات ويتسبّب في شغل مقاعد لطلاب آخرين يودّون الالتحاق بالدراسات العليا.
لكم في الختام الودّ والتحيّة، آملا المزيد من الإنجاز العلمي بجامعة التحدّي ، وتسخير المزيد من الإمكانات لصالحه.

أ‌. عبد الرؤوف بابكر السيّد
الأستاذ المشارك وأمين قسم اللغة العربيّة
كليّة الآداب والتربية، جامعة التحدّي ـ سرت



.

إقرأ المزيد Entry>>

السبت، 26 ديسمبر 2009


دراسات في شعر المرأة الأفريقيّة


(4)
وللمرأة الأفريقيّة قضاياها كأنثى .. معاناتها البيولوجيّة في الحمل والإنجاب، الآلام التي تفلق الصخر يتحملها هذا الجسد النحيل، تلبية لرغبة التناسل والاستمرار النوعي في هذه الحياة.. معاناة الحمل والإنجاب لا يحسّ بها ولا يشعر بها غير المرأة.
تأتي هذه الآلام كأمر طبيعي هيّأته الطبيعة لأنثويّة المرأة، ولكن فوق ما تحمل من أعباء ومن قسوة الرجل وتعاليه عليها واستعباده لها تعاني الأمرّين ليخرج الطفل إلى الحياة..
كيف تعبّر المرأة عن هذه الآلام ، عن هذه المعاناة غير الصراخ والصراخ والصراخ إلى أن يمتزج ويتداخل صوتها بصراخ الطفل الوليد.. المرأة الأفريقيّة الشاعرة هي وحدها من ركّزت على هذه التجربة وحاولت تجسيدها عبر الإبداع اللغوي.. تجربة صادقة ، معاناة ، آلام، انتفاضة كاملة للجسد.. ومفردات من نقيع الدم وصرخات الحياة..

(إيرين أسيبا دالمينا) الشاعرة الأفريقيّة من بنين والتي تعلمت في بنين ونيجيريا وفرنسا والولايات المتحدة وحصلت على بكالوريوس الآداب والفنون(ليسانس الإنجليزيّة)، جامعة أمينس فرنسا 1969 وماجستير الفلسفة في جامعة أبادان – نيجيريا 1979، ودكتوراه من جامعة أموري، أتلانتا، جورجيا 1987 ، والتي تعاونت مع أولجا ماهوجب في ترجمة (سهم الله) لشينوا أتشيبي إلى الفرنسيّة، وتعمل في جامعة أريزونا، فونيكس.

إيرين أسيبا دالمينا تقول في قصيدتها التي تحمل عنوان (أختي ، أنت لا تستطيعين تخيّل الطفل خارجك) حيث تقول:
. يوما بعد يوم
أسبوعا بعد أسبوع
شهرا بعد شهر
حياة داخلي
يدهشني الشعور به ينمو
غير قادرة على إدراك السرّ
أنا خائفة من الألم
ليس مثل أيّ ألم عرفته
هل المعرفة قوّة؟
هل الجهل نعيم؟
الرفسة الأولى مفعمة بالحيويّة،
لطيفة، تحرّك الوجع
هل سيكون الآتي مشابهاً؟
كتاب لا ماز القديم
على رفّ مترب
شهيق، زفيرٌ ، نفح الحياة.
الأخواتُ يسخرن منك
ومن"لاماز" أيضا
ومن كلّ الكتب التي قرأتها
عندما يستبدّ الألم
وتسود قوّةُ الطبيعة الملكة
من يتذكّر؟
يا أختاه لا يمكن أن تتخيّلي الطفل خارجك!
أخطبوط ضخم
مجسّات في تشوّش
جسدي لا يعرف
كيف يوزّع الوجع
أخيراً: الهدوء
بلسم مسكّن فوق جرح غير ملتئم
ثمّ فجأة ينهار السد
وتندفع المياه
مندهشة من التدفق الجارف
أتمدّد منقوعة في الألم والخوف
يد حديديّة تقبض على رحمي
وبوحشيّة تطلق سراحه
تقبض، تطلق سراحي
مرّة بعد مرّة
أسرع فأسرع
حبيبات عرق تغطّي جلدي البنّي
العيون مفتوحة على اتساعها في عدم تصديق
لم أكن أعرف أنّني
يمكن أن أكون بهلواناً كبيراً !
منهكةً
أحشد كلّ طاقتي
كبركان
ينفث قوّة حيّةً
آخر وخزةٍ موجعة،
وقبل أن أدري
تنطلق صرخة تشبه الرعد
كأنه يأتي إلى هذا العالم،
الطفلُ
مع صرخة الحياة المبهجة.
نعم، أنا أعرف:
لا يمكن أن تتخيّلي الطفلَ
خارجك !!!
القضايا التي تتعلق بالمرأة كثيرة ومتعدّدة، تشكل عالم المرأة والتي لا يستطيع أن يعبّر عنها غيرها مهما عايش جوانب منها. فمسألة الحمل يعرف الرجل عنه ما أخذه عن الأحاديث العامة وما شاهده وما قرأه في المجال العلمي.. أمّا الأحاسيس الداخليّة والقلق والمشاعر التي تعتمل بصدر المرأة عن هذه المرحلة والمشوبة بل والممزوجة بالفرح والسعادة والانتشاء والزهو وبالحزن والتوتر والقلق والخوف والترقّب ومعانقة الموت والعودة للحياة.. بالشعور بالأمومة والاعتزاز بالدور الطبيعي لها إلى الخوف من المفاجآت والإعاقات والتغيّر البيولوجي ورسم صورة المستقبل وكيفية التنشئة والرعاية إلى الخوف من جور الزمان وغدره بعد الأمان الذي كان يلفها ويحميها.
فالحمل رغبة، والحمل مرحلة، والحمل معاناة وترقّب، والحمل إضافة، والحمل خصوبة، والحمل تأكيد للدور الطبيعي للمرأة. والحمل عند المرأة الأفريقيّة مرتبط برضا الأسلاف عنها وعن الزوج، أو هو حلول لروح الأسلاف وتجدّد فيها.. والتكاثر عزوة للآباء وللقبيلة، والتناسل تأكيد للذات وقهر للموت الذي مهما أخذ حتى في ظل التخلف فالحياة باقية والبشر مستمرون..
أمّا الولادة فآلام ومعاناة وموت وحياة وغياب وحضور ، وجهد لا يطاق تبذل فيه المرأة أقصى ما لديها من قوّة وكل ما امتلكت من طاقة ودفع.. فيها التشنج وآلام المخاض وتعسّر الولادة وما يصاحبها من أنين وصراخ وآلام ومعاناة وعرق ودموع ودماء وأوجاع تفوق قسوتها كل التصوّر ولا تنتهي إلا بصراخ الطفل
ومن جنوب أفريقيا تلتقينا الشاعرة (جيني كوزون) المولودة في 1942، حيث تعلّمت في بلادها ثمّ تحركت طلبا للعلم إلى إنجلترا، ثمّ إلى فيكتوريا، وكولمبيا البريطانيّة، واستقرت بعضا من الوقت في تورينتو أونتاريو. تعيش حاليا في لندن. نشرت قصائدها في صحف جنوب أفريقيا، وإنجلترا وكندا.. كما أنها محررة (بلوداكس للشاعرات المعاصرات" 1985. ولها من الدواوين المنشورة: طيران – 1970 -- حفل زفاف حمار 1971 – كرسماس في أفريقيا 1978 – بيت التغيّرات 1978 – الطير السعيد 1978 -- الحياة بجانب الفرق 1983 --.
تقول شاعرتنا الجنوب أفريقيّة عن الألم وهي تنطلق من ألم المخاض الذي عانته ، وهزّ كامل جسدها:
في البداية الآلام تدبّ حذرة فيَّ
كتسلّل الأطفال
أتحكّم في جزيئاتي بانتظام مع التنفّس
أحلم بالسباحة في الهواء أنشّط قوّتي
أركّز في النعمة الإلهيّة
ويبسط الأصيل ساعاته المختزنة
تتصاعد التقلّصات مثل مياه المحيط
حتى تصبح آلام العجيزة موجاتٍ متكسّرةٍ بقمم بيضاء
تقذفني عاليا تدفعني لأسفل
في ظلام مندفع ولم أعد أبكي ، لكنها تعصف
بوحشيّة كل لحظة
وغرفة المستشفى المضيئة تغرق في ضباب أرضي
أنا ضائعة
والألم عجلات عملاقة من الحجر تجرشني
أنا عمياء، أنا عجوز
طائر متشائم يطير من حنجرتي
الألم يطحنني في أسنانه
يمسحني خارجا إلى البحر
وينابع غضب تنفجر في لساني
لكن الزمن توقّف
عند الساعة السابعة وخمسٍ وعشرين دقيقة.
الساعات تتلوّى في فم الألم
تطلق بانتظام مصباحا يوخز في ضباب
على معصمك الجاجي أتوسّل تخليصي
يغرز مخالبه عميقا
الأوان تجأر في عينيَّ
وأصوات تصلني مثل الأصوات التي تصل عبر الموج
احبسْ أنفاسكْ، أداؤك جيّد..
بعيد ، بلا معنى، وغريب
النهار انزلق نحو ليل وليل
ينحرف عاجزا نحو الفجر
عندما اندفعُ إلى وعْيي ثانيةً
تقرع نحوي كلمات مثل نغمات جرس زجاجي
دفعة لطيفة واحدة ويولد هذا الطفل
أنا يقظة بوحشيّة
كاشفة أسناني، أنثى ذئب تراجعت عن الفرار
مزمجرة في وجه الموت
صوتي يتحرّر وعضلاتي تلتوي
إلى أسفل، نحو آخر وثبة قويّة
لأقذفك حرّاً،
بينما تندفع بسرعة نحو الحياة.
متذكرة هذا الألم أشعر نفسي خائنة
لكشف شفرة مارسناها في عائلة النساء
عبر أجيال.
عندما أراك
الألم في لحظة ينطلق من الذاكرة
مثل إعصار تسونامي الذي يسحق الأرض
ينجرف إلى البحر
وأفهم الكذبة التي أصدقني أصدقائي بشأنها
قبل أن تولد.
تجربة العمر
مع انبعاث الفرح برؤياك
نذكرك
ننسى الألم
نستسلم للذاكرة بسعادة على التو
دون اختزان أيّ أثر لمرارة أو خوف.
سيكون لنا أطفال آخرون.
بمرح نشجع بعضنا البعض
ويظل رجالنا شاحبين مصدومين
يتهامسون، يتشاورون فيما بينهم
معتقدون أنفسهم جبناء مخزيّين في قلوبهم
ويشكرون الرب بامتنان لكونهم رجالاً...
.

إقرأ المزيد Entry>>

الخميس، 24 ديسمبر 2009

أفريقيا بحروف أبنائها
(5)
تشينوا اتشيبي
عبدالرؤوف بابكر السيّد


*نتناول اليوم أحد كبار الروائيين الأفارقة، والذي كان منافسا قويّا ل(شوينكا) لنيل جائزة (نوبل) في الآداب، إنه (تشينوا اتشيبي).
* ولد تشينوا اتشيبي عام 1930 بإحدى قرى شرق نيجيريا، لأب من رجال الكنيسة، وكان جدّه من أوائل النيجيريين الذين تحوّلوا إلى المسيحيّة.
* وفي سن السادسة بدأ تعليمه المنظم، ولما أنهى المرحلة الثانويّة جاءته منحة لدراسة الطب بجامعة(إبادان)، ولكنه سرعان ما ترك الطب بعد عام واحد، وتحوّل إلى دراسة الآداب في الجامعة ذاتها.
* وفي العام 1953 نال البكالريوس، وبدأ حياته العمليّة بالتدريس، ولكنه سرعان ما تركه من أجل العمل بإذعة نيجيريا حيث ترقى في عمله وأصبح مديرا للإذاعة الموجهة عام1961.
* أصدر أولى رواياته عام 1958 في انجلترا بعنوان (الأشياء تتداعى) بعد بعض المحاولات في كتابة القصّة القصيرة، ولاقت الرواية نجاحا كبيرا شجعه على المضي في رحلته الموفقة مع هذا الفن الصعب.
. بعد عامين تلاها بأخرى كان قد جعلها جزءا ثانيا للأولى وهي(لم يعد ثمّة راحة).
*وفي عام 1964 ظهرت روايته الثالثة بعنوان(سهم الله)، وبعد عامين آخرين تلاها بروايته الرابعة(رجل الشعب)
*وفي العام1966 ترك العمل بالإذاعة، بعد حوادث القتل التي تعرّض لها أبناء قومه(الإيبو) وعاد إلى شرق نيجيريا.
*في العام1967 أسس مع الشاعر (كريستوفر أوكيجبو) دارا للنشر، بهدف تشجيع الكتابة لتلاميذ المدارس، ولكن الحرب الأهليّة اشتعلت بعد قليل، وانضمّ (أوكيجبو) إلى جيش (بيافرا)، ولقي مصرعه في أكتوبر من ذلك العام. ونال الدمار بيت (اتشيبي) فتوقف مشروع النشر.
* في العام 1969 وبعد توقف الحرب، سافر (أتشيبي) إلى أمريكا مع(جابرييل أوكارا) و(سيبريان إكوينسي). وطاف الثلاثة بالولايات المتحدة محاضرين بجامعاتها. وعند عودتهم عيّن (أتشيبي) باحثا بمعهد الدراسات الأفريقيّة بجامعة نيجيريا في(نوزاكا) وتولّى تحرير مجلة الجامعة، ومجلة أخرى ثقافيّة اسمها(أوكيكي).
*أصبح مستشارا لسلسلة الكتاب الأفارقة التي أنشأتها(دار هانيمان) البريطانيّة، وهي الدار التي تولت نشر رواياته.
*قضى أربع سنوات(من1972 وحتى1976) أستاذا زائرا في بعض الجامعات الأمريكيّة.
* وفي الثمانينيات استمرّ في تدريس الأدب الأفريقي في(نوزاكا)، وأحيا جمعيّة الأدباء النيجيريين التي توقفت منذ الحرب الأهليّة، وعاد إلى كتابة القصّة القصيرة، وكتب شعرا ومقالات وقصصا للأطفال.
* في تلك الأثناء نال الدكتوراه الفخريّة من جامعة(دارتموث) الأمريكيّة، وفاز بعدد من الجوائز المحلّية البريطانيّة.
*ترجمت روايته الأولى إلى 30 لغة، ورشح لجائزة (نوبل)، ولكنه توقف عن كتابة الرواية نحو عشرين سنة، وفي العام1987 نشر رواية بعنوان" كثبان نمال السهول".
* أطلق (أتشيبي) على نفسه ـ ذات مرّة ـ اسم(عابد الأسلاف)، ثم صرّح بعد ذلك بقوله:
*" يرضيني غاية الرضا أن تقتصر رواياتي، ولاسيما التي تدور عن الماضي على تعليم قرّائها أن ماضيهم ـ بكل ما فيه من جوانب نقص ـ لم يكن ليلة طويلة من الوحشيّة".
*ومع أن رواياته الثلاث الأولى تدور عن الماضي ـ كما قال ـ فهو الماضي الممتد في الحاضر، الخاضع لرؤيته وتقييمه. وتشكل هذه الروايات الثلاث الأولى ثلاثيّة عن شعب (الإيبو) في نيجيريا الذي ينتمي إليه، ولكنها ثلاثية السيطرة الاستعماريّة أيضا من حيث انعكاس هذه السيطرة وتأثيرها على حياة المجتمع التقليدي، وتمتد زمنيا على مساحة قدرها نحو قرن من الزمان(1850 ـ 1950).

• تدور " الأشياء تتداعى" حول مأساة مزدوجة يتصل أحد وجهيها ببطلها(أوكونكو) ويتصل الآخر بقريته(أوموفيا) . ومع أن حياة(أوكونكو) سيطر عليها خوف دائم من الفشل والضعف فهو نفسه"كان من أعظم رجال عصره برغم شبابه).
• ومن خلال العمل الشاق والإصرار يصبح ناجحا في حياته ومحترما عند أهل قريته، فضلا عن كونه مقاتلا عظيما. ومع أنه ليس مجبولا على القسوة فهو يتصرّف بقسوة فيضرب إحدى زوجاته في مناسبة يحرّم الضرب فيها، ويطلق الرصاص على زوجة أخرى فيكاد يقتلها. بل يقتل صبيّا عهد به إليه إلى أن يقرر الكاهن مصيره، كما تقضي التقاليد، ثم يقتل أحد أبناء عشيرته برصاصة طائشة من بندقيّته.
• لهذا كله يعاقب(أوكونكو) بالنفي سبع سنوات، فيلجأ مع أسرته إلى قرية عشيرة حماته. ويقضي عقوبته راضيا. ومع أنه يحقّق شيئا من النجاح والثراء في منفاه ، فهو يشعر باليأس من وجوده" فقد كانت حياته يحكمها هوى غلاّب" في أن يصبح أحد سادة العشيرة.
• كان ذلك يمثل ربيع حياته. وهو لم ينجز شيئا سواه ، ثم تحطّم كل شيء وأخرج من عشيرته وهو يلهث مثل سمكة أخرجت إلى شاطئ رملي جاف. ولكن السنين تمضي به فيرى أولى طلائع المبشّرين المسيحيين في المنطقة.
• وما أن تنقضي العقوبة، ويعود إلى قريته حتى يكتشف أن المبشرين أقاموا الكنائس، وعسكروا داخل القرية. عند ذلك يغضب ويثور، ويحارب رجال الإدارة الاستعماريّة حتى يقتل رسولا بعثه المأمور الأبيض لإيقاف اجتماع العشيرة الذي دعا إليه(أوكونكو). وسرعان ما يجد نفسه وحيدا في هذا الصراع الجديد، فقد انقسم القرويّون، وتداعت الوشائج القبليّة، وفي غمرة من الإحساس بالغربة والإحباط يشنق نفسه.

• في رواية (أتشيبي) الثانية التي تتدرج عودا إلى الماضي حتى تصل البداية، يطالعنا مشهد البداية(محاكمة أوبي) الشاب المثقف حفيد(أوكونكو) وبطل الرواية، وهو الوحيد من أبناء الأسرة الذي تعلّم تعليما غربيّا.
• ونظرا لتفوّقه فقد أقرضه(حزب الاتحاد القومي) بقريته(أوموفيا) بعض المال لإكمال دراسته في إنجلترا. وهناك يزداد احتكاكا بالغرب ، وفي طريق عودته، وعلى ظهر الباخرة التي أقلته يتعرّف إلى(كلارا) مواطنته الشابّة التي درست التمريض في انجلترا أيضا.
• وتتطوّر هذه المعرفة إلى حب غامر بعد ذلك، وفور عودته يحصل(أوبي) على وظيفة مغرية. إذ يعيّن سكرتيرا لهيئة البعثات الحكوميّة في( لاغوس) ويبدي مثاليّة واستقامة في وظيفته.
• ولكنه سرعان ما يسقط فريسة للديون. فقد حلّ موعد سداد قرض الاتحاد القومي، وتكاثرت ضرائبه ومشترياته، وتزايدت نفقات حبّه. وتصير علاقته ب(كلارا) عبئا نفسيّا ومادّيا كبيرا، فهي في عرف قومه من المنبوذين لأنها تنحدر من العبيد، فضلا عن أن الاتحاد المذكور وأباه لا يوافقان على هذه العلاقة، بل إن أمه تهدّد بالانتحار إذا هو تزوّجها .. وتتراكم الضغوط عليه، وترغمه حاجته إلى المال على التهاون في مثاليته وقبول الرشوة حتى يفسد وينتهي إلى السجن.

• الرواية الثالثة ل(أتشيبي) " سهم الله" ارتدت إلى موضوع التبشير، فصوّرت وقع المسيحيّة على شعب(الإيبو) التقليدي الوثني، وانخداع السود في البيض. ولكنها تركت قرية(أوموفيا) ودارت في قرى(الإيبو) المجاورة في شرق نيجيريا إبان العشرينيات من القرن الماضي.
• بطل رواية(سهم الله) "إزويلو" كاهن وثني تقليدي، يحاول تعزيز سلطانه على القرويين ، فيتصدّى لإيقاف حرب نشبت بين قبيلته وقبيلة أخرى مجاورة، ولكن مأمور المركز الانجليزي ينجح فيما لم ينجح هو فيه، فيزداد(إزويلو) إعجابا بالرجل الأبيض وذكائه وقوّته، بالرغم من أن المأمور نفسه جاهل بالعادات والمعتقدات الفبليّة.
• وبناء على هذا الإعجاب يقرر الكاهن إرسال ابنه(أودوشي) إلى مدرسة المبشّرين حتى يتعلّم أسرار هذا الذكاء وتلك القوّة، ويصبح عين أبيه وأذنه بين البيض.( ولكن الرياح تأتي بما لا يشتهي السّفن) فيتعلّق الابن بالمسيحيّة، ويزدري ديانة أبيه، بل يحاول قتل الثعبان المعبود. ويؤدي ذلك إلى صراعات عنيفة داخل الجماعة، وعداء أعنف من جانب(إزويلو) للإدارة الاستعماريّة. ويقوده عناده وزهوه بقومه إلى الصدام مع السلطة البيضاء وإلحاق الخراب بنفسه وجماعته.

• وبهذه الرواية تنتهي ثلاثية أفريقيا غير المستقلّة ـ القبليّة التقليدية ـ في إنتاج (أتشيبي) وتظهر أفريقيا المستقلّة في روايته الرابعة(رجل الشعب). فالزمان هنا هو الستينيات، والمكان دولة أفريقيّة جديدة غير محدّدة، بعد أربع سنوات من الاستقلال. بطلها وراويها (أوديلي) مثقف شاب ، وتلميذ سابق ل(نانجا) السياسي شبه الأمّي الذي وجد نفسه ـ فجأة ـ بعد استقلال بلاده وزيرا للثقافة.
• وبالرغم من مثاليّة (أوديلي) وطموحه إلى تطوير شعبه فهو يشعر بأن أستاذه السابق قد ينجح في هذا التطوير. ولكنه يصدم في رئيس الوزراء الذي حذّر في إحدى خطبه بأنه" لن يحدث أن نعهد بمصيرنا ومصير أفريقيا إلى الطبقة المهجّنة من المثقفين المتحذلقين المتعلّمين في الغرب، الذين لا يتردّدون في بيع أمهاتهم مقابل طبق من حساء الخضر باللحم". ثم يدعو(نانجا) ليكون ضيفا عليه في العاصمة.
• وهناك يجرّب حياة البذخ واللهو التي يعيشها كبار المسؤولين. وتجرّه السياسة شيئا فشيئا إلى دوّامتها، فيرشّح نفسه خصما ل(نانجا) نفسه في انتخابات البرلمان، بعد عدد من المنافسات على النساء بينه وبين أستاذه. ولكن " حزب الشعب العادي" الذي ينتمي إليه يخذله ثم يكتشف أن رئيس حزبه لا يفرق بين المبادئ والمنافع حتى صرعته سيارة رئيس حزب آخر معارض.
• وبعد إعادة انتخاب (نانجا) يعتدي أنصاره بالضرب على(أوديلي) حتى ينتهي إلى المستشفى. وعلى فراش المرض يسمع أنباء انقلاب عسكري واعتقال(نانجا) وسجنه. وبذلك تنتهي الرواية التي تردّنا منذ بدايتها إلى نيجيريا بعد استقلالها حتى الانقلاب العسكري في يناير1966.

• رواية (أتشيبي) الخامسة ( كثبان نمال السهول) تبدأ كما يلي:
.... إنك تضيّع وقت الجميع يا حضرة وزير الإعلام. لن أذهب إلى
(أبازون) . هذا قرار! انتهينا! هل عندك موضوع آخر؟
.... كما تشاء يا صاحب الرفعة. ولكن...
.... ولكن لا أريد لكن يا سيد أوريكو ! الموضوع انتهى كما قلت لك .
كم مرّة بحق الله ، تتوقع أن أكرر هذا؟ لماذا تجد صعوبة كبيرة
في فهم قراري. في أيّ شيء؟
.... معذرة يا صاحب الرفعة. ولكني لا أجد صعوبة في فهم قراراتك
وهضمها.

*وانصبّ شرر عينيه عليّ لمدة دقيقة أو نحو ذلك. وامتلأت عيوننا بالغضب برهة قصيرة. ثم خفضت عينيّ باستسلام شعائري حتى استقرّتا على سطح المنضدة اللامع. وساد صمت طويل. ولكنه لم يهدأ بل جعل الصمت ذاته ينمو بسرعة ويتحوّل إلى مشادّة مثلما يحدث في مبارزات الأطفال بلفتات العيون، وسلمت بالنصر له أيضا. ثم قلت له مرة أخرى دون أن أرفع عيني: "أنا آسف جدا يا صاحب الرفعة، ولكني لم أكن لأقول هذا مرة أخرى قبل عام ـ دون أن أسيء إلى نفسي إساءة بالغة. أما الآن فقد قلتها كمجاملة عابرة له. فهي لم تعن لي أيّ شيء على الإطلاق، لم تسبب لي أيّ ضيق من أيّ نوع ، ولكنها كانت تعني كل شيء بالنسبة له.
* هذه البداية الدراميّة المثيرة تتفتح شيئا فشيئا بعد ذلك فتكشف عن مأساة أخرى من المآسي الأفريقيّة التي شغل بها (أتشيبي)، ولكنها هنا، المأساة المعاصرة، تدور في بلد خيالي في أفريقيا اسمه(كانجان) بلد يسيطر عليه انقلاب عسكري، ويحكمه شاب جاهل، أحمق ، تعلم بمدرسة(ساند هيرست) الحربية الإنجليزيّة المعروفة. فلما نجح انقلابه جاء بصديقيه المدنيّين القديمين:( كريس أوريكو و يايكيم أوزودو) وجعل الأول وزير إعلامه، والثاني رئيس تحرير الجريدة الرسميّة.
* ومع أن هذين الصديقين كانا الوحيدين بين رجاله اللذين يناقشانه، ويبصّرانه بما يجب أن يعمل، فسرعان ما كتم نفسيهما، بل طاردهما بعد ذلك، وسحقهما بكل ما أوتي من قوّة الدولة البوليسيّة الحديثة. والسبب المباشر في ذلك كله هو منطقة(أبازون) التي أصابها الجفاف، وآلت إلى الخراب. فقد نصح (أوريكو) الرئيس بالسفر إليها، ومواساة أهلها، ومساعدتهم على مد أنابيب المياه إليها. ووافق الرئيس في البداية ثم تراجع، فبدأت مأساة البلد والنظام والبشر.
* ولما جاء شيخ المنطقة وزعيمها العجوز إلى مقر الرئاسة على رأس وفد خاص رفض أن يقابله، بل اعتقله. ومع تزايد القمع والإرهاب يلوح في الأفق بصيص انقلاب جديد، كما هي العادة في دورة الحركات الانقلابيّة المعاصرة في أفريقيا. ومع الانقلاب الجديد يختفي الرئيس، ويخرج الشعب إلى الشوارع يرقص ويغني ، قبل أن يمنع من الرقص والغناء.
* الرواية تشكل نوعا من التأمل الهادئ في مستقبل المجتمعات الأفريقية، ودولها، ومدنها المكتظة غير الآمنة. وفيها يرى أن تخرج السلطة من أيدي النخبة وتعود إلى صاحبها الحقيقي روح الشعب الصاحية . ومع ذلك فهي تنضم إلى رواياته السابقة لتؤكد مرة أخرى أنه رافض للاستعمار، متنبه لتركته المثقلة، مؤمن بحق الأفريقي العادي في الحياة الحرّة الكريمة.

.

إقرأ المزيد Entry>>

الاثنين، 21 ديسمبر 2009

دراسات في شعر المرأة الأفريقيّة
(3)
(هموم الوطن)


فوق هموم المرأة الذاتية التي فرضتها عليها الطبيعة والتي أحبتها وأعلنت عنها عبر إبداعاتها، مبرزة خصوصيتها في المعاناة حملا ومخاضا وإنجابا وسعادة غامرة وتواصلا.. فوق كلّ ذلك تخوض المرأة الأفريقيّة وبجرأة كبيرة عالم السياسة، وتقتحم عالم النضال الوطني قبل خروج المستعمر وبعده.. إنها تثبت بذلك أنها عنصر جريء فاعل في الوطن، لها رأيها ولها دورها وفعلها حاملة أبناء الوطن في جوفها وحاملة هموم الوطن في صدرها.
هذه شاعرة أفريقيّة من نيجيريا تدعى (آفي أماديوم) تقود حملتها السياسيّة ضدّ العسكر الذين يقفزون كلّ يوم إلى كرسيّ الحكم، والشعب مستلب ، مقطوع اللسان، فالسلطة لهم والثروة لهم والسلاح بأيديهم، أمن أجل هذا تحرّرنا من المستعمر وقدمنا التضحيات كي يبدأ الصراع من جديد بين أبناء الوطن الواحد..
. والشاعرة النيجيريّة (آفي أماديوم) تعيش حاليا وتعمل في إنجلترا، ظهرت قصائدها في ( أوكيك، غرب أفريقيا والخط الأمامي) بالإضافة إلى عدد من الصحف والمقتطفات الأدبيّة..
ديوانها الشعري ( موجات عاطفيّة) نشر بلندن عام 1986 ، وحصلت على جائزة الشعر للخطوط الجويّة البريطانيّة (كمونويلث) لعام 1986.
كما نشرت أيضا ( بنات الذكر أزواج الأنثى) عام 1987، وهو كتاب حول ثقافة الإجيو..
تقول (آفي أماديوم) في قصيدتها " فقدنا حتى ألسنتنا" معرّية لحال الشعب الذي لم يقبض على سلطته بعد ولا على قوته بعد مصوّرة حال المواطن كيف كان يعيش ، وكيف يعيش الآن، حتى الوجبات التي يقتاتها تصفها في ألم ( غليان لأوراق الشجر، الحبوب الحارة المبخرة المطبوخة، والذرة المتخمّرة، ودخن العصيدة.. إنه الأكل الشعبي المعتاد، الذي كانت توفره قليل من السنتات):

انظروا
أوه، أفراد بلا قلوب
انظروا، إلى موتانا
كان هناك وقت
حين – من أجل سنتات – ملأنا بطوننا
كرات أكارا
موا موا
ملفوفة بنعومة
من أوراق الشجر طازجة ومغليّة
حبوب حارة مبخّرة
مطبوخة بالبهارات
وزيت أحمر
ذرة متخمّرة
دخن للعصيدة
كسرنا صيام الليل
من أجل سنتات
الزوجة المعقوفة
المرأة العجوز
أمهاتنا لم يعدن يجدن ذرة، بذور درن للطبخ،
للبيع..

وصباح كل يوم في رتابة يجري أطفال المدارس في الشوارع حاملين ألواحا سوداء في أياديهم.. فإذا بالجنود والعسكر المسلحين والمدربين على الضرب لمواطنيهم يملؤون الشوارع، ليظل الصمت سيّد الموقف.. إنهم حكام بلا قلب..

لا مزيد من منظر الصباح الأوّل
المبهج لأطفال المدارس
يجرون في شذر – مذرٍ
أواني طعام مبخرة
أو ألواح سوداء في أياديهم
الزي الرسمي لا يزال يملأ الشوارع
وجوه قاسية
عيون قلقة
إنهم جنود مسلحون
مدربون على الضرب
جياع .. لا شيء..
انظروا
أوه، حكام بلا قلب..

من أين جاء هؤلاء الحكّام؟ من نصّبهم علينا؟ لقد ذهبنا إلى صناديق الاقتراع في خدعة كبيرة فخسرنا كلّ شيء ، كلّ شيء إلاّ أفواهنا..

انظروا إلى شعبنا البائس
اليوم ذهبنا إلى صناديق الاقتراع
فزنا باللا احترام
نحن نخسر، نخسر
نخسر كلّ شيء
إلا أفواهنا
نستطيع أن نلعنهم
نستطيع أن نلعن الأرض
نستطيع أن نلعن اليوم
الذي وجدوا الزيت فيه..
بما أننا نشأنا
أكثر بأساً من الجوع والعطش
فها هم
صور خياليّة
على أقمشتهم المقصّبة اللامعة
عباءات حريريّة زاهية
غدت أكثر إتقانا ووضوحا
كذلك أيضا حكايات عن مزيد من الزيت
الذي يبيعونه
مثل حفلات تنكريّة مروعة عظيمة
طالبوا بالشوارع
حقا
كل مكان محترم لأنفسهم
بينما شعبنا
أصبح كالح الوجه
ذي شفة مربوطة
مشاهد عن بعد
ننتظر، ننتظر، وننتظر..

وتختم الشاعرة قصيدته التحريضيّة، بصورة الجنود والعسكر الذين جرّدوا المواطنين من كلّ شيء حتى الألسنة التي كانوا يحتجون بها.. ويحتمون ولو بالصيحات والصراخ بها.. إنه الجوع والعطش.. إنه مصادرة الحريّة .. إنه الموت..

الجنود أتوا
ما زلنا لا نملك شيئا، شيئا، شيئا..
الآن فقدنا حتى ألسنتنا
قطعت بالحواف الحادة لقماش الكاكي
متيبّسة بعصير ذرتنا، درّنا
انظروا، أوه
ديكتاتوريّن بلا قلب
الشعب يموت
يموت من الجوع
يموت من العطش..

كم كان المواطن الأفريقي يأمل في تجديد حياته، وفي إثراء غذائه، بعد نضالاته المريرة ضد المستعمر.. وها هو اليوم يفقد حريته من جديد، عن طريق أبناء وطنه من العسكر الذين جيّروا خيرات البلاد وثرواتها لصالحهم، قمعوا المواطن البسيط، وحرموه من تحسين وضعه المعيشي، بل حتى من كلمة احتجاج أو صيحة ضد الظلم الذي يشعر به ، والاستبداد والطغيان الذي يضيّق عليه.
كم هي قاسية تلك المعاناة للمرأة الأفريقيّة التي ترى في نفسها حاملة لهموم الحمل والمخاض وآلام الولادة والتربية ، راعية لأبنائها فرحة بهم وهم يتجهون إلى مدارسهم، فإذا بالمشهد الدكتاتوري الذي يحرمهم من الاحتجاج على الظلم.... يتعلمون وهم جياع، وحين يرغبون في الاحتجاج تقطع ألسنتهم.. والهموم التي تحملها المرأة الأفريقيّة لا تنتهي..

.

إقرأ المزيد Entry>>

الأحد، 20 ديسمبر 2009

أفريقيا بحروف أبنائها 4
ويلي سوينكا
  عبدالرؤوف بابكر السيّد


• من نتحدث عنه اليوم هو الأديب الحائز على جائزة (نوبل)، والذي يعدّ ظاهرة استثنائيّة، غزير الإنتاج، وغني الأداء، إضافة إلى المسرحيات والروايات والقصائد والمقالات والترجمات.. إنه المبدع الذي استقى بعناية من كلتا الثقافتين: ثقافة اليوروبا والثقافة الغربيّة، وببراعة استوعب تراجيديا وكوميديا الحالة الإنسانيّة.
• وكمدافع عن حقوق الإنسان كان دوما جريء الصوت من أجل العدالة والحرّية ونهاية الاستبداد. لقد خاطر بحياته مرّات ومرات ليبيّن المبادئ الأخلاقيّة التي تؤسس لقيم الإنسان ، سواء في موطنه نيجيريا أو في العالم كله.
• إنه مؤلف مسرحي، وممثل، ومخرج، وشاعر، وروائي، ومترجم، وناقد، ومحاضر ... بروفيسور ( وولي شوينكا) سنحاول قراءته والتعرف عليه ، كأحد أهم أعلام أفريقيا، ومن أغزرهم إبداعا وعطاء.
. • نتابع الحوار الذي أجراه(هاري كريسكي) من معهد الدراسات العالميّة، بيركلي.وقمت بترجمته تعميما للفائدة ... حيث بدأ معه بسنوات الطفولة التي جسّدها(شوينكا) في رائعته (إيك.. سنوات الطفولة)،
• حول سؤال له عن القيم والعبر التي زوّدتها به الطفولة، وبرزت أهميتها لدى (شوينكا) الراشد؟ يجيب (وولي شوينكا):
• لعلّ أهم مازوّدتني به الطفولة هو الثقة بالنفس، ولا أدري إذا كانت تلك الصفة إيجابيّة حقّا؟، لأنها كثيرا ما أذاقتني تجارب قاسية، أحسب أن الإنسان حينما يعتقد بإيمان راسخ في قضيّة أو رسالة مّا، يترتّب على ذلك تلقائيا تنامي ثقته بنفسه، وتقوّي شكيمته سعيا وراء الهدف المنشود.
من أين اكتسبت المهارة والثروة اللغويّة؟
• أظنّ أنه ربما جاءت من عائلة ممتدّة من صيّادي الكلمات، وبذلك أعني امتداد عائلتي، وهي كبيرة جدا ، أتذكر أنني دوما كنت محاطا بأعمام وعمات وأخوال وخالات، وكان والدي وأصحابه المثقفون في مجموعهم بارعون في السرد بطريقة أو بأخرى، إنهم يسردون قصصا وحكايات تنطوي على نزاعات ومعارك شاركوا فيها.. لقد نشأت في هذا المناخ الذي تشكل فيه الكلمة جوهر الثقافة.
ماذا كان إسهام والدتك؟
• من غير ريب كان لها إسهام كبير، لقد كنت أسميها(مسيح البرّية) إنها كانت تعرف قصصا كثيرة ذات طابع ديني كما أظن، ولكنها أيضا نشأت في مناخ تمتزج فيه الأسطورة بالواقع، لذا فهي أيضا لديها ما تقول.
في كتابك (إيك) سنوات الطفولة.. هناك تلاقح إلى ما بين عالم أمك والعالم الذي جلبه المستعمر.. عالم رجال الدين والأساقفة والقساوسة، والمدافع وما إلى ذلك. وتجدر الملاحظة أن هنالك نوعا من التواصل بين هذه العوالم.. ما تفسير ذلك؟
• كنت مطوّقا بالكامل ومغمورا بسيماء ثقافة اليوروبا ومعطياتها.. حتى المسيحيين وجدوا أنفسهم مضطرين للتعامل بشكل ما مع الثقافات الوثنيّة .. على سبيل المثال: وجد أحد أعمامي ـ سعيا للتواصل ـ أن أفضل رهانه في أن (يدوزن) الغنائية المسيحيّة في ضوء اللحن الوثني التقليدي، هذا الأسلوب يجعل الإحساس بالغربة ليس عميقا، والمسافة ليست كبيرة بالإضافة إلى أنك متواصل مع السلفيّة، تمرّ عبر شوارع (أبويجا) قاطعا أمام الكنيسة، متسئلا عن دلالتها، ماذا تعنى؟ ماذا يفعلون؟ فأنا فضولي جدا ، وإذا تذكرت من سنوات الطفولة .. كيف نشأت، كيف كنت أركب الحفلات التنكريّة بحيث تتطابق الأقنعة نفسها مع الأشكال القديسة المصبوغة على زجاج نافذة الكنيسة، لذا كان هذا الانصهار الدائم في الوصف والتصوير الحي، ولم أجد تناقضا بينهما.
كتابك (ذكرى طفولة) كتب بقلم راشد، وكل من يقرأه يؤخذ بانزياح ذهنيّة الطفل في العمل، البراعة في الترابط الذهني للأشياء، كمثال ، لقد أشرت إلى القانون الكنسي، فأدهشني تصويرك منزل المستعمر مع المدفع الذي أمامه، حيث ربطته مباشرة برجل الدين الكنسي..إلى ما إلى ذلك.. هل يظل الطفل جزءا هاما في إبداعك حتى اليوم؟
• آمل ذلك وأتوقعه، ذلك الكائن _ أعني الطفل ـ لديه جاهزيّة ربط الأفكار وتداعياتها.. خاصة إذا كانت تلك المعاني مثارة بصوت الكلمات.. إنها مهارة، كما أعتقد ينبغي أن يتحلّى بها كل الكتاب والشعراء على نحو ما. بالطبع .. الكاهن ساعدنا كذلك بامتلاك رأس يشابه المدفع.

القارئ يفهم من نتيجة وصفك كيف تبدو مهمة الكاهن، الكتاب محشوٌ
بمشاهد غامضة لشخصيّات ثريّة، ـ أنا غير راض لأسألك عن هذا ! لكنني سأفعل على أية حال ـ هل هناك شخص يقف وراءك كمعلم خاص عندما كنت طفلا؟
• لست متأكدا تماما، لا أعتقد ذلك، ربما إذا كان هناك بعض الأشخاص فهو معلمي الأول السيد(ليجبيرجو) أكثر معلم أتمثله كشخص يزخر بتدفق الحياة والمعرفة والمتعة والكفاح والحوار والجدل .. لقد كان المعلّم الذي منه تعوّدت أن أكون كما هو متوقّع.. إذا لم أشأ الذهاب إلى البيت أبقى معه. وقد وثق مبكرا بي، شجعني في فصله، وكان فصله أول ما التحقت به حينما بادرت بأخذ نفسي إلى المدرسة. وفي منزله استمتعت بال(ميديان) وهي وجبة تقليديّة. كذا رافقته والكتب مع ال (ميديان) والخضروات مع المعرفة عموما والحوار والمجادلة، لأنه تعوّد أن يكون محاورا يملك الحجّة مع والدي. لذا يمكن القول إذا كان هناك من شخص فهو الرجل الذي كان بمثابة الخيط الرابط لأنماط تنوّع المعاش التي صنعت شوينكا الراشد.
أنا ابتسم لأننى استدعي من كتابك (ذكرى طفولة) بداياتك المدرسيّة، فأجدك في غضون يوم واحد، بعد قرارك الذهاب إلى المدرسة، أنك تبعت أختك والتحقت معها بالصف.
• هذا صحيح !
ما هي الكتب التي شكلت معظم روافدك طفلا؟
• لا أدري ، فقط أستطيع أن أخبرك ماذا قرأت .. وقرأتهم ببساطة لأنهم هناك .. أنا أتذكر أن أبي لديه مجموعة ديكنز(شارلز ديكنز) أذكر جيّدا كان لديه بعض المختارات الأدبيّة من الشعر، إنه يقرأ القصائد مثل(تينسون). أتذكر بعض المجموعات الشعريّة، إنها شديدة الصعوبة من هذه المسافة. ولكنني فقط قرأت ما كان هناك، لذا فمن الصعوبة القول ما هي روافدي ..

من مسرحيّة (الأسد والجوهرة)

هذه (سيدي) حسناء القرية التي يتنافس على حبها(لاكونلي) المدرس الشاب، وشيخ القرية العجوز(باروكا).
المشهد يدور صباحا عند حافة السوق التي يحدّها جدار المدرسة.. تظهر (سيدي) وعلى رأسها (دلو) صغير مملوء بالماء. وما أن تظهر علي المسرح حتى يظهر وجه(لاكونلي) من نافذة الفصل، والأولاد ينشدون عمليات الضرب المعروفة.. يترك (لاكونلي) الفصل فور رؤيته للمحبوبة، ويهرع إليها.

لاكونلي: دعيني أحمله عنك.
سيدي : كلاّ
لاكونلي: دعيني ( يمسك بالدلو فيتساقط بعض الماء عليه)
سيدي : (سعيدة) هاك برّد آلامك، أليس عندك خجل؟
لاكونلي : إليكِ ما قالته القدرُ للنار: أليس عندكِ خجل ، أفي مثل سنّكِ تلعقين
قعري؟ .. ولكنها انتشت بالدغدغة أيضا.
سيدي : الدرس حافل بالحكايات هذا الصباح، والآن إذا كان الدرس قد انتهى
فهل آخذ (الدلو)؟
لاكونلي: كلاّ، سبق أن قلت لكِ ألاّ تحملي أثقالا على رأسك. ولكنك عنيدة مثل
جدي جاهل. هذا الأمر يؤذي العمود الفقري، ويقصّر عنقك. حتى
أنك سوف تفقدين عنقك في القريب العاجل. أتحبّين أن تظهري
مسحوقة بلا عنق؟ كما يظهر الناس في رسوم تلاميذي؟.
سيدي : لماذا يقلقني هذا؟ ألم تقسم لي أن مظهري لا يؤثر في حبّك؟ لقد قلت
لي بالأمس وأنت تجرجر ركبتيك في التراب :
سيدي، لوكنت محنيّة أو بدينة، وكان جلدك محشرفا مثل ...
لاكونلي : كفى ! كفى!
سيدي : إنما أردت أن أعيد ما قلته أنت.
لاكونلي: نعم ، ولن أتنازل عن كل كلمة قلتها، ولكن هل من الواجب أن
تستغني عن عنقك لهذا السبب؟ سيدي، هذا شيء لا أنوثة فيه،
فالعناكب وحدها هي التي تحمل أثقالا مثل ما تفعلين.
سيدي : (بعجرفة ، وهي تكشف عن عنقها)
حسنٌ .. هذا عنقي، وليس عنكبوتك.

متى عملت أو قرّرت لتصبح كاتبا ؟
• لا أعتقد أنني قررت مطلقا شيئا كهذا، اعتقد أنها فقط نمت شيئا فشيئا، عندها تحققت من أنه ربما ذلك ما أردت فعله أكثر من أي شيء آخر. لا أعتقد أنني اتخذت قرارا ثابتا بشأنه.
كيف تكتب؟ هل هو كفاح طويل بدءا من الإنتاج إلى أن يظهر للعيان
• الذي أستطيع أن أخبرك به، هو أنني لست كاتبا ممنهجا أو نظاميّا، أنا لست من أولئك الكتاب أتعلم كيف أنهض باكرا، يضعون قطعة من الورق على آلتهم الكاتبة ثم يبدءون بالكتابة. لا أستطيع أن أفعل ذلك. أستطيع أن أكتب أياما بكاملها لا أحتاج لفعل أي شيء آخر.. وفي أوقات أخرى أكون في حالة كمون، أخمّر فكرة وأطوّرها في ذهني تدريجيا. وأرى حالة الكمون على نفسي بقدر من الأهميّة كحالة الكتابة الفعليّة على الورق.
ماهي رؤيتك حول المزايا الأساسيّة التي تجعل من الشخص كاتبا؟
• أن يفرق الإنسان نفسه في خضمّ متنوع من الخبرة والظاهرات، بعبارة أخرى القدرة أن يهب أو يرهن الإنسان وعيه وإحساسه لمظاهر الحياة من حوله، إنها أساسيات عمق التفكير..
قبل أن نتحدث عن المسرح أود أن أسألك، ماهي الصعوبات والتحديات المختلفة التي واجهتك من خلال تعاملك مع الأنواع الأدبيّة المختلفة؟ أم أنها سيّان أنت شاعر وكاتب مسرحيّات وكاتب روايات وكاتب مقالات .
• أولا وقبل كل شيء أود أن أقول إنني أجد نفسي بقوّة في المسرح. حتى لو أنني دخلت مسرحا خاليا دون أن أفعل شيئا، هناك شيء عن المسرح يجعل أصابعي تهتز للكتابة. ربما لأنني جئت من مجتمع غني تمزجه الأعراف والعادات والمعتقدات، ولقد رأيت في طفولتي الأشكال التقليديّة للمسرح، ومنحتني معان منطقيّة للتعبير عن بعض تفكيري العميق القائم على الحدس، إذ أردت ربط خبرتي المادية ببيئتي المحيط. ولكن هناك بعض الخبرات والتي هي باختصار في ثوابت التصميم والتنميم، ذلك أن القصيدة تأتي نتاجا منطقيا لها في صياغتها، وبالتأكيد غالبا ما يتطلب ويحتاج الشكل المقالي إلى جدليّة .. الرواية بالنسبة لي صدفة.. أنا حقيقي لا أعتبر نفسي روائيا . عندما أتذكر أولى رواياتي (المفسّرون) إنها جاءت نتيجة إحباط، بينما عندما أكتب مسرحيا أشعر بمتعة وتوقّد ذهني.
لقد قلت إن المسرح أغنى تلك النصوص، إنه الأكثر ثوريّة بين الفنون. ماذا تعني؟
• ببساطة لأنه الأجدى إلى إحداث تحولات نفسية، إنه يتغيّر دوما، ويستجيب للمناخ السائد. فهناك جوهر ديناميّ للمسرح يتكشف من خلال علاقة المسرح بالبيئة الاجتماعيّة أولا والتي تصبح مادّة العرض المسرحي، ثم جمهور النظارة.. طبيعتهم .. أمزجتهم .. المكان.. التفاعل في تبادل المواقع بين جمهور المشاهدين وخشبة المسرح، حيث إن فعالية الأداء ليست أبدا متساوية، فالمسرح يستجيب فوريا. وبقدر أسمى (مسرح الغوريلا) على سبيل المثال يستجيب فوريا، يطلق عليه البعض المسرح الحي وآخرون يدعونه مسرح الصحيفة، وأيا كان مسرح الشارع فإنه يحقق استجابة فوريّة مع الأحداث ومع تغيّر نسق الأحداث ، إنه يستجيب لديناميات كل حالة.
هناك التوتر بين الممثلين على خشبة المسرح وجمهور النظارة. من أين يأتي الأمل في إحداث نوع من التحوّل؟
• تلك منطقة غائمة حيث تتواصل خطوط قوى التفاعل بين الطرفين. أعتقد حقيقة أن ذلك يخلق سحر المسرح.
وبالنسبة لك ـ دعنى آخذك مثالا ـ لقد قلت بأن المسرح أكثر أشكال الفنون اجتماعيّة. ماذا تعني بذلك؟
• دعنا نأخذ التشكيل مثلا.. أنت تذهب إلى صالة العرض فتحدث لك استجابة للأعمال الفنية في صالة العرض، ولكنه تأثير واحد في آخر(تأثير اللوحة فيك). نعم يمكنك أن تناقش اللوحة مع متلق آخر بالقرب منك أو فيما بعد وذلك أمر عادي، في هذا المعنى توجد دلالة اجتماعيّة لهذا التواصل الفردي بين اللوحة الزيتيّة والمتلقي، نفس الشيء حينما تستمع إلى أوكسترا. هناك نوع من الاستغراق بين كل الأفراد بمستويات من الانفعال مختلفة ومن الاتفاق في الاستجابة. ولكن المسرح لسبب طبيعته يكون لكل من النص والإيحاءات وتعدّد وسائل الاتصال قاعدة أوسع للتواصل مع المشاهدين. لذلك أعتبره أكثر أنواع الفنون اجتماعيّة.
لقد قلت مبكرا اليوم في حديثك مع الطلاب بحرم الجامعة إنك ترى أن رسالة المسرح الاجتماعية تتأتى على نحو أفضل حينما يكون الجمهور راغبا ومهتما.
• نعم ليس هناك تساؤل حول ذلك. أنا أميّز بين المسرح كتربية اجتماعيّة، والمسرح كتسلية بالتساوي مع البحث عن التجربة والعاطفة كما هو الحال بالنسبة لمسرح برودوي( Broad way)ووست إند (West end ) حيث تقدم أعمال مكتملة بالنجوم وومضات العبقريّة والخبرة الفذّة الحقيقيّة.. أنا أميّز ذلك عن المسرح الذي ينبثق من الجمهور ويعود إليهم يأخذ مكانه بينهم، وهناك أشكال متعددة لذلك على سبيل المثال يوجد المسرح حيث تساهم شريحة من الجمهور بفصل أو عرض مّا وهي عروض تخضع للتطوير إما بواسطة فرقة أخرى أو بواسطة فرقة عريقة بالنسبة للجمهور. وهناك نوع المسرح الذي أصفه ب( مسرح الغوريلا) حيث تقوم الفرقة أو مجموعة معيّنة بدراسة بعض المشكلات الاجتماعيّة ثم تتم الاستجابة لتلك المشكلات والانحرافات الشاذّة مسرحيّا. أحسب أن هذا النوع من المسرح يسهم في عمليّة التغيير والتطور على نحو أفضل، ربما من مسرح(برود وي Broad way ).
لقد كنت منذ عهد قريب في (جامايكا)، وكنت تعمل مع الأطفال المشرّدين على طول الخط الذي كنا نتحدث عنه.
• نعم إنها واحدة من أسعد الخبرات التي اكتسبتها منذ أن نفيت عن الوطن.وقد كانت أكثر الفترات خصوبة في الإبداع والخلق، والحوار الداخلي الخلاق، حيث أعجبت إعجابا عظيما، واكتسبت ما لم أكن أتوقّعه، لقد ذهبت لإدارة فرقة مسرحيّة في جامايكا، إنها فرصة إقتنصتها لأنني أعرف(كينغستون) جيّدا. لقد درّست في الجامعة كزائر على نحو دوري، لم أكن بأية حال مدركا للتشابه العميق والمدهش بين الأطفال المشرّدين في صعوبة الفهم كما نقول، حرمان الصبا ـ دعنا نقول ـ ولأطفال المشرّدين في (كينغستون)، لذا فقد قمت ببعض الأشياء التي سبق وأن استخدمتها في نيجيريا.

• لقد تحدّثنا عن الحقيقة والمجتمع وإمكانيات التحوّلات التي يؤديها المسرح ماذا عن علاقة السلطة بالحقيقة؟
• حسنا، في البدء بالنسبة لي هناك تضاد بين الحقيقة والسلطة، وتنافر بينهما، ومن الصعوبة أن يتم تجاوز هذا التناقض، وأستطيع أن أحدّد في الواقع وأبسط تاريخ المجتمعات الإنسانيّة، إن تطوّر المجتمع الإنساني نتاج الصراع بين السلطة والحرّية، سواء أكان جوهر هذا الصراع منظورا إليه من منطلقات أيديولوجيّة أو منطلقات دينيّة، فهي في الحقيقة سلطة متضادة. والحقيقة بالنسبة لي هي الحرّية، إنها غاية في ذاتها، السلطة هيمنة وسيطرة، وبسبب ذلك فهي نوع خاص ذات طبيعة انتقائيّة للحقيقة ، إنها أكذوبة أو حقيقة زائفة تكون موضوعا لها.. والاستقطاب الكامل بينهما في الحقيقة يشكل بالنسبة لي محور النضال الإنساني من أجل خلق مجتمع وجمهور أخلاقي..
أعمالك ناشطا سياسيا ومقالاتك ودفاعك عن حقوق الإنسان، أخذت جل اهتماماتك قبل تفجّر الحرب الأهليّة في (بيافرا) . بمساعيك للحيلولة دون حدوث الصراع، أصبحت سجينا سياسيا في نيجيريا لمدّة عامين، لقد سردت تلك القصّة في كتابك المسمّى (مات الرجل) من أين جاء ذلك العنوان؟
• العنوان جاء مباشرة من تلغراف أرسل إلي .. الرجل الذي مات ضحيّة لوحشيّة العسكر كان سببا داعما لعدد من الحالات التي توضح تحدّيات وخروقات السلطة على كرامة الإنسان، وهذه الحالة نفس الوحشيّة، إنها حكومة عسكر، وبعد نفيي وإبعادي قسرا عن الوطن، كتبت الكتاب، وكنت أنظر إلى العنوان، لقد أرسلت سائلا عن معلومات حول ذلك الشاب، فجاءتني برقيّة بعنوان" مات الرجل" فتراءى لي أنه ملائم للكتاب الذي كنت أعدّه في ذلك الوقت حول تجاربي في السجن.
ما هي الخبرات والتجارب التي علّمتك إيّاها فترة السجن؟
• عدد من الإمكانيات اللامحدودة، لقد بقيت معزولا لمدّة عام وعشرة أشهر عقب الفترة التي قضيتها في السجن والتي تجاوزت العامين. أعي تماما حقيقة الجهود التي بذلت لتدمير عقلي.. لأنني حرمت من الكتب والكتابة، حرمت من الرفقة الإنسانيّة. أنت لاتعلم كم تحتاج إليها حتى تحرم منها.. أنت تقول لنفسك عندما تكون حرّا كيف تفقد الأمل، وأنت في عزلتك تحب أوقات العزلة، بل أنت تسعى إليها، وتجد عددا من الطرق لتبقى مع نفسك، إذن يمكنك أن تفعل ذلك متى أردت مع نفسك وعقلك. ولكن عندما تحرم منها لفترة طويلة، تعرف قيمة الرفقة مع الآخرين.
ما هي أهم ما أخذته بعين الاعتبار من ذلك؟ أو ما هي الاستراتيجيات المختلفة التي استخدمتها للبقاء على قيد الحياة؟
• بقيت قادرا لاستئناف الإبداع بوسيلة أو بأخرى. بقيت حيّا لاستعادة مساحات من المعرفة.
هناك لحظة حرجة متحركة في الكتاب ، عندما أخطأت امرأة شابة حلّت مكانك في زنزانتك لفترة قصيرة، وبنفاذ بصيرتك، كيف كانت رؤيتها لك كحارس أو كأيّ شخص من نزلاء السجن.؟
• رأتني إلى جانب الأشرار.
إلى جانب الأشرار .. حدّثنا لو سمحت ماذا حدث بعد .. لأن هناك لحظة تحتاج إلى التمييز بين دورها ودورك.
• كان ذلك قبل أن أودع السجن بشكل رسمي، كنت مازلت تحت الاستجواب، لذا فأنا في الزنزانة، وعندها ألقيت في زنزانة الشرطة معي.. كانت حقيقة حجرة احتجاز .. في البدء كانت مرتابة، لقد اعتقدت أنه ربما كنت مجرد جاسوس ، مخبر، لم تكن تتوقع وجود أي شخص في تلك الحجرة، لم تدرك أنني نفسي تحت الاستجواب. ولذا فقد كانت أكثر انزواء وأشد ارتيابا، وفجأة ألقت بنظرها فرأتني مكبّلا بالقيود، كنت أرزح في الأصفاد، لذا بدأت تدريجيّا للمرة الأولى تستحضر نفسها لتنظر فعلا إلى أعلى وتنظر إلى وجهي، وتتعرف علي.. لقد كانت لحظة ساحقة وذليلة، لأنها ألقت بنفسها بعد ذلك عند قدميّ وبدأت في البكاء.. لقد تذكرت حادثة المسيح. المرأة غسلت أقدامها بدموعها بعد أن كانت مرعوبة. والآن عادت قويّة لأنني أصبحت عزاء لها، وأعدت لها الطمأنينة، وفي المقابل اكتسبت القوّة، لقد عدت قويّا جدا لها، ولأي شخص في حالتها، ومن ثم فقد اكتسبت ـ أنا نفسي ـ القوّة . وجعلتني أكثر صدقا في ذلك اليوم مما كانت تظنّه.
كيف أثرت خبرات السجن فيك كاتبا عندما أطلق سراحك؟
• صعبة جدا، لقد عملت في كل الاتجاهات التي سلكتها.. أولا عندما خرجت ـ تحدثت كما الآن عن هذه الحاجة للرفقة مع الآخرين، ولكن بعد ذلك تذكرت ـ بعد مضي أيام قلائل ، لم أستطع إقامة علاقات كثيرة، لقد أضحت كثيرة عليّ. فلم أستطع الانتظار حتى ذهبت بعيدا، وعزلت نفسي في مكان ما.. لحسن الحظ كان لي صديق لديه مزرعة في قرية صغيرة جنوبي فرنسا، وحقيقة لم أجد أية طمأنينة.. لم أجد أيّ أمن للإبداع.. أيّة إمكانيّة للخلق ، حتى أمضيت عددا من الشهور مع نفسي في تلك المزرعة حيث كتبت مسرحيّة، لقد كتبت مسرحيّة(ماجنات أوربا)، ثم بدأت ثانية الكتابة ، ولكنني لم أجد استجابة أو قدرة ، فعزفت عنها لبعض الوقت.

• ولد (وولي شوينكا ) عام 1934 في إحدى قرى غرب نيجيريا لأبوين من شعب اليوروبا.
• درس بجامعة (أبادان) ثم بجامعة (ليدز) البريطانية ، حيث أقام في بريطانيا خمس سنوات(54 ـ 1959) عمل في آخرها بمسرح البلاط الملكي كمؤلف مقيم، أي فاحص نصوص. وفي تلك الأثناء شرع في كتابة مسرحيّتين قصيرتين هما( سكان المستنقع) و (الأسد والجوهرة) أخرجهما المخرج البريطاني جيفري إكسورثي في (إبادان) عام 1959.
• في العام التالي حصل على منحة من مؤسسة روكفلر الأمريكيّة، وعاد إلى بلاده لدراسة الفنون المسرحيّة الأفريقيّة، ثم عمل محاضرا بجامعة (إبادان)، وأنشأ فرقة أقنعة1960 المسرحيّة. وفي العام 1963 عيّن رئيسا بالنيابة لقسم اللغة الإنجليزيّة بجامعة (لاغوس) وأنشأ فرقة (أوريزون) المسرحيّة في العام التالي.
• في العام 1965 تعرّض شوينكا للاعتقال، ومع أنه أثبتت براءته فلم يخل سبيله إلا في أواخر ذلك العام، وفي العام التالي فاز بجائزة مسرحيّة بريطانيّة بالاشتراك مع الكاتبين(طود ستوبارد)و(جون وايتنج).
• في العام 1967 عيّن مديرا لمدرسة الدراما التابعة لجامعة(إبادان) ولكنه اعتقل مرة أخرى قبيل تسلمه المنصب الجديد. وكان الاعتقال هذه المرّة بأمر الحكومة الاتحاديّة بتهمة القيام بنشاط موال لبيافرا خلال الحرب الأهليّة، فدام اعتقاله أكثر من سنتين حيث أفرج عنه في 26 أكتوبر 1969، فعاد إلى وظيفته ، وظلّ بها حتى استقال عام 1972، بعدها غادر البلاد.
• تنقّل بين أوربا وأمريكا وأفريقيا محاضرا في جامعاتها ومحرّرا لمجلة(الانتقال) الأدبيّة بعد انتقالها من (أوغندا) إلى (غانا)، وأمينا عاما لاتحاد كتاب الشعوب الأفريقيّة. ولم يعد إلى نيجيريا إلاّ بعد سقوط عهد الجنرال(جوون)عام 1976، وعلل منفاه الاختياري ذاك بأنه كان نتيجة الضغوط التي وقعت عليه في ذلك العهد من جرّاء نشاطه السياسي والمسرحي.
• بعد عودته عيّن رئيسا لقسم الأدب المقارن بجامعة(أيفي IFE ( وعاد إلى نشاطه في الكتابة والتأليف حتى فاز بجائزة (نوبل) في الآداب عام1986 ، وكانت أول مرة تمنح هذه الجائزة لكاتب أفريقي.
• وولي شوينكا ليس مؤلفا مسرحيّا فحسب ، ولكنه ممثل ومخرج أيضا، فضلا عن كونه شاعرا وروائيا ومترجما وناقدا ومحاضرا، وليس في تعدد نشاطه هذا ما ينفرد به سوى موهبته وأصالته وغزارة إنتاجه.
• معظم أدباء نيجيريا وغيرها من البلدان الأفريقيّة جنوب الصحراء، متعددوا النشاط والأجناس الأدبيّة. ومع ذلك تحتل المسرحيّة المرتبة الأولى في قائمة إنتاجه.
• له نحو 20 نصا مسرحيّا لم ينشر منها سوى 14 مسرحيّة. ومع أن معظم هذه المسرحيات العشرين قصيرة ، من فصل واحد، فقد حققت له شهرة دوليّة عريضة.إما عن طريق العرض المباشر في أوربا وأمريكا، وإما عن طريق الترجمة.
• ظهرت عن أعماله دراسات جامعيّة عديدة. ووصفه المستفرق الانجليزي(جيرالد مور) في كتابه عنه بأنه " صاحب خيال تراجيدي كبير"
كما قال عنه الناقد النيجيري (إبيولا أيريلي) "إن النوعيّة الخاصّة لعظمة كتاباته تفرض نفسها على عقولنا"...

.

إقرأ المزيد Entry>>

السبت، 19 ديسمبر 2009

دعوا صديقكم (سيّد) وشأنه
قراءة في النص والفاعليّة

حول إبداعات الأديب سيّد قذاف الدم  
 عبد الرؤوف بابكر السيّد                                                                   

سيّد في قومه، آمن بالفكر والتزم..
سيّد على أرضه، ارتوى بالفكر والحبّ والتزم..
سيّد بقلمه وفكره، دافع عن وطنه.. عن الثورة والقائد..
تيمّم الإبداع ليعتلي صدر النهار، ويغازل الأفكار..
عينه على القمر المضيء، ويقبل جبين الشمس عزّة واعتزازا
نسج من التواضع جردا له، واستظلّ بظل خيمة، قدوته قائد الثورة ورمزه الشجرة التي تمدّ ثمارها نحو الجميع..
عندما تنسل الأرض أيّاما كئيبة حزينة رتيبة ، يجدّدها بحرفه وفعله وإبداعه..وعند الانهيار العربي والتعرّي والسقوط.. يموت ألف مرّة في غزّة ورام الله وبيروت والجنوب والجنوب وبغداد.. ولكنّ الموت يتأبّى عليه لأنّ ثقافة الحياة والعطاء والإبداع تسكنه..
عرفته من خلال الحرف الملتزم، فعشقته والحرف والفكر والقائد.. وتعرّفت عليه ثائرا متمرّدا ببنية وعيه فأحببته والحرف والفكر والقائد.. والتقيته فإذا به يعانق العبارة كما الوطن والفكر والقائد.. فأضحى بمشروعه مشروعا للآخرين..
. الهوامش ليست هي المتن، إنما هي إضاءات وإضافات وشروح لمن لا يعي النص، وحين تكتب الهوامش على الجدار، فذلك يعني حجم الحاجز الذي يصطدم به الفرد ويحول بينه والحياة، إنه جدار، وفي مواجهته، وعليه يكتب هوامش هذه الذات.. فكان إصداره عام 1983 "هوامش على جدار الغربة" والغربة دائما تتم بعد مغادرة الواقع المألوف، بعد سفر، إنه شعور يتملك الذات حين تصطدم بجدار المألوف. وحرصا لتدوين كامل لحظاته وعوالمه كتب "رفاق في رحلة سفر" في العام ذاته.
أمّا عن العوالم الداخليّة لمبدعنا، فقد جسّدتها عناوين"عندما يهزّك الشوق" و"ممارسة الحبّ علنا" و"في حالة حبّ ظاهر" و"بصمات قلب" و "ظمآن في النيل" و "همسات صاخبة" و"دعوني وشأني" و "علّميني كيف أكتب" و "غابوا عليّ اصحاب".
وحين يحمل الفارس سيفه، ويشهر قلمه في ذات الوقت، يكون قد جمع بين إرادتين: إرادة الحق وإرادة تنفيذ الحق. ويكون قد عبر دائرتين: دائرة الإرادة الذاتية إلى حيّز الالتزام . يكون لحياته معنى صاغته روحه الوثّابة، وعقله الثاقب، وجسده الملبّي ترجمة لدواخله وقناعاته، مبادئه وإيمانه. ويكون كذلك قد وازن بين أبعاده من عقل ووجدان وجسد. ويكون قد دخل دائرة الفعل مدركا أن الإنسان فاعليّة ببلاغة السيف في الحق، وقوّة الحرف في الصدق المدافع عن الحق.
والالتزام مدخل للفاعليّة..
الالتزام يتجلّى من خلاله تنازر بنى الوعي.. وتمرّد بنية الوعي المفتوح على ما هو سائد من بنى قاصرة تحب ذاتها، وتحتقر الآخر..
دعونا نتعامل مع نص نثري، نستكشف فيه معا هذا الصراع الدخلي بين بنى الوعي التي يحتازها مبدع النص، وبنى الوعي التي يعايشها بين أنا الداخل وأنا الخارج، بين تفكير داخلي، وبين هيمنة الخارج وفق ما تمليه البنية السائدة دون تفكير.
ويقتضي منهج التحليل الفاعلي الذي اعتمدنا عليه كأداة للتحليل قراءة الفاعليّة في النص، وقراءة فاعليّة المبدع من خلاله، وذلك بارتياد أفق جديد في التحليل النقدي الذي يعرّف النص الأدبي بأنه بنية فاعلية لغويّة تخيّليّة، أوسع مدى من بنية الفاعلية الواقعيّة. دعونا نستهدف في هذه القراءة محاولة النفاذ من مسلك لغويّ مطروق لاستكشاف مدى تمثيله لآخر معروف كذلك، هو بنية الوعي والضمير الأدبي والثقافي.
الواقع يشكله البشر، والبشر في كل مجتمع هم أسرى بنى الوعي التي يحتازون، والتي تحكم وتتحكّم في سلوكهم وتصرّفاتهم وفق خصائصها وسماتها وتحت ضغط آليات ضبطها، وبنى الوعي تمايز بين الأفراد كما تمايز بين المجتمعات. كل فرد يتأسس وعيه من خلال البنى الثلاث (التناسلية، البرجوازية، الخلاّقة) ولكن إحداها تسيطر عليه وتحكم سلوكه بحكم المدخلات الحاملة لأدبياتها فتساعدها البنيتان الأخريان. وعندما تسود بنية وعي في أيّ مجتمع، بمعنى أن يستدمجها غالبية أفراده، يصبح ذلك المجتمع خاضعا لتلك البنية، ويصبح الصراع بين هذا المجتمع وبين من يحتاز بنية وعي مخالفة، فيسعى للتمرّد ، وتسعي للضبط والعقاب بآلياتها.
من هنا يصبح (التنازر) التآزر والتنازع السمة الغالبة بين الأنا الداخل والأنا الخارج ، بين البنى على الصعيد الفردي والجمعي والقيمي والثقافي.

دعوني وشأني..
معاناة وصراع وملل وميل إلى الوحدة والعزلة والقلم والورق.. هذه المعاناة، وهذا الصراع، وذلك الملل يصل بمبدعنا إلى مخاطبة أصدقائه: أصدقائي .... دعوني وشأني. ولو قارب المبدع الوعي بما يحتاز من فاعلية، لكان الخطاب: أصدقائي.. اسمحوا لي أن أرثي لحالكم. إنه يحمل بنية وعي مفتوح ، متسامح، متسام، محب، عاشق، متجاوز، صادق، مخلص، شفّاف، معطاء ومبدع.
والآخرون .. البنية المغلقة القاصرة والسائدة:
ـ تهدّد، وتتوعّد، وتستبيح الآخر.
ـ تكذب، وتنافق، وتخادع.
ـ تحسد، وتحقد. الأخ يكره أخاه. الصديق يخون صديقه. عالم مليء بالحزن والنفاق والتكالب على المال والجاه والسلطة. عالم ضد الفرح، ضد الحقيقة ، ويدّعي امتلاك الحقيقة. بنى الوعي مختلفة.. الوعي بفاعلية كل منها هو الذي يحول دون الملل ودون الانعزال.
طلب المبدع من أصدقائه أن يترك وشأنه الخاص.. وشأنه الخاص هو فكره ورؤيته المخالفة لآرائهم.. نظرته للحياة ، وجدانه المفتوح العامر بالحب والإبداع والعطاء الشامل لإثراء الحياة الإنسانية، بنية الوعي التي ينطلق منها لتفسير الحياة وممارستها. والبنية كما نعلم(هي نسق أو نواة مولدة للوعي تحدّد فكرة الإنسان عن نفسه ومنحى استجابته مع العالم.
المستوى الدلالي:
جاء النص [ ويقدّمون لي الحلوى والخمر الممنوع] الذي حملت خاتمته عنوان المجموعة[دعوني وشأني]حاملا لمجموعة من الخطابات التي توضح مدى القلق والتوتر والصراع والمعاناة التي ولّدها الاختلاف بين الوجدان المفتوح الحامل لبنية الوعي الخلاّق، والوجدان المغلق الحامل لبنية الوعي القاصرة(تناسلية أو برجوازية) اللتان تتنازعان المجتمع.
فشأنه هو الشأن الجمعي وليس الذاتي القاصر المغلق، شأنه هو هذه المعاناة، وهذا التمزّق ، وهذه الكرامة المهدرة.. شأنه هو قراءته للواقع المخزي للأمّة.. شأنه هو مشروعه الداعي إلى اليقظة.. المناهض لبنى وعي القصور، تلك التي تدّعي امتلاك الحقيقة، وتستخف بالآخر، وتحب ذاتها أو تلك التي تشكل قطيعا من البشر يهشه الراعي.. شأنه هو مشروعه المتماهي مع بنية الوعي الخلاّق التي أنتجت نصوص قائد الثورة والتي دعا فيها لبناء الإنسان النموذجي الجديد.
والإنسان النموذجي الجديد لا يبنيه غير الصدق والشفافية والتوحّد بين الداخل والخارج وإعمال الفكر .. وانفتاح الوجدان الذي تعمره المحبّة ذات البعد الإنساني، ليست محبة الاشتهاء الآني القاصر.. بل محبة الإنسان وكرامته وعزّته الرافض للذل والإهانة وإهدار كرامته.
دلالة الشأن خاصة عند إضافته إلى الضمير تقاربنا بالشأن الخاص والذاتي والضيّق.. إلاّ أنّ الشأن في النص يعانق شأن الجموع، شأن الإنسان الجماهيري، شأن الكرامة العربية، شأن الفاعليّة والإبداع والعطاء.. لذلك حمل النص الكثير من القضايا العامّة في دائرة هذا الشأن، ممّا يصرف الدلالة بانزياح على الانفتاح.
* حمل المقطع الأوّل صورة التوحّد الجمعي بالضمير(نا) بارزة بصورة سلبية للبنية السائدة[قتلنا أنفسنا بأنفسنا، حاربنا أنفسنا بأنفسنا، جرحنا نساءنا، صرنا.. ، نسينا كرامتنا، جمعنا..، وجدنا..،] والضمير(نحن) [نبحث، نهدّد، نتوعّد، نكذب،] وهو خطاب توحيدي لم يخرج الأنا نفسه من دائرة ال(نحن) بمحدّداتها التاريخية والجهوية واللغوية والثقافية.
* وفي المقطع الثاني ركّز النص على(الأنا) وضميره في[أنا أستطيع أن أقف.. أنظر..أحدّث.. أحيّي..أتحمّل..أنا أفكّر] ثم ضمير المتكلّم[مللت..وأكره] محددا القيم التي لا يتفق فيها مع البنية السائدة[النفاق.. الزيف.. الخداع..].
* وفي المقطع الثالث برز الخلاف عندما جرى الحوار بين البنيتين،[ما علاقتي..أفكاري..أنا مسحوق..ضعوني..أرسلوني..خذوني..] وصوت أنا الخارج [أنت لا تواكبنا(يقولون)..اسحقوه ثوريا(تقول).]
* وفي المقطع الرابع الأنا تحاور نفسها [مللت.. مللت.. ضاقت بي الدنيا.. سرت أبحث... أنا لا أعرف.. أملك ديونا.. مللت وصوتي بحّ.. أنا متعب .. متعب.]
* ثم يعود الأنا للحوار مع الآخر في المقطع الخامس:[قلتم .. اتهمتموني.. أعاني.. أنا أقسم..أنا معترف ..] كاشفا الأنا عن عقدته المتمثلة في قيم البنية التي يحتاز[ عقدتي هي الصدق والإخلاص] كما يكشف ويعرّي الآخر المتمثل في هؤلاء السذّج [بقايا الاتحاد الاشتراكي..خلايا الأحزاب.. مخابرات العهد القديم.. جهلة العصر الحاضر من الثورجيين والثورجيّات] واصفا لهم بأنهم [واهمون.. واهمون.. يطاردون..].
* وفي المقطع الذي يليه يصف الآخرين من حملة وأسرى البنية السائدة والممتدة من العهد القديم إلى جهلة العصر الحاضر بأنهم [ يتغامزون.. يصفّقون.. ينافقون.. الأخ يكره أخاه.. الصديق يخون صديقه.. المواطن يزاحم أخاه] ويصل إلى أن تفكيره في الداخل يختلف كلّية عن تفكيرهم ويحدد الحل في الرحيل في المقطع الثامن:[ أحمل عصاي وأرحل.. أرحل من داخلي إلى خارجكم..أنافقكم.. وأضحك معكم.. وأوافق على كل شيء تقولونه.. وأصلي معكم ..وأقول لكم.. سأشكركم على اهتمامكم.] ولكنه يصل إلى أنه لا يستطيع مجاراتهم.. يحمل عصاه ويرحل [ أتقوقع.. وأعيش مع ذكرياتي القديمة..فهي ألذ من خرافكم وموائدكم وطعامكم.]
* ويؤكد في المقطع الأخير عزلته: [مللت .. مللت.. وملت إلى الوحدة والعزلة والقلم والورق] [ سأحمل عصاي وأرحل.. خذوا منى كل شيء فأنا أحمل قلبي.. وذكرياتي.. وأترك لكم العالم المليء بالحزن والنفاق والتكالب على المال والجاه والسلطة... أصدقائي .. دعوني وشأني.]
المستوى البنائي السردي:
ارتكاز النص على: الرحيل إلي والرحيل إليكم.. تفكيري وتفكيركم.. ليخلص إلى( الوحدة والعزلة والقلم .. واللجوء إلى الإبداع عبر القلم والورق.. ينطلق من تصوير الواقع وتشخيص البنية السائدة وما تتسم به من نفاق وخداع ومراءاة وكذب وتضليل وحقد وحسد وكراهية تبررها أدبيات البنية السائدة. لذا جاء البناء وفق الشكل التالي:

 الواقع
المستدمج لبنية الوعي القاصرة السائدة

الرحيل إلى الذات
تفكير الداخل                        الرحيل إلى الآخر
تفكير الخارج

الوحدة والعزلـــة..
القلم والورق..
المشروع : الإبداع

التمهيد جاء حاملا للأنا الخارج (الواقع)، الأنا في ضمير الجمع (نا) حاملا لمفردات: [القتل، الحرب، الجرح، الطبيب الأجنبي، الكرامة المهدرة، الاغتصاب لفلسطين وبيروت، اغتصاب أصغر فتاة، خيانة الأصدقاء، مع التهديد والوعيد والكذب] صورة قاتمة لواقع معاش محبط لا يحمل في ظاهره سوى مظاهر ساعات البث المرئي والمسموع والمقروء.. وتكاليف إقامة الوفود بمرافقيها.
هذا المقطع التمهيدي لوصف الواقع المحبط، هو تمهيد لطرح النأي بالأنا الداخل عن واقع ضمير الجمع (نا). وهو في ذات الوقت ممارسة نقدية لما تتسم به البنية السائدة من قصور وانغلاق. وهو تعرية لممارسات البنية السائدة، وقبولها الحياة في المستنقع الآسن. وهو التحدّي الذي جابه المبدع، فكان لابدّ من الاستجابة بالانفلات من أسر البنية التي لم تؤمّن له طموحاته، ولم تنسجم مع فكره ووعيه. وهو مبرر الاحتماء بمشروعه المتمثل في الإبداع من خلال القلم والورق وفي مساحة الوحدة والعزلة.
لذلك جاءت بنائية النص حاملة طرحه لبنية الأنا الداخل التي احتازها مخالفة لما هو سائد، إنها تعتمد التفكير الداخلي المتواصل للوعي بالذات وبالآخر، وفي ذات الوقت رفض للنفاق والزيف والخداع وقتل الوقت وشكلية الصلوات وشكلية المساعدات لإنشاء المراكز الإسلامية في كندا واستراليا، ونفاق تأليف القلوب بالمال.
وفي خطابه الثالث لا يواكب النص ضمير الجمع (نا) كما يقولون ، لذا فهو يستحق السحق كما يقولون كذلك. والبنية السائدة دائما ما تسعى لسحق أيّ متمرّد عليها أو مخالف لها. إن جسمه من خلال بنية وعيه ، مختلط[ بالغربة، والثورة، والخمر، والنساء، والإيمان ، والكفر، وحب الله والوطن والشعب،وأمّي والقائد وأطفالي وزوجتي الأولى، وزوجتي وصديقتي الثانية ، وطفلتي التي صارت تجيد اللغة أكثر من خطيب الجامع.] وهو خطاب فيه طرح للإنسان الصادق غير المنافق الذي تتشرب مسامّه كل بعد المعاني وعمق المفردات والحياة بكل ما فيها دون قيود مصطنعة. إنه خطاب الأنا مفتوحا شجاعا،شفّافا، صادقا،محبا، عاشقا، دون خداع أو خيانة أو كذب.. كما تمارس بنية وعيكم.
في الخطاب الرابع يعي دور البنية السائدة التي تحاصر أفرادها ، وتدفع بهم إلى الخداع والزيف والانفصام ،أو التوحد بين الداخل والخارج ، بل تفرض أدبيّاتها وقيمها وأخلاقياتها، ومعاقبة من ينفلت عنها أو يحاول التمرّد عليها. عقاب يستمد شرعيّته من سيادة بنية وعي قاصرة،[ أشبه ما يكون بدخولي منزلي، وتفتيش أوراقي وأشيائي الخاصة، وملابسي الداخليّة، وجوارب زوجتي، وألعاب طفلتي، وكتبي، ومسودات مقالاتي، وشريط الأدب الشعبي الذي كنت أحب الاستماع إليه، وصورة أبطال الخالصة، وأم العذارى، وبقايا طعام قديم، ومسبحة والدي، وصورة قديمة لأمّي، وأشياء كثيرة كثيرة لا أعرفها أنا شخصيّا].
هذا الحصار، وهذه الملاحقة، وهذا التلصّص والتصنّت لأشيائي الخاصّة هي التي تدفعني للضيق بالواقع، هي التي تدفعني لاحتياز بنية أخرى، [ أبحث عن لقمة شرف... عن بوّابة تحمي غرفة نومي.. وعن بوّابة أخرى تسدّ عيون الحاسدين، الحاقدين، أدعياء الثورة.]هذا الخطاب يطرح لماذا يحبط الثوريّون من ممارسات أدعياء الثورة. لأنّ الثورة من منطلقاتها التمرّد على الظلم والكذب والخيانة.. من منطلقاتها الرفض والتمرّد على البنى القاصرة(التناسليّة والبرجوازيّة) بكل خصائصهما وسماتهما.. وأدعياء الثورة يشوّهون الثورة وقيمها ومبادئها وأهدافها وفكرها.. إنهم لا يستوعبون قيم الإنسان النموذجيّ الجديد.
ويستمر البناء بوصف البنية السائدة ( التغامز، التصفيق، الحقد الأسود الدفين، الكراهية، الخيانة، المزاحمة دونما سبب إلا حب الذات. ممارسة النفاق والضحك، الموافقة على ما يقال، الصلاة دون وضوء، تخاريف عودة فلسطين دون العمل على ذلك.)
ويقودنا هذا المستوى البنائي إلى العودة إلى الداخل ، إلى الذات، التقوقع، العيش مع الذكريات القديمة، الحديث عن شموليّة العالم. [ سأحمل عصاي وأرحل.. خذوا كل شيء.. فأنا أحمل قلبي وذكرياتي.. وأترك لكم العالم المليء بالحزن والنفاق والتكالب على المال والسلطة.. أصدقائي ... دعوني وشأني.].

الأنا المختلف:
المختلف في تفكيره الداخلي، في بنية وعيه المفتوح، ما يحمله من مشروع إنساني حضاري، وسيلته لم تعد سوى الكتابة التي يقول عنها:

[ قاسية هي هذه الفتاة التي لا نملك إلاّ أن نحبّها رغم غرورها واستسلامها لنا أحيانا.. فهي الفتاة التي لا يمكن أن تقاطعها أو تدوم لها باستمرار. هي الأنثى التي تستحوذ على كل الذكورة في الرجل.. كما أنها قمة الرجولة وتحدّي المصائب..هي ليست زوجة تقليدية ترى أنّ مهمّة زوجها الرئيسيّة في الحياة أن يكون زوجا فقط.. وليست منصبا بقوّة مؤتمر الشعب العام.. ولا رتبة عسكريّة تصدر بقرار.. هي الجنون العاقل.. وهي قمّة السعادة في منخفض الحزن، كما أنها النقطة الدالّة في ربوع الحزن.. هي الجميل حقّا.. والقبيح الذي لا يمكن أن يوصف بالقبح.. هي الكتابة نتوقف أحيانا عنها.. أو نوقف.. ولكنّنا نحس بأنّنا نفقد عند التوقّف الحواس الخمس.. ونكتشف أيضا أنّ هناك خمسين حاسّة أخرى لم نكتشفها بعد..] (63 ـ 64) دعوني وشأني .
ونستعرض هنا بعض تفكيره المختلف مع بنى الوعي القاصرة، والمنسجم مع ذاته وبنية وعيه الخلاّق التي تشعره بالغربة والاختلاف.. نستعرض من بعض نصوصه في دعوني وشأني بعض تفكيره المختلف.. يقول:

• القلوب لا سلطة عليها. ص27.
• بالحب وحده تكون الحياة. ص27.
• بالحب وحده يحيا الإنسان، وبالحب وحده قامت الثورة. ص27.
• الحبّ هو النبع.
• كيف لا يكون للحب طعم الثورة؟ وكيف لا تكون حياتنا هذه ممزوجة به؟. فلا طعم لها بدونه.. والحبّ هو الكل.. وليس جزءا كما يتوقّع الجميع. ص38.
• الإنسان العاشق هو الثائر الحقيقي. ص39.
• الحب سينتصر لأنّ له طعم الثورة التي ذاقتها الجماهير. ص42.
• لا أملك وجهين لعملة واحدة. ص29.
• سيكون السور الجديد مجموعة قلوب تحمل الحبّ كلّ الحبّ لهذا الوطن.. والثورة .. والقائد..ص29.
• نفي صفة الآدميّة عن البشر أخطر منزلق تقع فيه الثورات. ص35.
• الثورة مهمتها بناء الإنسان...الثورة مهمتها خلق إنسان جديد.. الثورة مهمتها ترسيخ الآدميّة لدى الأفراد جميعا.. ص35.
• الحرّية هي أن تتذكر أنك طفل بريء غير مشاغب، يلعب ككل الأطفال في العالم. ص71.
• الحريّة هي أن تشمّ رائحة الأعشاب البرّية دون وجود حيوانات مفترسة. ص71.
• الحرية هي أنت. ص71.
• الحرية أن تقول ما في عقلك الباطن.. تحرّره حتى تتحرّر..ص77.
• الحريّة هي القلم والفكر. ص77.
• إنّ الحرب ليست بين الدولار والروبل والين الياباني كما يتوهم البعض.. الحرب حول المبادئ..ص83.
• مجرد رأي من إنسان يحمل القلم والسلاح والحب لله والوطن والقائد.. ص82.
مركزيّة الفكرة في الإبداع:
هاجس المبدع أن يعانق الفكرة، هاجسه دائما هو الاختلاف الذي يعتمل في بنية وعيه بإرادته أو بدونها.. إنه يرفض ..يتمرد .. يقاوم .. يتحدّى .. يثور ويغيّر من خلال هذا الاختلاف الذي يرتكز على بنية الوعي التي يحتاز، والفكرة التي تسيطر.. فبنى الوعي لدى أيّ إنسان في حراك دائم.. البنية السائدة في المجتمع تسعى للحفاظ على أفرادها وجعلهم أسرى المدخلات من أدبيات واجتماعيات ومفردات ودلالات وقيم. وحين ينفلت المرء من أسر البنية السائدة ، يتعرض للعقاب، تصب عليه جام غضبها، وتسعى لردعه بكل السبل، وتشعره بالغربة والعزلة حتى وهو بين أهله ومجتمعه.
يلجأ المبدع إلى بنية وعيه التي احتازها يحتمي بها .. وحتى لا تطاله البنية السائدة ولا تدمّره يحتمي بمشروعه، يلتزمه وينادي به ، ويضحّي من أجله.
احتمى مبدعنا (سيّد) في نصوصه بالفكر والفكرة والتفكير حتى لا يكون ضمن قطيع البنية، دعا له.. وانتشرت المفردة .. انتثرت .. وتشظّت عبر نصوصه بشكل لافت ، يوحي بأنها المشروع الذي احتمى به، وكان رائده في ذلك أفكار القائد..
لذلك وردت[ الأفكار المشتتة.. تهمتي أنّني أفكّر .. لم أستطع أن أكبح جماح نفسي عن التفكير.. ولأنّ تفكيري في الداخل يختلف كليّة عن تفكيركم].
وهذه الفكرة والأفكار والتفكير وإعمال العقل انتثرت في مجموعة(دعوني وشأني) إلى ما يصل إلى ثلاث وتسعين مرّة.. جاءت موصوفة بمختلف أوجه الوصف، ومضافة بدلالات متعدّدة ، وابتداء وفاعلا ومفعولا.. جاءت بما يشبع ويدعو وينبه.. جاءت هاجسا وكأنها المرتكز ونقطة البدء والصفر والختام التي انطلق منها إبداع (سيّد).
[ الشذوذ الفكري.. عادة التفكير.. التفكير الداخلي.. الأفكار المشتّتة.. الفكر الرشيد.. شرود الفكر.. الأفكار الجنسيّة.. الأفكار المطروحة للنقاش.. أفكار الغير.. سطحيّة الأفكار.. غرابة التفكير.. تسطير الأفكار .. مفتاح الأفكار.. دواعي التفكير.. العلاقة بالأفكار.. التفكير المليء.. السجن الفكري.. الصفاء الفكري.. الأفكار الخليعة.. النقاش غير الفكري.. الملاحقة الفكريّة.. الأفكار الجديدة.. التجانس الفكري.. النمو الفكري.. التفكير بالإنابة.. التفكير الشاعري.. التفكير الممنوع.. الأفكار المتعارضة.. مراودة الفكرة.. التفكير بصوت عال.. أجهزة رصد التفكير.. حركية الفكر.. الفكر والتطلعات.. الفكر والأطروحات.. الفكر التقدّمي الإنساني.. اعتناق الفكر.. تجسيد الأفكار.. القيم والأفكار.. الاتحاد بالفكر.. وابن الفكر.. الخ ].
إنه الهاجس الذي حمل من أجله القلم وراكم حوله الورق في عزلته، في غربته.. في اختلافه، خروجا من القطيع الذي تسومه البنية السائدة ، وتحكمه وتتحكم به دون تفكير، دون مساءلة، دون محاكمة. وهو بذلك يشكل قلما ملتزما جريئا حيّا وحيويّا.. سخر جهده ووقته لإيقاظ النوّم الذين لا يفكرون ولا يتساءلون.. إنه واحد من الذين تساءل عنهم (معمّر القذافي) حين قدّم وصفا للمسحراتي في السحر في مجموعته القصصيّة.. هذا عن المسحراتي في السحر .. ماذا عن المسحراتي ظهرا..

سيد قذاف الدم أحد هؤلاء لأنه لجأ إلى إعمال الفكر ومارس التفكير وسعى بقلمه لإيقاظ النوّم ليتزوّدوا استعدادا لأيّام قاسية وطويلة.. وهو الذي كتب في"علميني كيف أكتب":
يؤرّقني مصير العـرب دوما وكل العـرب يغـرق في المنام
ويصرخ فيهم صقـر وحيد ينادي بالتوحّـد لا الخصـام
عزيز النفس يصمد في شموخ شريف النفس من نسل الكرام.

أصدقاء سيّد .. قفوا مع شأن صديقكم، فهو شأنكم، والتزموا معه أو اتركوه وشأنه ومشروعه الفكري وفاعليّته الأدبيّة وضميره الثقافي.






.

إقرأ المزيد Entry>>