‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

هواجس الهمس..

هواجس الهمس..

                
    

                                    عبدالرؤوف بابكر السيد..

عارٍ من كلّ ما يدثّر مفرداتي من الرمز، لكنها تشرف من علٍ على امتدادات الأفق.. يعانق بعضها بعضا إلى حيث الوله والعشق الهجائي الذي يذوب في دلالاتها المتناسلة مع خيوط الفجر الأولى.. الأشعّة تنسج في دواخلي الفرح الذي كان يغطّ في نوم عميق تاركا الساحة لعربدات الحزن الصامت ، والشجن الذي خاصمته الدموع في كبرياء.. هذا أنا، حرف داخل حروف اللغة الثمانية والعشرين، وحرف خارج هذه الأشكال التي ترسم بها الكلمات.. الجميع لا يعرف سوى الموروث من الأبجدية، وما تضمّ رفاته المعاجم، وما يتناسل من الاجتماعيات التي يجيد الجميع قراءتها إلاّي.. . حاولت جاهدا ما وسعني أن أحلّ الكلمات المتقاطعة، فاستعصت عليّ ولم أفقه معانيها الجديدة..لا الحب ولا العشق، ولا الوطن ولا الصدق ولا الأمانة ولا القومية ولا القيم ولا المعتقد ولا الوفاء ولا الإيثار، ولا الود ولا التراحم حتى في صلة الرحم.. المفردات جميلة ولكنها ترتدي من الأزياء، وتضع من المساحيق ما يخفى رونقها وبهاءها، بعضها تراثي تجاوزه الزمن ، وبعضها تساقط على أرصفة الموانئ من بواخر عابرة.. المفردات رائعة حدّ الاقتناع بها، وبعيدة ضبابية لا تحكم سلوكنا ولا تستضيفها الممارسة الحياتية.. الحكم والمقولات التي تتزيّن بثوب الجمال، نشهق فيها " يا اللــه " ما أروعها.. ولكنها لا تجد مساحة في دواخلنا، ولا زاوية يمكن لها أن تستقر بها.. ألسنة تنطق ولا تفقه ما تقول.. ولأنّ العقول استقرّت على ثوابت هي من نافلة القول، فلا مجال لحركتها وتفاعلها مع تجدّد الحياة واستقبالها لأشعة جديدة ليست تلك التي تبدّدت بالأمس.. أيها الوطن الجريح.. العقوق وصل بأبنائك أن هجروك وهم على ترابك.. لا يشعرون بالغربة التي يعيشونها فيك.. ولا هم يسائلونك عن هذا النزيف الذي لا يتوقّف.. لك الله يا وطني.. ولي الله وهو حسبي.. ولكل من يعمر وجدانه بالله سلوكا وممارسة .. لا مفردات من القول لا تتجاوز طرف اللسان.. ولا تعليق... على واقع أعمى.. زادته العتمة انفصاما، وظلما ، وظلاما.. وليس أمامي سوى الهمس وأنا أنوي الجهر.. .
إقرأ المزيد Entry>>

الاثنين، 18 فبراير 2013

                                                   الحب .. أبعاد المفردة ودلالاتها
   

                                                           عبدالرؤوف بابكر السيّد
 
امرأة متزوجة تعيش في وئام مع أسرتها الصغيرة – زوجها وطفلها – خفق قلبها دون إرادتها لرؤية شاب في الحي الذي تقطنه – والقصة واقعيّة روتها لي صديقتها – ولأنها لاتريد هدم أسرتها، وفي ذات الوقت لا تريد أن تصارح زوجها حتى لا تجرح كرامته فهو (رجل شرقي) طلبت منه أن يبيع البيت لينتقلا من هذا الحي الذي أضحى غير مريح بالنسبة لها، ولم تستطع أن تبني علاقات طيبة مع الجيران، إلا أنّ الزوج رفض وبشدّة الامتثال لإرادتها فهو مرتاح في هذا الحي القريب من مكان عمله.. وإيمانا منها بسعة أفق زوجها الذي تعلّم في الدول الغربية ويحمل أفكارا تحرريّة غير متزمّتة، وبأنه يمكن أن يستوعب الأمر إذا صارحته به، لأنّ الحبّ لا يطرق الباب ولا يستأذن أحدا، ويقتحمك فجأة ويحتل مساحة كبيرة من قلبك..صارحت الزوجة زوجها بأنها تعتز به ولا تريد أن ترى شابا في الحي خفق له قلبها، وهي تريد أن تحافظ على أسرتها التي شكلت لها حياتها ومستقبلها.. كانت تعتقد أن الزوج سيكبر فيها ذلك، بل ويستوعب ذلك ويمتثل إلى تغيير المنزل إلى حيّ آخر حتى يغلق الباب كما أرادت على هذا الضيف غير المرغوب فيه، إلا أنها فوجئت بشتمها وتحقيرها بل وضربها من قبل زوجها الذي حرّم عليها الخروج من البيت، حيث أصبح يغلق باب بيته ويحمل المفتاح معه حتى يعود، فأضحت سجينة بيتها، وتحوّلت حياتها إلى جحيم دون إرادتها فالحب لم يستأذن والزوج لم يستوعب.. . فما هي أبعاد كلمة الحب وما دلالاتها؟ الحبّ كلمة كانت إلى وقت قريب محرّمة في مجتمعاتنا العربية، ومنذ القدم عند العرب كان الشاعر الذي يقول شعرا في فتاة يحبها تحرّم اجتماعيا من أن يتزوج بها، وعندنا في السودان كانت الكلمة البديلة لها هي " الريدة " أي المحبّة تحاشيا لإطلاق الكلمة صراحة، بل وحياء من التلفظ بها، إلى أن أحدثت قصائد الشاعر نزار قباني بمثابة ثورة اجتماعية انتصافا للحب كقيمة سامية، وحوصرت الكلمة لتقتصر دلالتها على شخصين يحبان بعضهما على أن تقود هذه العاطفة بينهما أو توجّه نحو الارتباط (الزواج لتكوين أسرة) فيما عدا ذلك فالحبّ محرّم اجتماعيّا.. وهو فهم – حسب رأيي المتواضع – مغلوط أملته البنية المغلقة لمجتمعاتنا، إذ أنه ليس إراديّا، فهو عاطفة تغزو القلوب ولكنه يكبت بحكم البنية الاجتماعية أو الفهم الديني القاصر لدى البعض.. وحتى الاحتفاء به في الرابع عشر من فبراير من كل عام يرى الكثيرون أن فيه تشبه بالنصارى، وهو أمر يحتاج إلى وقفة حواريّة ليس هذا مقامها.. فالحب في مدلوله الإنساني والذي دعمته الديانات السماويّة هو تلك العاطفة السامية التي تربط الفرد بمحيطه عدا نفسه – فحب النفس هو الأثرة الضيّقة ، بل المرض النفسي غير المحبّب في العرف أو الدين..أمّا حبه لمن ولما يحيط به فهو عاطفة إنسانيّة سامية بعيدة عن البشريّة القاصرة على الحب الغريزي الذي يستوى فيه مع كل الكائنات البشريّة، ولا شيء يثري هذه الحياة سوى المحبّة التي تمنحك راحة نفسية وجمالا روحيّا وخصوبة وجدان يجعل المحال ممكنا.. فأن تحبّ الحياة أو أن تحبّ الآخر ليس حبّ امتلاك بل تتمنى له الخير ، أو أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، أو أن تحبّ عملك فتبدع فيه ، أو وطنك ومجتمعك فتضحّي من أجله، أو أن تحبّ فعل الخير من أجل هو خير أو تحب القراءة والتحصيل المعرفي، أو أن تحبّ العطاء بلا حدود، أو أن تحبّ رسولك الكريم وتتأسى مكارم الأخلاق الذي بعث ليتمّمها، أو أن تحب الذات الإلهيّة لكثير نعمها عليك.. تلك كلها دلالات لا ترتبط بمفهوم الحب الذي يتم الاحتفاء به كل عام فهذا له قصّة ارتبطت بحبّ الغريزي بين الجنسين، وهو كما ذكرنا إن لم يقد إلى الارتباط بالزواج فهو محرّم ومنبوذ في مجتمعاتنا.. إلا أنّ الحب السّامي الذي يبنى ويثري الحياة سواء للوطن أو للعمل أو للآخر أيّا كان فنحب لغيرنا ما نحب لأنفسنا فذلك لا يرتقي إلى الاحتفاء به رغم أنّ أدبيّات بنية الوعي المفتوح قد أشارت إليه، ففي الأمثال الشعبية (الجنّة بلا ناس ما تنداس) وفي الشعر كما يقول المعرّي: ولو أنّي حبيت الخلد فردا لما أحببت بالخلد انفرادا فلا هطلت عليّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا وفي حب الوطن : بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام وعن العمل يحثنا رسولنا الكريم " إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ". وعن حبّ الآخر " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه ". هذه المعاني السامية والتي تنطلق من أبعاد كلمة الحب تمّ اختزالها إلى الحب الغريزي القاصر الذي يتأسس على حب التملّك للآخر، أو إذا لم يتم ذلك انقلب إلى كراهية وحقد بل وانتفام، فالحب الغريزي مفطورة عليه كل الكائنات البشرية بما في ذلك حب الأم لأطفالها أو الوالدين لأبنائهم ، أو الأبناء لآبائهم.. من هنا نرى ضرورة التفريق بين هذا الحب القاصر المحتفى به، وذلك الحب السامي الذي يربط الفرد بمن حوله وما حوله في نشاطه الحياتي العام، حتى نحدّد موقفنا من دلالات وأبعاد المفردة، فالإنسان يشكّل الحب جوهره الداخلي ومرتكز قيمه المثلى ... .
إقرأ المزيد Entry>>

الأربعاء، 19 أكتوبر 2011

كفى ظلما للشعب الليبي العظيم

كفى ظلما للشعب الليبيّ العظيم
أيّتها البشريّة الشوهاء


هذا العالم الأعرج، المتجرّد من القيم الإنسانيّة، المحتكم إلى قانون الغاب، شرعا له رغم كلّ الأديان السّمحة والشرائع العادلة المتسامحة، والقيم التي أرستها بنية الوعي الخلاّق.. وزاد عليها أن اعتمد الكذب والرياء والنفاق والزيف والخداع والدّجل والخيانة والعمالة مع القهر والتنكيل والظلم والقتل والتدمير والإبادة وكلّ مفردات الشرّ والظلام، اعتمدها نهجا تحكم وتتحكّم به في ضمير المجتمعات المحليّة والإقليميّة والعالميّة، فأضحى الأبيض أسودا والأخضر أحمرا وامتزجت ألوان الطيف بحكم المصالح وكلّ ذلك لم يشكّل إلاّ صورة من صور التخلّف في عالم يدّعي التقدّم والتحضّر والمدنيّة يدافع كما يقول عن حقوق الإنسان وهو لا يزال يرزح في دائرة البشريّة (والبشريّة هنا كلّ من له بشَرة على وجه الأرض) يستوي فيها مع كلّ الكائنات في الغاب أو الصحراء....واحتجبت مفردات الخير والصلح والسلام والمحبّة والإخاء والعدل والحريّة عن كلّ مفردات القاموس العصري الذي تهيمن عليه بنية الوعي البرجوازي المادّي..
. ما عدت أصدّق كلمة واحدة ممّا يكتب أو يقال عبر وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئيّة، فالصور تركّب والكلمات تتلوّن وتباع في الأسواق، والأقلام تكتب للأقوى والأغنى وتحجب الحقائق. من أجله تزوّر وتمارس التزييف بشكل واضح وظلم صارخ وتحريض يثير الغثيان، ولا نحتاج إلى دليل أكثر وأبرز ممّا شهدناه في العراق ونشهده اليوم في ليبيا خلال الأشهر التسعة الماضية، أتابع فيها بألم شديد انحدار أجهزة الإعلام التي أصبحت (غرف عمليّات) لطمس أيّ تعاطف، وحجب أيّ حقيقة وإبراز شرف للباطل إن كان للباطل من شرف، وشرعيّة القتل والتدمير إن كان للمعتدي من شرعيّة.. وأتابع كذلك حوارات من كنّا نعتقد أنّهم قممٌ ثقافيّة في وطننا الكبير، فإذا هم (مستغربون) يقومون بدور (المستشرقين) قبل مرحلة الاستعمار في القرنين الماضيين، ومستلبون من قبل الغرب يروّجون لثقافاته ويحملون جنسيّاته. ومن كنّا نعتقد أنّهم متديّنون أو وطنيّون تطرّفوا في دينهم وحالفوا أعداءهم ، وتنكّروا لوطنهم بذريعة أنه وطنهم. وحتّى مصطلح الثورة بما يحمل من قيم التمرّد والرفض والتحدّي والمقاومة والوعي ، ركبوا موجته وتسمّوا به كذبا وزيفا ، فما عاد يحمل قيم الثورة ولا نضال الفقراء والمظلومين ، ولا كفاح المستعمرين والمستعبدين من أجل الحريّة.
فهل يا تُرى أصابت العالم غشاوة، أو هو لا يسمع أنين الجرحى ولا بكاء الثكالى ، ولا يرى الأشلاء والدماء والدّمار للديار والخراب، فإذا به يكبّر عند قصف الأعداء لبني وطنه ، بل ويحمل السّلاح يساعدهم ويساندهم من حيث أنه يظنّ أنّهم يساعدونه ويساندونه.
أقسمُ بربّ العزّة أنّ الشعب الليبي العظيم لا يستحقّ كلّ هذه الإهانة وكلّ هذا الجور والظلم.. شعب عشت معه وفيه وعلى أرضه لخمس وثلاثين عاما، قضيت شبابي وجلّ عمري معه. معلّما وإعلاميّا وأستاذا جامعيّا، تعاملت مع كبيره وصغيره مع مديره وغفيره في حواضره وبواديه بطرابلس وبنغازي وسرت وسبها وغريان ومصراته وهراوة ومعظم مدنه وقراه، كنت فردا من أبنائه، علاقات رائعة وحميميّة وإنسانيّة حدّ الإعجاب، أنستني تلك المعاملة الطيّبة الدار والأهل والأحباب والأصحاب في بلادي وما لها عليّ من دين.. وجعلتني أستقرّ طيلة هذه الفترة حيث أضحت ليبيا وطنا ثانيا لي وأهلها أهلي، أحببتهم كثيرا وأعطيت لهم ما وسعني العطاء في مجال العلم والمعرفة.. فعرفني الكثيرون في هذه المدن وغيرها وتعرّفت على الكثير منهم.. ليسوا هم ما رأيت أو ما شاهدت عبر التلفاز أو ما صوّر للمواطن العربي عبر وسائل الإعلام.. الأمن والأمان كان هالة حول حدائق المدن وجنان الأرياف، كما أنّ قيم الوفاء كانت مغروسة فيهم، وجسّدها قائدهم حين جعل للوفاء يوما هو الثلاثين من شهر سبتمبر يتمّ فيه تكريم كلّ من أعطى وضحّى وقدّم وبذل وتفانى في سبيل التقدّم والعلم والمعرفة والأدب والفن والوحدة العربيّة والأفريقيّة والإخاء الإسلامي، بل كلّ من سعى لإحداث نقلة نوعيّة في دائرة البشريّة وغرس بذور الإنسانيّة.. فإذا بالبشريّة الحمقاء لا يعجبها ذلك..
وحين وصلت مرحلة التقاعد ودّعت ليبيا وهي رائعة جميلة تتزيّن بأبهى حللها وتنمو فيها السنابل الخضر وتتفتّح الورود في ساحاتها.. تنتصب الجامعات الشوامخ في كلّ مدينة من مدنها، يعتزّون بأنفسهم ويفاخرون أنّهم الشعب سيّد نفسه، وأنّهم يشكّلون عائلة واحدة، لا تفرّقهم أحزاب ولا تخدعهم أقطاب وليس لهم أرباب سوى ربّ العزّة ، وباب العزّ الذي يعشقون، وقائد جريء به يفاخرون يقول للعالم الظالم ما لا يقدر على قوله الآخرون..
وحميميّة الودّ والمحبّة التي وجدتها بينهم هي التي جعلتني أودّعهم وأنا أقول:
ولي عالمٌ يوحي ولا يتكلّمُ
ألوذ بحرفي حين بوحي يكتمُ
سألت قصيدي كيفما شاء يحكمُ
فعانقت مفردة الوفاء وكنتمُ
لكلّ جراح البعد فيكم وعنكمُ
لي الأهل والأحباب والله يعلمُ
كأنّا وقد كنّا بمولدنا معا
كأنّا نشأنا مذ طفولتنا معا
كأنّا ترافقنا مدى عمرنا معا
كأنّا اقتسمنا زاد شدّتنا معا
كأني اختزلتُ باقة الودّ فيكمُ
وكنتم كأني أو كأني كنتمُ
فما تكتب الأيّام كيف يترجمُ
ومن يشتكي في الودّ كيف سيحكمُ
تبسّم حرفي حين أدرك أنّكم
قريبون في كلّ القلوب سكنتمُ

وهذا القائد الذي يعتبره اللّيبيّون رمزا، والأحرار في العالم مناضلا جسورا ، يقول عنه الخانعون والخائفون الذين لا يملكون أمر أنفسهم أنه مجنون (والجنون هو مخالفة السائد). وقد خالف السائد فعلا، وانتقد قهرهم وبطشهم للضعفاء باسم القانون الدولي، وتزييفهم للديمقراطيّة التي يسعون لفرضها بالقوّة على الشعوب في وقت لا تطبّق فيه هذه الديمقراطيّة حتى في قمّة المنظّمة الدوليّة (مجلس الأمن) الذي جار عليها وامتلك حق التقرير وإنفاذ قراراته ولو بالقوّة.. في حين أنّ الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة قراراتها غير ملزمة ، وأشبه بالديكور لمجلس الأمن.
خالف السائد حين وجد أنّ هذه الديمقراطيّة الليبراليّة الزائفة والجوفاء والتي تدّعي أنّها خاتمة المطاف وأنها تتيح الفرصة للتداول السلمي للسلطة، إنّما هي لعبة الأغنياء وأصحاب المصالح الذين يخلقون الرأي العام ويصنعونه ويوجّهونه ويسيّرون بالمال دفّة العالم كيف يشاءون.
والجنون هو عندما تلتئم جماهير الشعب في مؤتمرات شعبية لا حزبيّة فيها ولا قبليّة ولا طائفيّة ليتخذوا من القرارات ما شاءوا ويحملها أمناء لهم لمؤتمر الشعب العام وتنفذها لجانهم الشعبيّة التي اختارتها جماهير هذه المؤتمرات.
والجنون هو هذه الإنجازات الضخمة وفي مقدّمتها النهر الصناعي الذي أخرج ماؤه من عمق الصحراء ليرتوى هذا الشعب ماء عذبا بدلا من محطات تحلية مياه البحر.
والجنون هو بناء ليبيا الحديثة وإرسال البعثات بآلاف طلاّب الدراسات العليا ليتلقّوا العلم والمعرفة في أعرق جامعات العالم على نفقة المجتمع والعمل على توطين العلم والمعرفة بالداخل.
والجنون هو إتاحة الفرصة لكلّ الطلاّب العرب والأفارقة من الدراسة في المدارس والجامعات الليبيّة مجّانا والتداوي في المصحّات والمستشفيات الليبيّة مجّانا أو برسوم رمزيّة..
والجنون هو توفير السكن الحديث للشباب الليبي ومنحه القروض لتأهيل نفسه ومنحه السيارات بأقساط مريحة..
والجنون هو السعي الحثيث لتوحيد قدرات الوطن العربي والعمل على توحيد القارّة الأفريقيّة حتّى جعل من الاتحاد الأفريقي يجتمع في ندّيّة مع الاتحاد الأوربي.
والجنون هو اعتبار الإرهاب الدولي صنوا لإرهاب الجماعات المتطرّفة، وإرهاب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التجارة العالمي ومجلس الرعب الذي يسمّى بمجلس الأمن والذي تقوده الدول الامبريالية التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية فأعطت نفسها الحق في رسم سياسة العالم بتجريِم من تشاء ومحاكمة من تشاء ومنح الشرعيّة لمن تشاء ونزعها ممّن تشاء..
هذا هو الجنون الذي اتسم به القذّافي .. وهذا هو الشعب الليبي العظيم الذي التفّ وتماسك وبنى وأنجز كل هذه المنجزات بفخر واعتزاز..
فلا أصدّق ولا تصدّقوا أنّ الشعب الليبي هو من ثار على نظامه وشوّه صورة قائده وقتل وذبح ودمّر منجزاته وفرّط في مقدّراته من أجل أن تكون ليبيا تحت عباءة الغرب الامبريالي..
ولو كانوا كذلك لما احتاجوا لحلف الناتو ليساعدهم على تدمير منجزاتهم وقتل وإعاقة وتشريد مئات الألوف من أبناء الشعب الليبي العظيم حتّى يفرض حكّاما جددا موالين له يملى عليهم ما يشاء..
لقد تكالبت قوى الشر والعدوان على قيم الإنسانيّة في ليبيا.. فكفى ظلما أيّتها البشريّة الشوهاء ، وليراجع المثقّفون الوطنيّون على امتداد الوطن العربي، وفي قراءة متأنّية صورة هذا المشهد الدّامي والعدوان الآثم والتشويه المتعمّد والتدمير الممنهج والتزييف الصّارخ باسم أكذوبة (أسلحة الدمار الشامل) في العراق و(حماية المدنيّين) في ليبيا.
.
إقرأ المزيد Entry>>

الخميس، 30 ديسمبر 2010

هل يحقّ لنا الاحتفاء بالعام الجديد ؟

هل يحقّ لنا الاحتفاء بالعام الجديد ؟

درج العالم بالاحتفاء برأس السنة الميلاديّة الجديدة كلّ عام، والفرح بقدوم عام جديد تفاؤلا بأن القادم أجمل في كلّ مناحي الحياة، وعلى كلّ الصّعُد، الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة والمعرفيّة، فالابتكارات والاختراعات والتقدّم العلمي والتكنولوجي والبحث العلمي يقدّم الجديد كلّ يوم، يحارب الأمراض والأوبئة الفتّاكة ويعمل على صحّة الإنسان وإسعاده في كدح لا يتوقّف، وبذل وعطاء شامل بلا حدود، محقّقا خلافته لله على هذه الأرض، ومن ثمّ حُقّ له أن يحتفل وأن يحتفي وأن يفرح في مثل هذا اليوم.
ودرج أن يحتفي العالم وأن يحتفل برأس السنة الميلاديّة الجديدة لأنّهم يتعاملون مع الزمن بدقّة الزمن ومعرفة قيمته بأدقّ وحداته من (الفمتو ثانية) وكسور الثانية وحتى الساعة واليوم والأسبوع والشهر والعام، وهم يعتبرون الزمن ثروة ويعرفون كيف يستثمرون هذه الثروة ولا يسمحون بتبديدها، ودرجوا على الاحتفاء به لأنّ الزمن لديهم هو القيمة الحياتيّة التي يعرفون ويقدّرون قدرها، ومن ثمّ حقّ لهم أن يحتفوا ويحتفلوا بانقضاء عام وميلاد عام جديد..
. أمّا في بلادنا ودول العالم الثالث فإنّ الحسرة تنهش قلوب الناس في مثل هذا اليوم، لأنه من جهة نعتبره خصما من أعمارنا، ومن جهة أخرى فنحن نحتفي بالماضي وأعرافه وتقاليده ومعتقداته ونقدّره أكثر من احتفائنا بالمستقبل، ومن جهة ثالثة فنحن لا نعرف كيف نستثمر حاضرنا فكيف بما هو في رحم الغيب لم يولد بعد، ومن جهة رابعة فإنّ ثقافتنا هي ثقافة الموت الحق وثقافة الدنيا الفانية، ومن جهة خامسة فنحن ليس لدينا سوى البكاء دائما على المجد التليد الذي كنّا عليه وأضعناه، والبكائيّات على الماضي سمة من سماتنا منذ عصر ما قبل الإسلام من بكائيات على الأطلال، وبكائيّات على فراق الأهل والأحبّة، وانتهاء بما نحن فيه، مرورا ببكائيات الأندلس وفلسطين والعراق والسودان وما ينتظره،والبقيّة تأتي ومازالت لدينا بقيّة من دموع. والنظرة الماضويّة المسيطرة علينا ما هي إلاّ نتاج الخواء الفكري والروحي الذي تعيش مجتمعاتنا فيه، فالتراجع والاحتماء بالجدار الأخير هو سمة الانهزامية والخواء الفكري هو سمة التخلّف الحضاري. ومن ثمّ تأبيد الماضي والعمل على استنساخه بل وتقديس شرع الأسلاف. ليصبح الصراع على السلطة والاقتتال لعدم وجود مشروع لعدالة اجتماعيّة ولا لأمن اجتماعي. هذا ما تعجّ به ساحاتنا السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة.من صراع (سلطة سياسية وسلطة ثقافيّة وسلطة دينيّة وسلطة قبليّة وسلطة حزبيّة وسلطة جهويّة وسلطة أبويّة) صراعات لا تنتهي ولا يلوح في الأفق أنها ستنتهي.. ولعدم وعينا بالحاضر على أنه أساس المستقبل ، وعدم اهتمامنا بالعلم والمعرفة وتطوير القدرات وتحقيق التقدّم والرفاهيّة لشعوبنا فذاك ما يجعل القصور ماثلا أمامنا والأعين مثبتة خلف رؤوسنا نتوق للماضي وما كانت عليه الأوائل.. فلماذا نفرح ونبتهج بالعام الجديد ما دام سيبعدنا عنهم ويقصّر في أعمارنا؟؟ ولماذا نفرح ونبتهج بالعام الجديد وهو لا يحمل لنا جديدا ولا نسعى نحن لخلق الجديد فيه؟ حتّى أعيادنا نسائلها دائماً بأيّة حال عدت يا عيد؟
حُقّ للغرب والعالم أن يحتفل ويحتفي برأس السنة الجيدة لأنّها ستقرّبهم من تحقيق أحلامهم ومخطّطاتهم واستراتيجيّاتهم المستقبليّة، أمّا نحن فكلّ عام تقهرون وترذلون، وكلّ عام يقضم من تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا ومثلنا شيئا، نسعى لأن لا يحدث فجوة في حياتنا المستنسخة، فنحن (في شرنقة الماضي) مجتمعات نخاف ونخشى الماضي ونهرب بأحلامنا إليه ونتوجّس من كلّ جديد، سل أيّ فرد يحكي لك عن جمال ماضيه، حتّى على صعيده الشخصي، سل أيّ مجموعة في مجتمع سيقولون لك: ماضينا كان أجمل و(يا حليل أيّام زمان) افتح أيّ قناة فضائيّة من دولنا تجدها إمّا أخبار الصراعات أو تستضيف من يحكي عن(صفحات من الماضي) (صفحات من تاريخنا) (أسماء في حياتنا) (من تراثنا) (من الأرشيف) (أيّام زمان) (مسلسلات تاريخيّة) (قصص من الماضي) فالحاضر المعاش لا يسرّ مطلقا بل يشكّل هزيمة حضاريّة بالغة السوء بل وكارثيّة، حيث عجزنا عن اللحاق بركب التقدّم، وعجزنا عن صنع الحياة وعن الاكتفاء بما ننتج، نستدين ونتسوّل فنقع تحت رحمة البنك الدولي والمصرف الدولي والدول المانحة، فما من دولة إلا وغارقة في الديون- إلا من رحم ربّي فمنحه النفط _ لعدم قدرتها على الإنتاج وحكّامها يريدون أن يحافظوا على أنظمتهم والفساد يضرب أطنابه في كلّ مجتمعاتهم لا يهم وبمساعدة من ذات ألأنظمة، والحوار لانتزاع الحقوق ليس بالكلمة بل بالسلاح الذي يجبرنا على الحوار، والمستقبل بيد الغيب لا يد لنا في صنعه، اللهمّ إلاّ الاحتفاء بالإنجاب والإكثار منه فهذا عزاؤنا (التعداد السكّاني)، فأبناؤنا يكبرون دون رعاية لهم، ودون أن نخطّط لأمنهم وحمايتهم وتعليمهم ومستقبلهم، ما يهمّنا أن نستنسخ أنفسنا فيهم ونغرس بداخلهم خيباتنا، وماضينا، وهزائمنا وبكائياتنا وعجزنا عن أن نعي الحياة أو أن نفكّر و(مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها) إنه قدرُنا، و(قدّر الله وما شاء فعل) نأكل ونشرب ونتناسل وهذا كفى..وكلّ عام ودعواتنا أن يكون الجميع بخير،.
.
إقرأ المزيد Entry>>

الأحد، 5 سبتمبر 2010

لماذا الحرف الموتور؟

لماذا الحرف الموتور؟؟
عبدالرؤوف بابكر السيّد

حين يصير الزيف شريعة
والضيم وسادة
والقائمة السوداء تضمّ الشرفاء
وكلّ الأطفال
فالنبض الحيّ، النبعُ الدفقُ
الحبّ الفيضُ يكون قلادة
بصدرك يا وطني
ويكون الغضبُ عبادة
ويكون الموتُ ولادة
زرت عددا من المرات مدينة لندن سائحا، وفي العام 1979 بقيت بها زهاء العام مع أسرتي، توجهت إلى مدينة ليدز بغية الاستزادة من اللغة الانجليزيّة بإحدى معاهدها، وهناك كنت أدرس مع مجموعة من الطلاب مختلفي الجنسيات جاءوا لذات الغرض.. وفي نهاية الفصل الدراسي طلبت منّا أستاذتنا أن يعرّف كلّ واحد الآخرين بوطنه، فقام كلّ طالب بالتعريف عن بلاده، منهم الفرنسيّون والأسبان والإيطاليون وجنسيات أخرى، وعقب كلّ تعريف لطالب عن بلاده تتاح الفرصة لبقية الطلاب أن يسألوا زميلهم لمزيد من الإيضاح إذا لم يوفّ الحديث أو إذا أرادوا الاستفسار أكثر.. وحان دوري، فقمت متباهيا بوطني معتزّا به وحاولت أن أعرّفهم أوّلا بموقعه الجغرافي فقد كانوا يجهلونه تماما، واستعنت بالسبورة كي أرسم السودان القارّة داخل القارّة الأفريقيّة، وكنت أجيد الجغرافيا ورسم خارطة العالم مذ كنت يافعا في المدارس.
. ثمّ شرعت في الحديث عن السودان وكيف ناضل شعبه لينال الاستقلال عن بريطانيا للتمتّع بحريّتنا وتفجير طاقاتنا، كما شرحت لهم الكثير عن خصائص وسمات المجتمع السوداني وتنوّع وتعدّد ثقافاته.. وبعد أن أكملت الشرح وبإسهاب، طلبت أستاذتي من زملائي حينها أن يسمحوا لها هي بتوجيه سؤال لي، وكان سؤالها:
ما الذي يقدّمه السودان للعالم؟ أو بمعنى آخر ما الذي يسهم به السودان في التطوّر الحضاري العالمي؟ وما الذي يستفيده العالم من السودان بعد أن حقّق استقلاله واستغلّ ثرواته وفجّر طاقات أبنائه؟؟؟
أسقطت في يدي حينها، ولكني وبحكم النخوة والغيرة على وطني بدأت أستجمع كلّ ما لدينا من ثروات طبيعيّة، ومن أراض خصبة، وبأنّا نقدّم الكثير من صادراتنا الزراعيّة من قطن وصمغ عربي وثروة حيوانيّة ضخمة وموادّ أوّلية أخرى، إضافة إلى بدايات متواضعة في مجال الصناعة..
ومنذ تلك الفترة وهذا السؤال يستفزّني كثيرا، ممّا جعلني غيرةً على وطني أن أتجاوز الكتابة عن الحب القاصر إلى رحاب المحبّة الشاملة.. لذا كان شعري به هذا الجرح الغائر.. وحتى الآن لا يزال المشهد كما يلي:
- لدينا ثروة هائلة منحنا لها المولى عزّ وجل وهي الزمن.. تمرّ الأيام والسنوات والعقود والقرون ونحن قابعون لا نجدّد ولا نتجدّد ولا نستثمر هذا الزمن المهدر.. ومن المفارقات العجيبة أنّ العرب هم من أهدى لشارلمان في الغرب(الساعة) فضبط الغرب نفسه واستثمر وقته بفاعليّة فكانت هذه الحضارة التي صنعوا ولازالوا يصنعون، ونحن لم نقدّر هذه الثروة ولم نستثمرها، بل هربنا إلى الماضي من حاضرنا.. ولكنّنا باقون متناسلون، سوقا لإنجازات الغرب بل وعالة عليهم. هذا مشهد أوّل.
- المشهد الثاني: أنّ أوّل آية نزلت من آي الذكر الحكيم جاءت تدعونا إلى القراءة (إقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم) ونحن لا نقرأ ولا نجيد القراءة والتفسير للحياة ومعنى الخلافة في الأرض، والعالم من حولنا يطلب العلم من المهد إلى اللحد.
- المشهد الثالث: وقد بقينا عالة على العالم وسوقا له، شغلنا أنفسنا بصراع مرير على السلطة ومن يحكم ويتحكّم ؟؟ تارة عن طريق انقلابات عسكريّة وأخرى عن طريق الأحزاب الطائفية والقبليّة، إضافة إلى الصراعات الجهويّة، بل والدمويّة.
- والمشهد الرابع هو أنّ كلّ المفكرين والعلماء والمبدعين هاجروا عن أوطانهم التي أضحت طاردة لهم إلى حيث يجدون التقدير بما يسهمون به في الحضارة العالميّة، وذلك لأننا لاهون في صراعاتنا ولا نكرّم أنبياءنا بين أهليهم، ولا عازفينا في أحيائهم.. ويظلّ الوطن بعطائه السخيّ لنا ينظر كما تنظر الأمّ لعقوق أبنائها.
- المشهد الخامس: بالعلم والمعرفة والبحث العلمي تطوّرت المجتمعات ، وعلماؤنا وباحثونا ومبدعونا لا خيار لهم رغم حبّهم لهذا الوطن موتورون ويكدحون فقط من أجل لقمة العيش أو يهاجرون، في حين أن ماضينا يخبرنا عن كيف يفرّغ العلماء للدرس والبحث والدولة تتولّى معاشهم، وحاضرنا نشهد فيه كيف يفرّغ الغرب علماؤه ومبدعوه مؤمنا لهم معاشهم، فما أبعدنا من ماضينا ومن حاضرنا وما أعتم مستقبلنا.
- والمشهد الأخير: هو أنّ نومة أهل الكهف التي نحن فيها لم يحن بعدُ الخروج منها، وعندما نستيقظ سنجد الشمس استقرّت في الغروب.. والوطن لعدم تعاوننا وفاعليتنا يظلّ يأسى لحالنا حاملا لنا بشرا، لنا غرائزنا ولم ندخل بعدُ دائرة الإنسانيّة بقيمها وفاعليتها،ولم نعط الخلافة على الأرض حقّها ولم ندرك بعدُ معناها.
ألا يحقّ للشرفاء أن يكونوا موتورين على ما نحن فيه، والخنجر في خاصرة الوطن، والحرف موتور لما هو عليه؟؟؟؟؟
.
إقرأ المزيد Entry>>

الخميس، 13 مايو 2010


بين حبّ السلطة وحبّ الوطن
السودان على فوّهة بركان


عبدالرؤوف بابكر السيّد
لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها         ولكنّ أحلام الرجال تضيق
بركان يغلي في أعماق التربة والمشهد السياسي والثقافي والاجتماعي السوداني يتمثل في تفاعلات كيميائية الصراع المحتدم وإشكالات الوضع القائم من حيث السعي لتطبيق الرؤية الواحديّة على كل زوايا وأركان الاختلاف والتنوّع الذي يصبغ المكوّنات الاجتماعية والرؤى السياسية والتعدد الإثني الذي يحكم التعايش السلمي في البلد القارة.. صحيح أن ما أفرزته الانتخابات (التي أخذت نهج الغرب الليبرالي العلماني) واقع أعاد شريكي الحكم إلى سدته، ولكن هذا سيجعل الحمم تتفاعل في الداخل قبل أن تنفجر بسحب من الدخان البركاني الذي سيعطل حركة الحلول في الفضاء العربي الأفريقي.. فالمؤتمر الوطني بحكم فوزه وكذا الحركة الشعبية يحملان من التناقضات الأيديولوجية والمنهجية ما يجعلهما كافيين لجعل شبح الانفصال قائما يهدد السودان بما يترتب عليه.. مطالب سقف الحركة كبير بدءا من علمانية العاصمة القومية وانتهاء بالمواطنيّة المتساوية مرورا بالتنمية المتوازية بين الشمال والجنوب.. ومساحة التنازلات ضيّقة من قبل المؤتمر الوطني الذي لا يستطيع أن يتحرك قيد أنملة عن إعلاء شأن الإسلاميين وتحديد مفوضية ترعى شؤون غير المسلمين، مما يغرس بذور الشقاق بين مواطني البلد الواحد، ويفسح المجال ليدس الخارج أنفه في تحديد مصير السودان وتشكيل خارطته الجديدة. . هذا من حيث العلاقة بين الشريكين اللذين يصبران على بعضهما ريثما يحسم الاستفتاء الأمر، وعندها يدخلان في حلبة صراع لا ينتهي ولكن هذه المرة بين دولتين إحداهما مدعومة والأخرى ملغومة..والألغام المغروسة في الشمال منها ما بدأ يبرز ويستعصي تفكيكه، ومنها ما هو كامن ينتظر المرور عليه لينفجر.. كل هذه التفاعلات نتاج الصراع على السلطة الذي أخذ بعدا سياسيا واجتماعيا داخليا وخارجيا، رغم علم الجميع بأن تفجر البركان سيغطي رماده كامل الساحة العربية والإفريقية، ولن يستطيع أحد في الفضاء العربي الأفريقي حينها التحليق في سماء المنطقة. المشهد مرعب رغم كل التعبئة السياسية والثقافية وتجيير كل الأنشطة الإعلامية والسياسية لصالح الوحدة، عسى أن تكون جاذبة وهي لعمري لا تعدو أن تكون لعبا في الزمن الضائع، ورفعا للأكف حتى يجنب الله البلاد ويلات هذا البركان..
ونستدعي هنا صورة المرأة التي ادعت بنوّة ابن ليس لها حيث اختصمت المرأتان الأم والمدعية للأمومة أمام القاضي الذي لم يجد ما يحل به هذا الإشكال سوى أن يحكم بقسمة هذا الطفل بينهما وكل امرأة تأخذ نصفها فما كان من الأم الحقيقية إلا أن تنازلت عن بنوّتها واعتبرت هذا الابن هو ابن المرأة المدعية حفاظا على حياته، هنا عرف القاضي من هي الأم الحقيقية وحكم لها..فمن يقدّم تنازلات أكبر لتفادي تجزئة السودان هو الأكثر محبّة لهذا الوطن الذي يريد من محبيه أن يعبُروا به مرحلة الشقاق والتجزئة والتشتّت والتلاشي..فتجربة يوغسلافيا التي انتهت من الوجود وتقزمت إلى دويلات.. وتجربة التدخّل في العراق الذي عجز فضاؤه العربي عن أن يمدّ له يد العون، وأفغانستان وباكستان الذي عجز فضاؤها الإسلامي عن مساندتهما كل هذا ماثل في العيان ومعاصر في الزمان، وهكذا تتفجر البراكين وتغطي الفضاءات بالسحب الرمادية الداكنة فيحظر الطيران أو التحليق، ويخسر المكان كما يخسر الجميع..والوضع في السودان لا يستهان به، فلم يشفع للإسلاميين فوزهم في انتخابات الجزائر، ولا شفع لحماس فوزها في انتخابات شفافة ونزيهة ومطابقة للمعايير الدولية.. العالم يعترف بالمواطنة وليس بالتمييز العنصري عرقي أو ديني، ولا أعتقد أننا في السودان قد وصلنا مرحلة التمييز العرقي أو الديني، اللهم إلا كبرنامج عاطفي يستقطب الأصوات ويمكّن من السلطة.. الشعب السوداني بتسامحه وطيبته وإنسانيته وأخلاقياته الرفيعة ليس هو الشعب المليء بالإحن والأحقاد، ولا هو الشعب الذي يقبل بالتجزئة والانفصالات، ولا هو الشعب الذي يمارس التمييز بين الأعراق والديانات، فلماذا نقحمه في هذه الابتلاءات؟ ولماذا من أجل السلطة والمكتسبات الشخصية والحزبية الضيّقة نذكي فيه روح الإحن والعداوات..أمن أجل الوطن؟ والوطن بحاجة إلى الوحدة والحفاظ عليه متماسكا قويا، وهو بحاجة إلى أن يكون بيد أبنائه وليس محكوما بسياسات وأجندات خارجية.. فكيف نعمل على تجنيبه هذه التدخلات وكيف نعمل على تعميق السلم الاجتماعي بنظرة عميقة ذات أبعاد تعرف ما يمكن أن تقدمه من تنازلات وما هو خط أحمر، بين أن يكون السودان أو لا يكون.. بين حبّ السلطة والذات وبين حب الوطن.. بين أن تعمل على إطفاء جذوة النار في الأعماق لتفادي حممها بعد أن ينفجر البركان.. وبين أن تتركها تتفاعل حتى تحرق الأخضر واليابس فتتغير خارطة السودان.. الأمر حتى الآن تحت السيطرة، وسيأتي اليوم الذي سيسطر التاريخ فيه آخر حرف في سودان المحبة والوئام، سودان التنوّع والتعددّ والوحدة.. فإلى إزالة الألغام وتعميق مفهوم السلام بإشراك الجميع في السلطة والثروة، ونزع تفاعلات النزاع والصراع ..فالتاريخ لن يسامح أحدا، ولا يرحم.
.
إقرأ المزيد Entry>>