‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات في الهاجس والحرف لعدد من النقاد والأدباء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات في الهاجس والحرف لعدد من النقاد والأدباء. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 8 ديسمبر 2011

حول الهاجس والحرف.. آية عبدالحي أحمد

الفنّانة التشكيليّة: آية عبد الحي أحمد
 حول الهاجس والحرف

رسالة شدّتني وأذهلتني بأنّ هناك من يتذوّق الحرف في بلادي بهذا العشق وبهذه النشوة وفي هذا الزمان الصعب العطب لك آية معزّتي واحترامي وتقديري واسمحي لي أن تتشرّف بها مدوّنتي ضمن من كتبوا عن الهاجس والحرف من أدباء ونقّاد.مشاعر أعتزّ بها وحروف تتسامى إلى عالم التوحّد مع الذات والحرف والروح. لك التحيّة والمحبّة.. .......................عبدالرؤوف بابكر السيّد
بسم الله الرحمن الرحيم
روعة تلك الكلمات التي ينغمس فيها وجداني ليصل لذلك الشعور الذي هام فيه ذلك الشاعر شلتني، اغرقتني بصمت على عيناي ..أيعقل؟؟!
كلمات لن أجد لتكرارها مثيل.. عندما سمعتها لأول مرة بحثت عن تلك المفردات لأضمها الى تاريخ كتاباتي, فوجدت أنها من المستحيلات، فالأحساس بتلك الكلمات يفوق تلك الحدود التي يمكن أن يرتسم عليها الشخص..
شاعر أفاضت به غربة الأيام واستسلم للواقع السؤال، دون وجود الاجابه في وترية وقف بينها الهاجس والحرف...
. أحياناً أتأمل غرابة تلك المترادفات ومعاني تلك الكلمات وأسأل نفسي هل وجد لحظة، ليكتب تلك العبارات التي في تناغمها ضياع للذات بين الروعة والابداع، أم أخذ يبحث في قواميس الحرف ليجدها؟؟
صمتٌ تغلغل في أفكاري وفي روائع تلك السمفونية لمايسترو عندما أمسك بالقلم لينثر روعة ما وشمته الأيام على جبينه، جعل الدهشه، الرغبة، الحيرة، ولحن هذه الكلمات ينسج في دواخلنا معزوفات ليس لها انقطاع، بين الآهة والعبرات، بين الألم والثغرات، بين السعادة وتلك الزمنيات، بين الاستفهام والاستعجاب، وبين الحين والآخر، فاغوص في عمق تلك الحروف وأجد في موازينها نغمٌ وفي ترتيبها لوحة تُعمّق في احساسها فنان توصل الى مرحلة التجريدات، لعالم بينه وبين ذلك الأفق نقطة تتمركز عليها الأحداث.
هواجس تمرحلت على أوزان وطنٍ غاب وبدأ يذوب في ذاكرة النسيان، هواجس لمعالم بدأت تتوطن على أشكال حملت في جوفها عادات وتقاليد ارتسمت عليها معالم الرحيل، هواجس لدروب تزحزحت في أناملها وقائع بين الماضي والحاضر لازالت تتمحور عليها، هواجس تعملقت في عقولنا وطاردت أفكارنا لتصبح بين طيات السؤال دون اجابة، فأصبح بال الهاجس يوغل بين مسامِ التربة يكتبُ فينا كيف نكون.
لم أكن في حياتي كاتبة، بل استسلمت لروعة الحرف عندما يمتزج بكلمة في عنفوانها احساس بزمن، تاريخ، لحظة، ميلاد, وكلمة أثارت في النفس شعور لم يستطع سوى القلم أن يسرده في سطور الأوراق، ليتربّع على تلك الخطوط بحبر غارت عليه الأيام ليتجسد في خواطر بسيطة, لكن ما جعل صمت دهشتي هو الروعة في حد ذاتها، عبارة والحرف شقيق الروح فكيف تخون الروح التوأم فينا كيف تخون، هذه العبارة جعلت صمتي أمامها هو التعبير الوحيد الذي يمكن أن يصدره لساني، سبحان الله دائماً ما أعتز في دواخلي بأنني سودانية، دون أعرف لمَ هذا الاعتزاز بوطن أبعد روعة عن تلك الصفات التي توسمت في شلوخٍ، وُشمت على زماننا لتصبح في ثوب غريب لم يكن في الأصل لنا، لكن هذه الوترية جعلتني أدرك بأن وطني فيه من الكلمات ما يعجز التفكير.

وجدت كلمة "شكراً"، احدى الكلمات التي ذابت خجلاً في حضرتك سيدي الأستاذ عبدالرؤوف السيد فلك العتبى حتى ترضى، أو، حتي أجد مفردات أو كلمات وربما لوحة، لُتعّبر عن سعادتي بتلك الوترية العملاقة.
آية عبدالحي أحمد
فنانة تشكيلية

.
إقرأ المزيد Entry>>

الاثنين، 30 نوفمبر 2009

أطروحة دكتوراه تتناول شعر الرفض والتمرّد
وتوازن بين أمل دنقل و عبدالرؤوف بابكر السيّد






في صباح الأربعاء الموافق 8. 4. 2009، وبمدرج المرحوم الأستاذ عبدالله محمد الهوبي بجامعة الفاتح القاطع (أ) وبعد إجراء المناقشة العلنيّة والتداول أصدرت اللجنة بإجماع الآراء قرارها بمنح الطالبة هدى رجب محمّد إبراهيم درجة الإجازة الدقيقة الدكتوراه في اللغة العربيّة " الدراسات الأدبيّة" على أطروحتها الموسومة ب :
فاعليّة شعر الرفض والتمرّد
أمل دنقل - عبد الرؤوف بابكر السيّد
دراسة نقديّة موازنة في ضوء منهج التحليل الفاعلي
أشرف على هذه الأطروحة د. ساسي سعيد رمضان واشترك في مناقشتها كل من:
أ.د. علي عبد المطلب الهوني د. عمرو أحمد عيسى د. مصطفى محمد أبو شعالة
وقد جاء في مقدّمة الأطروحة ما يلي:
لقد كانت علاقة الشاعر بالسلطة في تراثنا العربي في الغالب علاقة التابع بالمتبوع، علاقة قمعية مشدودة بفعل انجذاب تلك السلطات المسيطرة، مثل سلطة البنية السياسية، وسلطة البنية الاجتماعية، وسلطة البنية الدينية، وسلطة البنية الثقافية، إلى تاريخ القمع التليد.
لذا فإن مطلب الأدباء في الحرية ليس حاضراً في أدراج تلك البنى المسيطرة القامعة، إن هي شاءت منحته لهم، وإن هي شاءت حجبته عنهم، مكتوون بنار القهر والاستلاب والقمع، فما من سبيل إلا السير في طريق الرفض والتمرد وتحمل كافة تبعاته ومسؤولياته، إما مفطورين أو موجهين إليه توجيهاً، مدفوعين دفعاً بقوة تلك السلطات ، مشكلين بشعرهم حجر عثرة في طريقها.
حيث لا يهدف ذلك الشعر الرافض والمتمرد إلى توفيق أوضاع الشاعر مع البنى المسيطرة في المجتمع وعمل مصالحة معها، بل يهدف إلى تحريض الإنسان ضد مظاهر النقص وأساليب القمع ووسائل القهر، إنه يشعل شرارة الحرية داخل النفوس المقموعة؛ لتشهد هول الكارثة التي تعشعش فيها لتتمرد على ذاتها، قبل أن تتمرد على غيرها، كل هذا سنشهده، من خلال شاعرين عرفا برفضهما وتمردهما ونضالهما، وهما الشاعر المصري أمل دنقل والشاعر السوداني عبدالرؤوف بابكر السيد .





ومن الأسباب التي دعتني إلى اختيار هذه الدراسة دون غيرها ما يلي :
. 1) الاحتياج الكبير إلى دراسة الأدب المعاصر بشكل عام، وخاصة ذلك الأدب الذي يعالج قضايانا المعيشة من صراعات، وانهزامات، وتردِ في كافة الأوضاع التي تمر بها الأمة العربية، وخروجاً عن الدور الرسمي الذي عهدناه في كتبنا المدرسة التلقينية، أو الكتب المرجعية، التي انكفأت على دراسة أغراض الشعر المعتادة، والتي كادت أن تصرف الباحثين عن دراسة المعاصرة .
2) عدم وجود دراسة مستقلة لأغراض الرفض والتمرد في كل توجهاته، سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الثقافية، ماعدا بعض الدراسات التي تطرقت لذلك الموضوع، ولكن مع اختلاف في المنهجية، والنماذج المختارة للدراسة.
3) ضرورة إثارة مثل هذه القضايا، والتي تبرز فيها إمكانات الشعراء وأساليبهم الفنية المراوغة، للتحايل على الرقابة، وتسريب أفكار ومواقف ثورية رافضة ومتمردة، أو متعارضة مع السلطات بمختلف أنواعها حيناً، وبين الشريحة المغلقة لرفضها وثورتها دون اتخاذ التقية والاحتماء وراء أسوار منيعة، من فنون البلاغة، والتنقل بين أساليب الإبعاد والإقصاء من ناحية أخرى .
4) محاولة إحياء ذلك الغرض والذي كان يمثله أدب الشطار والصعاليك والعيارين والزط والكدية، والذين عاشوا القمع يوماً، فتولد عنهم إبداع لم يأخذ كفايته من الاهتمام والعناية، لما يمثله أصحابه من مروق ومخالفة للبنى السائدة، التي تستهجنهم، ولا تعترف حتى بإبداعاتهم، بل لا تراه إبداعاً على الإطلاق، ماعدا بعض الكتب التي تناولت الصعاليك مثل كتاب يوسف خليف، وفصول في بعض من الكتب التراثية .
5) وبالرغم من الاهتمام الذي حظي به الشاعر أمل دنقل، إلا أن مكتباتنا العربية على حد علمي تخلو من دراسة مستقلة حول غرض الرفض والتمرد عنده، والذي يعتبر السمة الأساسية الغالبة على شعره، ناهيك عن الدراسات التي ذكر بعضاً منها في سفره، وبعض المجلات العلمية هنا وهناك .
6) عدم وجود دراسة أكاديمية عن الشاعر السوداني عبدالرؤوف بابكر السيد على الإطلاق، حيث تعد هذه الدراسة اللبنة الأساسية، والمصدر الرئيس لكل الدراسات التي ستقام حول شعره فيما بعد، علماً بأن الدراسة سترفق ملحقاً، يتكون من خمسة وثلاثين سؤالاً حوارياً، أجرتها الباحثة مع الشاعر نفسه، وهو ما عمدت الأطروحة على إضافته للمكتبة العربية.
7) توضيح العلاقة الوثيقة التي ترتبط الشاعر الرافض والمتمرد بالواقع المحيط به وعدم انفصاله عنه، فالنص الشعري الصادر عن ذلك الشاعر يحيل إلى مرجعية لها إطارها الدال الراسخ، مما يحدد زاوية قدرة وقوة نظر الشاعر، إلى الوعي بواقعه والحكم على عالمه بغية تطوير ما هو في حاجة لذلك التطوير، ولا يكون ذلك _ من وجهه نظري ـ إلا بمعرفة "الفاعلية ".
و"الفاعلية" أو "التحليل الفاعلي" هو المنهج المتبع في الدراسة و الذي يمثل النشاط الذي يثري الحياة الإنسانية جمعاء.
وأول عمل قمت به قبل أن أشرع في البحث هو الوقوف على الأعمال التي تناولت الشاعرين أمل دنقل، وعبدالرؤوف بالبحث والدراسة حتى أتجاوز التكرار والاجترار، ومن بينها :
1) رسالة دكتوراه بعنوان الحركة النقدية حول تجربة أمل دنقل الشعرية ، حسن سليمان سلمان، في الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا، قسم اللغة العربية، اسم المشرف أ.د. صلاح جرار، المشرف المشارك ،د. سامح الرواندة ، ط 2007ف .
2) دراسة بعنوان البنيات الدالة في شعر أمل دنقل ، عبدالسلام الميساوي ، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، ط 1994ف .
3) شعر أمل دنقل، دراسة أسلوبية، فتحي أبو مراد، سنة 2002ف.
4) ورقة بحثية بعنوان ( شعراء الرفض) ، د. لويس عوض ، سفر أمل دنقل، لعبلة الرويني ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1999ف .
5) ودارستان للدكتور مصطفى الضبع ، الأستاذ المساعد ورئيس قسم البلاغة والنقد والأدب المقارن كلية دار العلوم بمصر ، بعنوان :
أ‌) تقنيات الواقع في شعر أمل دنقل ،دراسة نقدية ، القاهرة ط1999ف .
ب‌) آليات الرفض في القصيدة الحديثة ، المؤتمر العلمي الخامس، كلية دار العلوم، الفيوم، أكتوبر 2002، ومنشورة بمجلة أفق عدد 42 ،43 ، فبراير ، مارس 2004ف ،
أما عبدالرؤوف بابكر السيد فكل ما عثرت عليه عبارة عن دراسات لبعض من قصائده، بعضها منشور في مجلات أدبية وعلمية والبعض الآخر مخطوط ، من بينها:
1) بين يدي الشعر ، عمر رمضان ،سنة 2007ف مخطوط.
2) بحثاً عن معلقة، بحثاً عن عكاظ،حسن الأشلم، مجلة تعالوا ، جامعة التحدي ، العدد الأول ، سنة 2008ف .
3)الرؤية والتشكيل الفني قراءة في قصيدة" وترية الهاجس والحرف "للشاعر عبد الرؤوف با بكر السيد د . حماد حسن أبو شاويش، جامعة الأقصى، غزّة فلسطين.
4) وتريّة الهاجس والحرف..عبدالرؤوف بابكر السيّد .. سيرة للوطن والذات.. للدكتور سعد التميمي، جامعة إب.

ومن حيث المنهج المتّبع في الدراسة فإنّ مرتكزات نظرية الأدب التي اقترحها(صاحب التحليل الفاعلي) تتلخّص في :
1) الرؤية الفلسفية.
2) الهوية الإبداعية للنص الأدبي.
3) الهوية الإبداعية للمؤلف .
4) الهوية الإبداعية للقارئ
.
وجاءت الدراسة مقسمة إلى أربعة فصول. كل فصل بثلاثة مباحث ماعدا الفصل الثالث بأربعة مباحث، وتمهيد للبحث كالآتي :
1) التمهيد، عن مصطلحي الرفض والتمرد لغة واصطلاحاً، ومن ثم عرضت لمنهج التحليل الفاعلي، كما عرضه صاحبه الشيخ محمد الشيخ، كونه لم يغفل عن أحد أطراف العمل الأدبي، سواء أكان منتجاً أم نصاً أم قارئاً ، والتطرق للدراسة الأهم وهي التي أسهمت بفتح نافذة في كيفية مقاربة النصوص الشعرية وهي" النص الأدبي الاستلاب والفاعلية " لعبدالرؤوف بابكر السيد" لما فيها من إضافة يحتذي بها كل باحث يعتمد منهج التحليل الفاعلي، ومقاربة النص الشعري على وجه التحديد .
2) الفصل الأول : أدبيات بنى الوعي :
المبحث الأول : أدبيات البنية التناسلية . وفيه تم الحديث عن هذه البنية المغلقة وقصورها، وأنها مازالت مسيطرة ومستدمجة غالبية أفراد المجتمع العربي، وإصرارها على إعادة إنتاج نفسها، وذلك بتوظيف أفرادها وتطويقهم بآليات تقمع وتدمر كل مارق عنها.
المبحث الثاني : أدبيات بنية الوعي البرجوازي، تناولت على أثر المبحث السابق البنية البرجوازية كما عرفها الشيخ محمد الشيخ، كونها قاصرة وأصبحت مسيطرة نوعاً ما، مشكّلة صراعاً أبدياً مع البنية التناسلية من أجل فرض نفسها، وحماية أفرادها كي لا تفقد وجودها، مستحضرةً بعضاً من أدبياتها التي تدافع بها، وترد على من يخاطبها ويحاول إجهاضها ودحرها.
المبحث الثالث :أدبيات بنية الوعي الخلاق، تم الإشارة في هذا المبحث، إلى علاقة المبدع والعبقري والشاعر بمجتمعاتهم، والصراعات المحتدمة بينهم، والتي تنم عن احتياز هؤلاء المبدعين لبنية وعي مخالفة لبنية مجتمعاتهم، والتي بها يحاولون أن ينفلتوا، ويختلفوا قدر الإمكان بغية تعديل الواقع وتحسينه، رافدة ذلك ببعض الأدبيات التي تم انتقاؤها بشكل عشوائي، لإثبات أن هذه البنية لم تنشأ حديثاً وإنما هي متجذرة في صلب البشرية، من أجل الارتقاء بمستوى كل ما هو بشري إلى الإنساني، وهي الغاية والمطلب.
3) الفصل الثاني : فاعلية كلا الشاعرين .
المبحث الأول : التحدي والمجابهة: يتم التعرف على شاعرينا اللذين اختارتهما الدراسة وعرض بعض من نتاجهما القولي والذي يمثل غرض الرفض والتمرد، بل يعتبر السمة الغالبة على شعريهما، علماً بأننا لم نتطرق لسيرتيهما الذاتية بغية السرد والتوثيق؛ وإنما تطرقنا للتحديات التي جابهاها، فنتج ما هو بين أيدينا، وما استحق أن يكون موضوعاً للدراسة .
المبحث الثاني : فاعلية النص : وبما أن منهج التحليل الفاعلي اهتم بأطراف العمل الثلاث مبدعاً ونصاً وقارئاً، فإن هذا المبحث يهتم بنصوص شاعرينا الرافضة والمتمردة، دون النظر لأجواء النص وأسبابه. ففاعلية النص من العناصر الأساسية لفاعلية المبدع، فإذا لم يكن لنصه فاعلية مؤثرة في المتلقي بحيث يكون مؤثراً ومغيراً ومعبراً وفاعلا، حينها يفقد النص مذاقه وسر نجاحه، ومن ثم الاستمرار من عدمه .
المبحث الثالث : فاعلية المتلقي، وفي هذا المبحث يتم التطرق إلى متلقي النص، ومقدار تأثره به حسب بنيته التي يحتازها، تناسلية كانت، أو برجوازية، أو الخلاقة، وبما أن النص ملكاً للمتلقي، كما النهر هو ملك للمصب وليس للمنبع، فإن العبء يقع على كاهله، من أجل تصدير فاعلية بعينها، ربما تخالف بنية مبدع النص وقصديته وربما تتفق، وقد تم عرض بعض قراءات تمت على شعر كلٍ من شاعرينا أمل وعبدالرؤوف، وتلخيص وجهات النظر فيه، وإبراز فاعلية متلقي نصوصهما بكل حياد .
4) الفصل الثالث : الأنماط التعبيرية .
فقد كان هو بيت القصيد، حيث قسمته إلى أربعة مباحث كما يلي:
المبحث الأول : الأنماط السياسية، وفيها تم التطرق إلى كلمة السلطة وسلطة الكلمة، من خلال أبيات لأمل وعبدالرؤوف في محاولاتهما المستمرة من أجل خلخلة البنية التي هما بصدد مواجهتها، منوهين إلى الأسلوب الذي اتبعه كل منهما في تعبيره عن رفضه وتمرده مع ذكر أوجه الاتفاق والاختلاف .
المبحث الثاني : الأنماط الاجتماعية، من خلال النماذج المختارة، تطرقت الدراسة إلى العصبية المسيطرة على المجتمعات العربية وسيادة العادات والتقاليد والسنن غير الصالحة بغية قمع الأفراد ورضوخهم، من أجل مصالح بعينها أو شريحة بعينها، غارقة في دياجير الظلم والتقوقع في ثنايا الماضي بكل تناقضاته مع الزمن الحاضر، بحثاً عن زمن مضى، ولحظات كرامة يفتقدها الحاضر، وعن هوية غائمة، أو اللجوء للآخر، دفعاً لوطأة الهزيمة، وسعياً لمعرفة سبب تفوق الآخر وانكساره، ظناً أن غياب تلك المعرفة كانت سبباً في الهزيمة .
المبحث الثالث : الأنماط الدينية ، تمت الإشارة في هذا المبحث إلى بعض من القراءات النقدية المعاصرة لمجمل الخطاب الديني، والخلط الواقع بين النصوص الدينية والفكر الديني، من فهم النصوص وتأويلها وبين النصوص ذاتها، مما نتج عنه الشيع والمذاهب والتيارات السلفية والتي في حالة مد وجزر لا يتوقف، ولن يتوقف مادمنا نحتكم لحرفية نصوص هي ذاتها تأمرنا بالتعقل والتدبر والتفكر، رافدة كل ذلك ببعض من النماذج الشعرية لكلٍ من شاعرينا .
المبحث الرابع : الأنماط الثقافية، وهو عصارة كل ما سبق ذكره وتلخيص مجّمع في نسيج واحد، ولكن يختلف من مجتمع إلى آخر كل حسب مدخلاته، وظروفه السياسية، والاجتماعية، والدينية بما يخدم مصالح البنية السائدة في تلك المجتمعات، وبما يشكل لها طابعاً مخالفاً يميزها عن غيرها، مع التمثيل .
5) الفصل الرابع الأنماط الفنية :
فلقد كان للأنماط الفنية وتنقسم إلى ثلاثة مباحث كما يلي :
المبحث الأول : بنية اللغة ، تم التطرق في هذا المبحث إلى لغة كلا الشاعرين، وكيف أنهما اعتصرا كل إمكاناتهما واستثمراها وجعلاها تتجاوز حدود مناطقها التعبيرية، من أن تحيط بكل أعماق التجربة الشعورية وأبعادها الخفية، من استعمال المفردة وما تشكل منها من أفعال متزامنة، ودلالة الزمن فيها، وإخراج الشيء من نقيضه إلى غير ذلك من فنيات اللغة وسحرها .
المبحث الثاني : بنية الصورة، تم إظهار إمكانات الشاعرين في استعمالهما كل ما يجمِّل الصورة ويحسنِّها من روعة الخيال وخصوبته مستخدمين فنون الإيماء والغموض والإيحاء، والظهور، فتحمل المتلقي إلى عالم يشبه الأحلام فيؤثر فيه ويحقق ما يصبوا له من خلال تلك الصور إن نجح في إيصالها، حسب بنية المتلقي .
المبحث الثالث : بنية الإيقاع، تم التفريق بين الإيقاع المعروف كمقياس من أهم المقاييس الفنية للإبداع الشعري، وبين كونه عملية جوهرية وضرورية لمجموعة اعتبارات كتأكيد قوي لمعنى الكلمات، وضغط على الانفعال والأفكار، لذا فسنترك الإيقاع الخارجي " الموسيقي التركيبية "، ونتعامل مع الإيقاع الداخلي " الموسيقي التعبيرية "، لكلا الشاعرين ونفصِّل القول من حيث : إيقاع اللغة _ إيقاع العصر _ إيقاع الرفض والتمرد .
ومن أهم المصادر التي استخدمها الباحث في الدراسة:
1) أمل دنقل ، الأعمال الشعرية الكاملة _ دار العودة _ بيروت _ مكتبة مدبولي _ القاهرة _ ط2 1985ف .
2) عبدالرؤوف بابكر السيد _ديوان الحروف _مطبوعات مجلة المؤتمر _ ط1 _2007ف.
3) عبدالرؤوف بابكر السيد _ النص الأدبي الاستلاب والفاعلية _ منشورات جامعة التحدي ليبيا_ ط1 سنة 2008ف .
4) الشيخ محمد الشيخ _ الإنسان والتحليل الفاعلي _ تحليل الشخصية السودانية من خلال _"موسم الهجرة إلى الشمال و" عرس الزين " دار الوعد _ الخرطوم _ سنة1989 ف .
5) عبدالعزيز قباني _ العصبية بنية المجتمع العربي_ منشورات دار الأفاق الجديدة _ بيروت ط1 _1997 ف.
6) عبلة الرويني سفر أمل دنقل _ الحياة المصرية العامة للكتاب 1999ف .
7) عبلة الرويني الجنوبي _ دار سعاد الصباح _ ط1 _ 1992ف .

أما الصعوبات التي واجهت الدراسة إضافة إلى أسباب اختيارها والتي سبق ذكرها فتمثلت فيما يلي :
1) غياب دراسات أكاديمية حول شعر عبدالرؤوف بابكر السيد، الأمر الذي أدى إلى التركيز على الشاعر نفسه والاعتماد الكلي على الذات في تحليل نصوصه.
2) غياب دراسات تناولت شعر الرفض والتمرد كغرض شعري غالب على نصوص أغلب شعراء العصر، ناهيك عما وجدته هنا وهناك من المقتطفات التي لا ترضي نهم الباحث في أدب الثورة والمقاومة .
وقد تم إرفاق ملحق يتضمن الحوار الذي أجرته الباحثة مع الشاعر عبدالرؤوف بابكر السيد.
وأنا بهذا الجهد لا أدعي الكمال والتمام، فإنتاج شاعرينا أمل وعبدالرؤوف ما يزال في حاجة إلى المزيد من الدراسة العميقة، التي تميط اللثام عن مساهمات هذين الرائدين في إثراء الأدب المعاصر، ودورهما الكبير الذي لعباه في قراءة الواقع.

كما جاءت خاتمة الدراسة كما يلي:
حين يصبح الشاعر قادراً على أن يقول الكلام الذي ليس من الكلمات، فليس لأنه مولع بابتكار لغة بيانية زخرفيه يتباهى بتثويرها وتفجيرها، ولكن هذه اللغة المبتكرة سيرافقها طرائق تفكير مبتكرة من شأنها أن تنقل الإنسان من مستهلك للكلام إلى منتج للفعل، أي إلى منتج للكلام الفاعل الذي يفضى إلى التغيير والتثوير.
فلغتنا السائدة هي لغة الأوضاع السائدة ، وهذه الأوضاع مختلفة، على جميع المستويات، لهذا كانت لغتنا متخلفة على جميع المستويات " إنها لغة بيانية ، صنعية ، زخرفيه ، والمجتمع هنا يستهلك اللفظة ، كمتعة فردية ، أي كما يستهلك السلعة، هكذا فقدت اللغة حيوية الإبداع وحرارة الحياة ،... إنها تمجد لحظة الكلام ، لا لحظة العمل ، لحظة الاستهلاك ، لا لحظة الإنتاج "( ).
من هنا ، ومن هذه اللغة تولد " اللغة الوحشية " ( ) ، يولد التمرد ، اللغة البدائية الطازجة التي لم تستأنس بعد، وعلى جناح هذه اللغة يمكن للشاعر أن يحلق إلى آفاق الحرية :
" لا تكتبُ أرض الحريّة إلا لَُغَةُ وحشية " ( ).
وانحياز الشاعر المعاصر لهذه اللغة يعنى أنه يعلن ترك اللغة الضد والتي تشمل لغة الاستعطاف، والاسترقاق والاسترحام، لغة البكاء على الأطلال والعبرات والنظرات والحسرات التي تستهوي أفئدة الغالبية العظمى من الجماهير ، وتداعب أحاسيسهم البدائية ، وتهدهد آمالهم المحبطة، وتكّرس لحالة السكر التي يغرقون في لججها .
وكما يقمع الإنسان الإنسان، كذلك تقمع الكلمات الكلمات، والشاعر الذي نذر نفسه لتحرير الإنسان من الإنسان يدرك أن هذا التحرر لا يصل إلي غايته إلا بتحرير الكلمات من الكلمات، والتخلص من الثقافة السلطوية أو التسلطية، بدعوات مستمرة إلى التأمل ملياً في طبيعة هذه الثقافة التي لا تعرف لغة الاختلاف أو لغة الحوار، والوقوف في وجه من يقيمون أنفسهم أوصياء على الفكر، والسياسة والأدب، والفن، والدين، مستخدمين آليات القمع الجسدي والنفسي لمواجهة من يختلفون عنهم، ولا يرون رأيهم، الذي يعتبر الصانع للحاضر، والذي ما هو إلا صورة مستنسخة من الماضي، بكل سلبياته ومخلفاته ولا ننكر بعضا من الإيجابيات التي كانت صالحة فيما مضى .
ووفقاً لهذه الرؤية التي توصلت إليها الدراسة ثمة نتائج نلخصها فيما يلي :
أولاً : من حيث الفاعلية:
أ‌) فاعلية المبدع حسب البنية التي يحتازها وفي دراستنا ، فإن كلا الشاعرين قد احتازا بنية وعي خلاق أولهما وهو أمل، من خلال الظروف الحياتية التي تصدى لها بفاعلية، والتحديات التي جابهته فطوعها إيجاباً من خلال إبداعه، وثانيها وهو عبدالرؤوف فمن خلال علمه وقراءاته وتساؤلاته المستمرة حول السائد، وعن الضعف فيه ، إضافة إلى قراءته الثاقبة لكل ما يحيط به، والأحداث التي مرت بها بلاده وأمته العربية فاختار أن يكون مسحراتي في الظهيرة، بأسلوب وخطاب لا ترفضه البنية السائدة رغم الأسئلة التي يطرحها، مخاطباً العقل متحدياً البنية أن تجيب عليها، ومن خلال مهنته التربوية التي احتازها، وصوته الإعلامي الذي وظفه وأخيراً إبداعه الشعري .
ب‌) إن فاعلية النص تجلب من خلال التجاوب وتصدير الفاعلية للقارئ، ورسم الواقع التخيلي عبر اللغة، وشحنة الأفكار ومساءلة البنى القاصرة والدعوة لاحتياز بنية وعي مفتوح خلاق، إضافة إلى الدعوة إلى المحبة والتعامل مع الآخر والدخول لرحاب الإنسانية .
ج‌) إن فاعلية القارئ، ليست هي إلا قراءته وفق بنيته التي يحتازها، ويوظف النص لصالحها وقد تجلى ذلك من خلال عدد من القراءات لنصوص كلا الشاعرين والتي قدمنا لها عرضاً في متن الأطروحة .
ثانياً : من حيث التمرد:
أ‌) إن خطاب الرفض والتمرد يتسم بعدة خصائص تتمثل في المباشرة حيناً، وفي الرمز والتعمية حيناً أي أنه يخاطب البنى المختلفة عبر الإبداع اللغوي.
ب‌) إن ظاهرة الرفض والتمرد ليست حديثة ولكنها تشكل في العصر الحديث قوة مفتوحة الفضاءات تستطيع أن تؤثر وأن يبلغ خطابها مداه، رغم التهميش والمواقف المتعسفة التي تمارس من رفض وتمرد على السائد .
ج‌) إن الخروج عن السائد والمألوف رغم إيجابيته، إلا أنه في كثير من الأحيان تحاصره البنى السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية بشكل عام ، فيظل الرافض المتمرد صعلوكاً مغترباً في وطنه، لكنه يصر على مشروعه ورؤيته مهما كلفه ذلك من معاناة، فهو مقتنع بأن هذا هو دوره في هذه الحياة (الحب والإبداع، والعطاء الشامل) مهما وقفت البنى السائدة في وجهه، وحاولت تحجيم دوره، وخلق نجوميات السلطة عبر إعلامها الرسمي .
ثالثا ً : من حيث الموازنة:
توصلت الدراسة إلى أن كلا الشاعرين أمل وعبدالرؤوف قد اشتركا في بعض السمات والخصائص و اختلفا في بعضها الآخر، وقد عرضنا إلى المشترك منها متمثلاً في :
1) أن كلاهما يحمل أفكاراً وروىً، تتعارض مع أفكار البنية التناسلية والبرجوازية، كرفضهما للتراث والتقاليد والأعراف السلبية، والدعوة الملحة للمعاصرة ، والحرية والصدق ومعاني الحب والخير والعطاء .
2) كلاهما دعا البنية السائدة إلى مواجهة الصعوبات والتحديات والصراعات والنزاعات التي تواجه الإنسانية اليوم، مما يعرقل مسيرة العطاء والإبداع ، من أجل تهيئة حياة كريمة للإنسان .
3) كلاهما رفض وتمرّد واستطاع أن يؤثر بشكل واضح، وجاد لتغيير الواقع السائد، وذلك بخلق واقع بديل، فكان بمثابة المسحراتي في الظهيرة .
4) كلاهما تعرض للقمع والحرمان من البنية وعانى في سبيل قول ما يجب أن يقال، لا ما يجب أن يسمع ويعمم .
5) كلاهما كان متديناً في صباه، وعندما تقدمت بهما السن استطاعا أن ينتهجا أسلوباً مغايراً عما تلقياه في صباهما من تلقين وتعليم، وذلك بطرح التساؤلات ليس بهدف إنكار الله ولكن مخاطبته ومناقشته والبحث دائماً عن الإجابة لأسئلة صعبة لم يجداها أثنا قصور وعييها.
أما المختلف منها فقد تجسد في الوسيلة والنهج والأسلوب بالدرجة الأولى ويأتي في الدرجة الثانية :
1) أن أمل استعراضي يبحث عن لفت الأنظار إليه دائماً "( )، على عكس عبدالرؤوف فهو لا يميل إلى لفت الأنظار إلى شكله وهندامه بقدر ما يهوى أن يكوّن رصيداً إنسانياً وأدبياً .
2) أمل " يخاصم أصدقاءه إذا دخل عليهم فلم يتهللوا واقفين جمعياً في فرحة بلقائه، يقتحم الآخرين اقتحاماً، ويبادرهم بالسؤال المباغت في أشد مناطق خصوصياتهم، كأن الحياء لم يمر ببابه ، .... ، انفعالي حاد يتشاجر في لحظات الغضب الأكبر بالأيدي والكراسي والسباب، يهوى المشاحنات الكلامية، والمداعبات الحادة في جرأة مستفزة "( ).
أما عبدالرؤوف، فهو متزن وهادئ لا يكاد يسمع صوته وهو يتحدث، ولكن عند صعوده منصة الشعر ليلقي بدرره على المسامع التي تأبى أن تنصت ، تنقشع الشخصية التي تختبئ وراء ذلك الجسد النحيل ، بصوت رخيم أبرق وأرعد ، يضحى " شيخاً أخذته نشوة الجذب في الحضرة ، فارساً يمتطي صهوة فرسه الجموح "( ).
3) أمل تمسك وبقى في موطنه يعاند التهميش والإقصاء، أما عبدالرؤوف فلقد لجأ إلى الغربة بعد أن ضاق ذرعاً بما لقيه من قمع وتـنكيل.
ونهاية القول فإني آمل من الله تعالى أن أكون قد ساهمت بهذا الجهد المتواضع في تحقيق بعض من الأهداف التي جاهد في سبيلها شعراء الرفض والتمرد، ومن بينها التنبيه إلى مخاطر الادعاء بامتلاك الحقيقة، والعنصرية والتطرق في كل النواحي، كالماضوية والسطحية والاتكالية المفرطة على المغيبات والتفاخر بالأنساب والبكاء على الأطلال ، وكل ما يتنافي مع ما تنادي به الرسائل السماوية والدعوة المستمرة للحب ولعطاء الشامل، وإني لأسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعل هذا العمل مفيداً لقرائه في كل البنيات التناسلية والبرجوازية والخلاقة .





.





إقرأ المزيد Entry>>

الجمعة، 27 نوفمبر 2009

قراءة في بحر العقل
دراسة فكريّة لنص الشاعر
عبدالرؤوف بابكر السيّد(نصوغ حياتنا وكما نريد)
مصباح الغنّاي سالم – جامعة سبها – ليبيا


مقدّمة وإشارة:
يوجد مفهوم يتفق عليه البعض، وهو أنّ فهم الحقيقة يعني المستحيل، بمعنى أنّ الحقيقة شيء مختلف عن الواقع. ويقول الفيلسوف نيتشة في هذا المجال:"الحقيقة خفاء" . ولكن إذا كانت الحقيقة خفاء، وفهمها استحال على البشر، كيف الطريق إليها، ومن هذا المنطلق جاءت هذه القراءة لفهم نصّ أدبيّ في مفرداته، فكريّ في معانيه الكامنة، وهذه الدراسة دراسة فكريّة فحسب، وحتى لا يقال أننا دخلنا من النافذة فعنوان النص لا ينتقد أحدا، ولا حتى يتطاول على بحور الشعر العربيّة المعروفة، بل نجد العنوان من أجل وضع بعض النقاط على بعض الحروف، وبذلك فهو "أي النص" يؤمن باللغة عاملا مهمّا لخلق الإبداع، ومن هنا جاءت دراسة الجانب الفكري دون الجانب الأدبي واللغوي، وعبر هذا الكم يكون الكيف عنوانا محدّدا ألا وهو "قراءة في بحر العقل". وهو بالتأكيد ليس بحرا جديدا، بل الدخول فيه بطريقة قراءة آليات النص، وذلك عبر مستويات خمسة هي:


.
(1) المستوى الإشكالي.. (2) المستوى الدلالي.. (3) المستوى التأويلي..(4) المستوى التناصّى.. (5) المستوى النقدي..
وعبر كل مستوى نسعى لتوضيح مقصديّة النص بمعنى غاية النص، ولعلّ فهم مقصديّة الكاتب"عبدالرؤوف بابكر السيّد" هي الأهم.
فالمستوى الأوّل يدرس الأسئلة المطروحة، وهي تمثّل أسئلة الأفكار.أمّا المستوى الثاني فيمثّل المفاهيم المطروحة، وبالنسبة للمستوى الثالث فهو توضيح معاني النص الحقيقيّة، والمستوى الرابع هو النظر لثقافة النص عبر نظريّة التعالق، أمّا الخامس والأخير فهو كشف النص وفقا لنظريّة النقد..
وكما يقول المفكّر بول ريكور عن "النص وصاحب النص":(إنّ النص ملك للقارئ بمجرّد وصول عينه إليه). إنها المنهجيّة العقلانيّة التي تدرس عقل النص
أوّلا: المستوى الإشكالي:
الذات حرف لا يغيب، رغم النوازل والخطوب؟
هم يملكون دون غيرهم الحرف والعقل الكبير؟
هم يملكون الحقّ في التفسير والتأويل؟
هاجرت عن دارنا كلّ الكفاءات الصفات؟
هم ضيّعوا باسم السلام ديارنا؟
هم شوّهوا باسم السياسة ذاتنا؟
تلد النساء الموت! فأين هي الحياة؟
من يرتدى الخوف جلبابا؟
من يحتمل جلاّده؟
يا ترانا قد نصبنا لهذا العجز مشجبا؟
يا وطني قل لماذا؟
والأسئلة الآنفة الذكر تسبقها بعض الأدوات اللغويّة المنتشرة في النص مثل: كيف؟ ولماذا؟ وأين؟.. وإذا أردنا معرفة خفايا هذه الأسئلة علينا فهم المصطلحات الرئيسية للنص.
ويطرح صاحب النص أسئلة كبيرة وكأنه يؤسّس لنظريّة جديدة في عالم الفكر من خلال ما يلي:
لماذا التاريخ أعمى؟
كيف أضحى الفكر بلا حجب؟
فكيف لنا أن نقرأ أبعاد التكوين؟
لماذا أضحى الفكر للجموع بلا حجب؟
كيف لم يتّسع هذا الكون للحب؟
لماذا الخلق والإبداع لا يأتي؟
كيف أضحى القلب مشنقة الحروف؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة نختتم كما أقفل صاحب النص نصّه وذلك بإجابة.. إذن الإجابة بإجابة وليس السؤال بسؤال" ولكناّ نصوغ حياتنا وكما نريد" – نحن نريد حياة كريمة..
وهنا نلاحظ جملة من المفارقات العجيبة تدلّ على أهميّة السؤال، وهذا ممّا يجعل النص أكثر ثراء بالمواقف الفكريّة، وأهم هذه المفارقات:
1- ياترى أيّ ربّ صادر الحرف من الإنسان والفنّان والمطرب!
2- ربّنا الله وتلك الآلهة من صخور تنتصب !
3- حين أضحى القلب مشنقة الحروف!
4- تلد النساء الموت !
5- الله لو يرضى لنا هذا التخلّف والتناحر والخصام لثبّت العينين خلف الرأس، لكنه يعني التقدّم للأمام.
6- العشق أضحى المشنقة!
هذه المفارقات تعدّ نصّا بحدّ ذاتها، ولكن لأنّ النصّ كلّه أسئلة ومفارقات، وضعنا هذه الأخيرة ضمن الإشكاليّات، أمّا الشرح الخاصّ بها فسيكون ضمن المستوى التأويلي.

ثانيا: المستوى الدلائلي:
(1) الذات: الذات في اللغة "ذا" اسم إشارة يدلّ على القريب، ويستخدم أهل النيل"السودان – مصر" هذا الاصطلاح أكثر من غيرهم. أمّا "ت" فهي حرف النفس أو على هو هو تماما مثل قولنا:"هو ذاته" والهاء عائدة على "ذات". والذات في اللغة هي النفس، وهي الشيء نفسه، وهي الشخصيّة، وهي اسم الذات، وتأتي الهويّة في مواجهة الآخر، والآخر هنا هو بقيّة الثقافات، ويقابله اسم المعنى، وللذات أسماء عدّة:
- ذات الصدر/ الفكر
- ذات الصدر/ سريرة الإنسان "نفسه"
- ذات الجنب / إلتهاب في غلاف الرئة
- ذات اليد / ما تملكه
- ذات الشفة / الكلمة
والذات في المصطلح تعني كما يقول صاحب التعريفات:"الذات يطلق على الجسم وغيره
والشخص لا يطلق إلاّ على الجسم" ومعنى ذلك أنّ الذات في اللغة هي ما في المصطلح
فلا فرق بينهما في المعنى. وللذات معان منها:
1- الذات ما يقوم بنفسه.
2- الذات الموضوع ويقابله المحمول.
3- الذات هي الماهيّة.
4- الذات في المنطق مجموعة من المقوّمات تحدّد مفهوم الشيء
5- هناك نوعان من الذوات هما الفرديّة مثل محمد، وعلي، وتدرك من خلال الحس، أما الأخرى فهي النوعيّة مثل الإنسان والجبال وهي تدرك بالعقل.
(2) الحرف: والحرف في المصطلح يعني الكلمة وكذلك اللهجة، وفي لغة الضاد يعني ما هو ليس بفعل أو اسم، يكون الحرف مثل الكاف"ك" الواو"و" و"من" الخ..
(3) الحبّ: يحبّ :حُبّا وحَبّا (أ) ودّه (ب) رغب فيه (ج) أراده.. الحبّ نقيض البغض، وهو الوداد والمحبّة، والميل إلى الشيء السار، والغرض منه إرضاء الحاجات الماديّة أو الروحيّة، وهو مترتّب على تخيّل كمال في الشيء السار أو النافع يفضي انجذاب الإرادة إليه، كمحبّة العاشق لمعشوقه والوالد لولده، والصديق لصديقه. وللحبّ درجات مختلفة أولاها الموافقة وأقصاها العشق. وإذا دلّ الحبّ على معنى مضاد للأنانيّة، كان الغرض منه: إمّا جلب المنفعة للغير كمحبّة الكريم للبائس، الأستاذ للتلميذ.. وإمّ إنكار الذات والتجرّد من المنفعة والانجذاب للقيم المثاليّة، كمحبّة العالم للحقيقة، والشاعر للجمال، والحكيم للعدل،وبذلك فالحبّ في الفلسفة المعاصرة إمّا حب الذات للذات ، أو حب عزّة النفس. فالأوّل يعنى الأنانيّة، والثاني يعني الأنفة والكرامة.
(4) الحريّة: الحرّ، أحرار وحرار: (أ) من يملك حقّ التصرّف بحريّة (ب)الطليق. (ج)من الناس خيرهم، (د) من الشيء الخالص الصافي...الخ.. والحريّة في الاصطلاح هي حالة أو وضع شخص ليس واقعا تحت هيمنة آخر، وهي نقيض العبوديّة. والحريّة وردت في النص بعبارات متنوّعة، منها: أحرارا، وفي ألفاظ مستترة أيضا..
(5) الحقّ: حق : (أ) الصواب (ب) العدل. (ج) اليقين (د) الجدير. (هـ)المال (و) الموت (ز) الثابت الذي لا شكّ فيه. والحقّ ماهو مطالب أو ما هو مباح في جماعة اجتماعيّة، أو ما هو متطابق مع قاعدة أخلاقيّة واجتماعيّة. وللحق أشكال ثلاثة: (1) هو مطابقة القول للواقع (2)هو الموجود حقيقة لا توهما (3) هو التصوّر السالم من التناقض"الممكن في العقل". ويعرّف صاحب التعريفات الحقّ: الحقّ في اصطلاح أهل المعاني"هو الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل. وأمّا الصدق فعدّ في الأقوال خاصّة، ويقابله الكذب، وقد يفرّق بينهما بأنّ المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم. فمعنى صدق الحكم مطابقته للواقع،ومعنى حقيّته مطابقة الواقع إيّاه"
(6) الطريق: هو المسلك : (أ) المطروق. (ب) السبيل الواسع يمرّ عليه الناس (ج)مسلك الفرقة من المتصوّفة. والطريق في المصطلح هو الدرب أو السبيل المعروف بالاتساع الذي يمرّ عليه الناس، ولعلّ الكاتب يعني بذكره ضرورة أن يكون الطريق مفتوحا للجميع وواضحا لهم.
(7) الخَلَقَ : يخلق خلقا وخلقه: (أ) الشيء أبدعه على غير مثال سابق (ب) الكذب افتراه واخترعه، في الاصطلاح خلق الله العالم صنعه وأبدعه، ويقال خلق فلان الشيء أبدعه، والخلق هو الإيجاد، والإنسان سيّد الخليقة. وجملة القول أنّ الخلق معنيان:(1) هو إحداث شيء جديد من مواد موجودة سابقا كخلق الأثر الفنّي. (2)الثاني هو الخلق المطلق وهو صفة لله تعالى.
(8) العقل: مصدره عقْل وهو ما يعقِلُ الإنسان عن الخطأ، والعقل جاء القيد أو العقال الذي تربط به الإبل. والعقل هو جوهر مجرّد من المادّة بسيط يدرك حقائق الأشياء الكليّة النظريّة.. وللعقل في فلسفة الإشراقيّين أهميّة بالغة، العقل الفعّال آخر العقول المفارقة، وهو الذي يتصل بعالمنا، ويقوم بعمليّة الفيض أو الخلق، والعقول المفارقة: عقول إلهيّة تفيض من الله. ويقال العقليّ المنسوب للعقل، والعقليّة تعني القائلين بمذهب العقل وحده، وتعني أيضا طريقة تفكير الإنسان، والعقل صفة إنسانيّة يقصد به القيد في الفعل والقول والعمل. والعقل بوجه عام: ما يميّز به الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والعقل السليم الذي قال به ديكارت في مقالة الطريقة، ويقصد بالعقل السليم الاستعداد الفطري لإصابة الحكم، والتمييز بين الحق والباطل، وذهب أرسطو إلى أنّ هناك (1) عقل بالفعل، وهذا فاعل.. (2) عقل بالقوّة، وهذا منفعل، ولا يستغني أحدهما عن الآخر.
(9) سطر: الكتابة – الخط – الكلمات في الكتاب، والسطر مفرد والجمع سطور، أمّا جمع الجمع فهو أساطير، ومنه جاءت الأسطورة، وتحديدا من السُّطُر بمعنى الأقاويل"القول" المنمّقة المزخرفة.
(10) الظلم: صفة شخص أو شيء ظالم، كما يعني كل ما هو ظالم: كراهية حقد.. والظلم يمكن أن يكون قرارا أو حكما أو إجراء مناقضا للعدالة. أما الظالم فهو ما ليس عادلا، ومن يعمل ضد العدالة خاصّة بوعي وإرادة، وبهذا فهو مناقض للعدالة.
(11) الضياع: هو الغربة والاغتراب، ويعرّفه هيغل: بأن يضيّع الإنسان شخصيّته الأولى، ويعرّفه ماركس: بأن يفقد الإنسان حريته وذاته بتأثير اقتصادي ودينيّ واجتماعي. والغربة مرادفة للغيبة، غاب الشيء في الشيء، وهي كذلك مرادفة للاستلاب، غربة النفس استلاب حريّتها.

ثالثا: المستوى التأويلي: يحدّثنا الفيلسوف كارناب وهو كاتب ومفكر معروف، وخصوصا في الدراسات اللغويّة والمنطقيّة قائلا: "الميتافيزيقيا أقرب ما تكون إلى الشعر والأساطير، وإن كان الفارق بين الميتافيزيقي والشاعر أنّ الأوّل منهما لا يريد أن يعترف بأنّ أقواله وليدة الانفعال والعاطفة في حين أنّ الثاني منهما يسلّم بأنّ شعره أداة فنيّة يعبّر بواسطتها عن شعوره بالحياة". "ومعلّم الشعر هو معلّم الحكمة". كما في الأقوال المأثورة في الثقافة الزنجيّة الأفريقيّة.ويقول أحدهم"الشاعر فيلسوف يتخذ البلاغة والفيلسوف شاعر ينشد المنطق والمثل العليا". ولعلّ ولع الشعراء بالجغرافيا والتاريخ والفلسفة وحتى السياسة وعلوم أخرى تجعل قيمة الشعر عظيمة.. وهذا النص لا يخرج عن المألوف من حيث أنه قطعة موسيقيّة أو لوحة تتناغم فيها المعاني والكلمات القويّة والتي تحرّك العقل بشكل يجعل من القارئ يحسّ بها وكأنها مقالة خفيفة الظل، لذلك نفهم أنّ الدلالة المركزيّة هي تأريخ واقعة "حدث" في تاريخ الإنسانيّة، بالإضافة إلى ذلك فالنصّ يحمل وعدا بالتحرّك صوب الأمل وليس الحلم، ونلخص هذا في ثلاثة تقاسيم لهذا النص وهي:
1- المعنى العام للنص"الإنساني"
2- المعنى النفسي للنص"الخلقي".
3- المعنى السياسي للنص"الاجتماعي"
فإذا كانت المسيحيّة تعترف بأنّ الأقانيم الثلاثة هي العلم والإرادة والقدرة فإن هذا النص يحمل هذه التقاسيم الثلاثة.
1- المعنى الإنساني"المعنى العام للنص":
يدرس النص ويحدّد جملة من الموضوعات، وتحمل بدورها عدّة إشكاليات هامّة في عالمنا اليوم وأهمّها: الديمقراطيّة- الحريّة- المعرفة – القوميّة – الهويّة – العولمة – بل الوجود. ولعلّ هذا النص يمثّل كراسة أكاديميّة لمادّة الفلسفة المعاصرة، ولكن وفق واقع ما هو كائن وما يجب أن يكون، وليس فقط ما يجب أن يكون. إنّ المعنى العام وخلاصة هذا المعنى تكمن في أنّ مقصديّة النص تتبع ثقافة صاحبه، ومن هنا نفهم أنّ القصد فيه بالطبع تفريغ شحنة كبيرة من الهزائم، ولا نعني هنا بالطبع التدمير النفسي، بل نقصد سرد صاحب النص لجملة من الخطوب والمشكلات، وقفت حجر عثرة في طريق حضارة الأمّة، ومع ذلك فالكاتب يعرض مجموعة من الشواهد على الرفض القاطع للظلم ، مؤكدا عزيمة الثورة وإرادة الشجعان بأنّ الظلم لابدّ له أن يذهب بعيدا والحق ظاهر لا ريب ، وبذلك نلاحظ العزيمة والتدمير وكليهما عاملين نفسيّين، وكذلك التأثير والتأثّر، وكلاهما عاملان اجتماعيّن، وبهذا نفهم أنّ المعنى العام للنص جاء يناقش الآتي: (أ) الزمان وأثره علينا (ب) المكان وأثره علينا. (ج) العلاقة بين الزمان والمكان وأثر هذه العلاقة علينا. ونختصر هذه المفاهيم بأنّ الزمان جسم هو مكان الأمّة، والمكان يحمل قلبا هو زمان الانحطاط، والعلاقة بينهما ، وآثارها على واقعنا هي علاقة وطيدة، فالزمان كما قال صاحب النص:
يا وطني قل لماذا؟
أيّ هذا المدّ والمدد..
أيّ هذا الحدّ والعدد..
أيّ هذا الجدّ والجلد..
فكلمة" أيّ هذا" دلالة عامّة تشير للزمان، والمكان فيها واو العطف "الحدّ و العدد".. والمكان يوجد بغزارة داخل النص والزمان كذلك لأنه لاانفصال بين الزمان والمكان ودليل ذلك:
تولد في القصيدة
كراسة الطفل الحزين
بها الألوان خارطة الخصام
بها الأيام والأرقام دائرة بلا إشراق
بها التاريخ أعمى..
وهذا كلّه يقودنا نحو مفهوم واحد الانسجام وارتباط الزمان والمكان في النص موضوع الدراسة، ولعلّ عمق بعض الكلمات هو مقصديّة الكاتب، وهنا نفهم بأنّ النص والمعنى العام له يدور في توافق تام بين أزمنة وأمكنة الإبداع، وهذا واضح من خلال الكلمات العقلانيّة، ويبرز النص أهميّة العلاقة الحميميّة للكاتب مع العقل ومعلوم مدى ارتباط العقل"الإنسان" بالظاهرة "الزمكانيّة".
2- المعنى النفسي "الخلقي": وهذه الدلالة تعرف بالدلالة الاكسولوجيا والتي تعتبر من أهمّ سمات وشروط المنهج العلمي وكذلك العمل الإبداعي المتكامل. ونلاحظ هنا أنّ الكاتب يتحدّث في بداية النص عن الذات وكيفيّة الحب الممتد من كتب التراث والعرق واللغة، وكذلك معاناة الإنسان على يد أخيه الإنسان، وتسلّط صاحب القرار والحكم على المقرور فيه، المحكوم، كما يتحدّث الكاتب عن الظلم الذي يعبث بالقيم، والسلوكيّات والتي هي مصدر الإلهام والتقدّم. وخلاصة القول: إنّ صاحب النص وقع في جملة قضايا تتداخل وتتعالق، فمن الذات الخاصّة به إلى ذات الأمّة إلى ذات الإنسانيّة ضد الآخر.. في مراحله الثلاثة، ومن وصفه التاريخ بفقدان البصر وحتى في قوله: خلق الإله الخلق أحرارا.. وسوف نعالج هذه القضايا وفقا للآتي: (أ)مرحلة العرض (ب) مرحلة الانفعال (ج) مرحلة القدرة... فالذات، عرض.. صقيع الليل ،عرض.. لغة العرب.، عرض وغيرها الكثير.. أما ما نقصد به مرحلة الانفعال فمثل تكرار الجمل: سطر يقرأ، سطر يمحى، سطر ينسى.. سطر يكتب للتدجيل .. وكذلك دلالة الدال في قول صاحب النص: (ياوطنى قل لماذا؟، أيّ هذا المدّ والمدد؟، أيّ هذا الحدّ والمدد؟ أي هذا الجدّ والجلد؟.. أمّا ما نقصد به مرحلة القدرة فهي الشعور الكامل داخل سطور النص بأنه يمثل إيمان الكاتب بأفكار العقل الذي هو أساسا مركز الشعور، ومثال ذلك قوله(فرسمت صمتي في الصخور) وكذلك (نحن الإله له عبيد)(ربنا الله، وتلك الآلهة من صخور الأرض) (نصوغ حياتنا وكما نريد).. ونختم هذا السفر بالقول والتأكيد بأنّ المعنى النفسي الأساسي هو الإيمان بالثورة داخل الإنسان، ثورة الأنا ضد الآخر، وثورة المعرفة ضد الجهل، وثورة الفكر ضد الفكرة الواحدة، وثورة العقل ضد التغييب.
والكاتب كما يقال : ثقافة وبراعة وأخر، والأخر يضم النفس ، والنفس تضمّ الثقافة وتحتل الجانب الأوفر في البراعة.
3- المعنى السياسي"الاجتماعي" وندرس هذا المعنى وفقا لبنيات ثلاثة هي: (1)الوجود (2) التفكير (3)نسبيّة أو مطلق الاختيار.
الوجود: يعبر صاحب النص عن ذاته ثمّ ذاته ثم ذاته وذلك وفقا للتكرار الآتي
- الذات حرف لا يغيب - قالوا لنا - والذات حرف لا يغيب
- بالنسبة للجملة الأولى تعبّر عن ذات شخص غالبا، وذلك بدلالة عجز البيت" عشقي الممتد من بكر وتغلب، لم يغب
- أما الجملة الثانية فتعبر عن الذات الثانية وهي الذات الانسانية جمعاء وذلك من خلال قوله(إن الجنان لمن يلوذ بصمته، من يحتمل جلاّده)
- والجملة الثالثة بها ذات الهويّة القومية من خلال قول صاحب النص"نحن الإله له عبيد ، لكننا في هذه الدنيا نصوغ حياتنا وكما نريد"
وتتقاطع هذه الذوات الثلاثة لتشكّل فضاء النص السياسي والاجتماعي، فالأنا هي الذات الأولى، والذات هي الهويّة وهي الإنسانيّة
أما التفكير فيأتي مرحلة بعد مرحلة الوجود ويعدّ ظاهرة وسمة إنسانيّة خالصة، ولذلك فإنّ المجتمعات الإنسانيّة تدير نفسها بواسطة التفكير والذي هو سمة من سمات العقل، وللتفكير ثلاثة أنواع:
- التفكير الفطري "موجود لدى الحيوانات"
- التفكير الغير سليم"التعصّب للرأي الخاص – سوء التقدير"
- التفكير السليم" سلامة التخمين والحياديّة في الرأي"
ويركّز صاحب النص على التفكير السليم وغير السليم، ويهمل التفكير الفطري بقوله(الله لو يرضىلنا ، مثل القطيع يهشّه الراعي ويحصره الطريق، ما خاطب العقل في آياته حتى نفيق) وبذلك نفهم أن الكاتب يحترم التفكير السليم فحسب ويعترف بالتفكير غير السليم ويهمل التفكير الفطري.. ومن احترام التفكير السليم قوله( نصوغ حياتنا وكما نريد) ونريد هنا تعنى الشورى والتي هي الحل الأمثل لتنظيم الحياة.

نسبيّة أو مطلق الاختيار:
النص وصاحب النص لا يفرض نمطا معيّنا للنهج الاجتماعي والتنظيم السياسي، بل الواضح أنّ هذا النص جملة من النظريّات والأفكار والتي بالطبع هي محل إيمان صاحب النص. والجميل في النص أنّ الكاتب لا يدّعي أنه يملك عصا موسى ليغيّر بها معالم الحياة ولكنه يقدّم اعترافا قويّا بعدم جدوى المطلق، وأنّ الأمور والقضايا التي تكون نسبيّة هي الأقرب للعقل، وكذا الصواب.
ونقرأ قول الشاعر: (كلّ البراءة لم تجب عن لماذا لم يتسع للحبّ هذا الكون)
ومعنى ذلك أنّ كل البراءة لم تقدّم إجابة كافية ووافية لمعضلة(لماذا؟) ولماذا في النص تعني= الظلم، الجبروت، ومرادفات هذه المصطلحات وأحيانا تعني المظلوم والخائف والمغضوب عليه .. إلخ..
كما يقدّم الكاتب اعترافا آخر بقوله: (لم يتسع للحبّ هذا الكون) فهل من الممكن أن يكون الحبّ شعار الناس جميعا؟ بالطبع لا . ولماذا؟ لأنّ الأهواء والأذواق تختلف تماما.
وصاحب النص مؤمن بالنسبيّة كما في (فرسمت صمتي في الصخور وكتبت فيها، الخ) فرغم الصمت المرسوم في الصخر والكتابة والقراءة إلا أنّ الكاتب يعترف بأنّ كل ذلك يعتبر لا شيء، أو بأكثر من أنّ قراءة أبعاد الكون، وسفر الوجود الأوّل مقارنة بثقافة صاحب النص التي لا تعني شيئا أمام أبعاد التكوين، ولعلّ ثقافة صاحب النص الفلسفيّة تحديدا تؤكّد على جودة هذا المسلك العقلاني الذي يؤكد في جلّ أبيات القصيدة على أهميّة احترام الذات للآخر وهو ما يعرف باحترام مشاعر الآخرين، وهو ما يعرف بالعقلنة، ومنها عقلنة الاقتصاد والتي تعني إضافة الطابع الإنساني"الظروف" إلى آليّات البورصة والتبادل.
كما يعترف الكاتب بأهميّة وأصالة العقل لخدمة الإنسان، وبذلك نفهم أنّ التأويل مسألة صعبة بل ومفاجئة في النص المدروس.
4- رابعا: المستوى التناصّي:
عندما نقرأ النص لغاية التحليل ، لابدّ لنا أن نستنتج مواضع وسطور التعالق والتقاطع والالتقاء مع الآخر، فيما يعرف بظاهرة التناص. تقول الباحثة الفرنسيّة جوليا كرستيفا في هذا المجال" إن النص الجيّد ما هو إلاّ مجموعة نصوص وجدت قبله" بمعنى أن النص مجموعة قراءات سابقة، ونقول في هذا المجال بأنّ هناك تقاطعا مع نصوص لم تكن في ثقافة صاحب النص وهو ما يعرف بالالتقاء الفكري، ونفهم حسب معرفتنا بأنّ التناص عنوان جديد لنص أو نصوص بإصرار، وحسب منهجيّة هذه القراءة فإننا ندرك بأن (الشعر + النثر= فن الكلام) وهذا الفن يعتبر الأوسع بين الفنون.. نحن هنا ندرس فقط ظاهرة تعالق (=تناص) النص الشعري(= موضوع القراءة) مع النثر، والنثر يضمّ تحت لوائه الكتابة الفكريّة، نلاحظ بأنّ الكاتب وقع في تناص مع رواد في الكتابة الفكريّة نتناول بعضا من مواضع التناص معهم.. حيث يدخل النص كاتبا في تناص واضح مع أفكار القوميين العرب، وجلّ روّاد وكتّاب الفكر الاشتراكي المعاصر، كما يدخل كذلك مع مفكرين معروفين على المستوى الإنساني، ونختار هنا (الله لو يرضى لنا هذا التخلّف والتناحر والخصام، لثبّت العينين خلف الرأس، لكنه يعني التقدّم للأمام)
1- ونقرأ نصّا للمفكر العربي حسن صعب في كتابه تحديث العقل العربي، يقول صعب :"إنّ لكل مسلم حقّ الاجتهاد، بل إن على كل مسلم واجب الاجتهاد، ويعني هذل أنّ على كلّ مسلم أن يرتفع بالمعرفة والعمل الصالح للمستوى الذي يؤهله لأن يبلغ مرتبة الاجتهاد وقد جاء عن الرسول(ص) :"طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة" ويواصل قائلا: " فالاجتهاد هو طريق التشريع في الإسلام، وبذلك نعود بالتشريع إلى أصله الذي أراده الرسول حين أعلن قبل وفاته أنه لانبيّ ولا وحي بعده. فترك الاجتهاد في كتاب الله بعده للإنسان." ويذهب ابن حزم الأندلسي مذهب صاحب النص، بقوله:" والعامي والعالم في ذلك سواء وعلى كل خطه الذي يقدر عليه من الاجتهاد" وهذا يتقاطع مع قول الشاعر(هم وحدهم من يملكون الحرف والعقل الكبير) ثمّ يقول( والحقّ في التفسير والتأويل).
2- يقول ميشيل فوكو:" إن التصوّر الذي يجعل من الملك أو الحاكم راعيا يرعي الغنم ليس من التصورات الشائعة في الفكر اليوناني والروماني، ومع أنه يوجد بعض النصوص المنسوبة لهوميروس، ولكن الحقيقة تؤكد على أنّ هذه النصوص غائبة تماما من الفكر السياسي اليوناني والروماني" ويقارن في هذا الإطار محمد عابد الجابري الفرق بين "السلطة الرعويّة" في الشرق القديم والفكر السياسي عند اليونان، وتتداخل النتائج وتتعالق الآراء بين النص موضوع الدراسة ونص للجابري.
3- في نقده للعقل العربي يقول الجابري:" ومن هنا اعتماد الاعتقاد على الرمز والتشبيه والمماثلة وليس على المبادئ والاستدلال والمحاكمة العقليّة، والأيديولوجيات كالعقائد، تعتمد"البيان" وقلّما تعتمد البرهان". ونلاحظ أن نصّا فوكو والجابري يتقاطعا مع قول صاحب النص( الله لو يرضى لنا مثل القطيع يهشّه الراعي ويحصره الطريق ، ما خاطب العقل في آياته حتى نفيق) ويقول الجابري أيضا في مهام تجديد الفكر العربي: تحوي العقيدة إلى رأي: فبدلا من التفكير المذهبي المتعصّب الذي يدّعي امتلاك الحقيقة يجب فسح المجال لحريّة التفكير، لحريّة المغايرة والاختلاف، وبالتالي التحرّر من سلطة الجماعة المقفلة. أليس ذلك قريب كل القرب من قول صاحب النص:
(هم وحدهم من يملكون الحرف والعقل الكبير
دار الإذاعة والصحف
وخزائن المولى وجنّته
والحقّ في التأويل والتفسير..)
وبذلك نفهم أنّ مستوى التعالق في النص موضوع الدراسة ثري ، ويرجع ذلك ذلك بسبب عاملين حاسمين هما:
(1)ثقافة صاحب النص الواسعة وحصيلته من القراءات.
(2) الالتقاء الفكري وهو يدخل ضمن الاتفاق مع الآخر بما يمثّل الفطرة الإنسانيّة، وكما تقول القاعدة: "نتّفق ولكننا لانعرف بعضنا بعضا"
ولعلّ قول صاحب النص: (لكنّنا في هذه الدنيا ، نصوغ حياتنا وكما نريد) يتقاطع مع الإعلان الأممي حول "العلم والتنمية" " إنّ الموارد الإنسانيّة التي لم يثمر أكثرها بعد هي أمل الإنسان الحقيقي في المستقبل" ويواصل الإعلان قائلا: "إن للإنسانيّة جمعاء الحق حياة أفضل، وذلك بالاعتماد على العمل الإنساني لخلق واقع أفضل ومن أجل حياة كريمة".
ولعلّنا من خلال هذه الخلاصة وضّحنا مفهومنا للتناص.

- خامسا: المستوى النقدي:
كيف لنا أن نطلق تسمية هذا المستوى بالنقدي دون بقيّة مستويات القراءة! فالقراءة أساسا دراسة نقديّة، وعبر سطور النص نقرأ ونفهم ونلاحظ بأن الكاتب ذو ثقافة تاريخيّة بالدرجة الثانية ، بينما في الدرجة الأولى هو مهتمّ بالأدب والفكر والفلسفة معا، ولعلّ بعض القياسات المنطقيّة تؤكد صحّة ما نزعم: فمثلا:
" حاصروا كلّ القبل، كلّ الأمل،
وكلّ موقع فينا اكتمل
وكلّ عشق أوغزل،
وكلّ صدق في عمل
وكلّ حرف يشتعل..
فرسمت صمتي في الصخور.."
ومعنى ذلك بأنّ الحصار قاد الفعل والعمل والكلام إلى الصمت بل الموت، وجملة القول بأنّ الكاتب(صاحب النص) الشاعر ذو ثقافة فلسفيّة جيّدة، بل ويملك فلسفة رفيعة واتضح ذلك من خلال استلهام التراث وخصوصا في قوله:
" وفات وفات، لنعيش الأيّام شتات
وفات وفات، لاتحمل غير الكلمات،
والبيت فيه حمامات
وصقور غرست نزعات،
والجبّة وقعت في البير
والبئر ابتلع شعارات".
وهذ استلهام وتوظيف لأغنية أطفال تقول:" والثعلب فات وفات" فاستغنى الكاتب عن لفظة الثعلب، وهنا يبرز سؤال في أفق النص: من هو الثعلب، والمعنى في هذه المرّة في عقل الشاعر، ولا يمكن التأويل أو حتى الادعاء، لأنه بالمعنى الفكري، وفيما يخص الأبستمولوجيا المعاصرة فهناك قطيعة، وهذه القطيعة غير مبنيّة على ما هو قبل هذه السطور بل الظاهرة الإبداعيّة والقابليّة الفذّة للنص هي المعنى الحقيقي، ولا يمكن فهم النص بغير ذلك إطلاقا. والواضح أننا هنا أمام نص جديد يدشّن لمفهوم جديد، ولذلك فالقطيعة أمر محسوم، ولا ندري ما هو مفهوم القطيعة بالنسبة للمتلقّي إلاّ أنه كما يقول باشلار: "إنّ الزمان كفيل بتوضيح القطيعة" ونحوّل هذا القول إلى: أنّ النص كفيل بتوضيح ذاته لأنه نص فنّي. كما يحتوي على الجانب الفكري"= موضوع الدراسة" وكذلك الجانب الأدبي" ونأمل أن نرى نقّاد العربيّة وأحبّة لغة الضاد يقبلون على دراسة هذا النمط الفريد في ثقافتنا التي تعتمد البلاغة دون المنطق، ولا نقصد المنطق الفلسفي هنا، بل منطق التأمّل والعقل والحياد ، ومن هنا نؤكد مجدّدا على جودة النص، وندعو مجددا المثقفين لقراءة هذا النص قراءة عقل.. لماذا هذه الدعوة؟ لأنّ النصّ في رأينا نصّا جديدا رغم الموضوعات التي تعتبر موضوعات مطروحة من قبل ، فقد جاء في حلّة ولغة محدّدة وخالية من الأهواء، تحمل روح الفكر الإنساني وكذلك ضميره "= العقل"، ولذلك فالدعوة مفتوحة للجميع لوضع وجهات نظرهم حول نصّ فذّ "= نصوغ حياتنا وكما نريد"
وعلى الرغم من جودة هذا النص إلا أن هناك بعض المآخذ عليه بالنسبة لنا أهمّها (1)الرمزيّة في لغة النص (2) طرح فلسفات يناقض بعضها الآخر (3) الشتات الفكري للنص
أولا: الرمزيّة في لغة النص: يستخدم الكاتب بعض العبارات والرموز وهي في نظرنا تعبّر عن نفسيّة محدّدة أوجزء من نفسيّة الكاتب"= المؤلف" وهنا يعجز المتلقي عن فهم واستيعاب النص ، على سبيل المثال قوله:
"تولد في القصيدة، كراسة الطفل الحزين
بها الألوان خارطة الخصام، بها الأيام والأرقام.. " إلى قول صاحب النص : كلّ البراءة لم تجب عن لماذا.. ونأخذ مثالا آخر، قول الكاتب: " فات وفات... ليعيش الأيام شتات.. فات وفات .. لا يحمل غير الكلمات، والبيت فيه حمامات" إلى قول الكاتب " والبئر ابتلع شعارات.
ومن خلال المثالين السابقين، نقرأ ونفهم بأنّ هذه الكلمات موجهة لنخبة معيّنة وهنا يقع النص وليس الكاتب في تناقض حيث يقول: " والفكر أضحى للجموع بلا حجب".
صحيح أنّ الفكر تفهمه القلّة، ولكن استخدام الكاتب لكلمة"=حرف" نحن وضمير"نا"الجماعة، تجعلنا نصف الكاتب من ضمن كتاب ومثقفي الجموع، ولذلك فإنّ هذا النص لو كتب بلغة خالية من الرمز لكان أوضح للمتلقّي، ولكن لصاحب النص عذره في ذلك لأنّ الرمز سمة الإبداع والأدب والفكر يعتمد الرمز بدلا من العرض المباشر ذي طابع الرتابة، إلا أنّ فك الرمز لا يفهمه إلا القلّة"صفوة المثقّفين" وفي اعتقادنا أنّ هذا النص ملك للجميع وذلك لقول صاحبه في خاتمته: (لكننا في هذه الدنيا، نصوغ حياتنا وكما نريد).
2- ثانيا: طرح فلسفات يناقض بعضها البعض الآخر: يحمل النص مباحث الفلسفة الثلاثة وهي(1) الأنطولوجيا "الوجود" (2) الأبستمولوجيا "المعرفة" (3) الأكسولوجيا "القيم – الأخلاق". ومن هنا جاءت أفكار صاحب النص متفقة مع أفكار فلسفيّة شتى، ولذلك نجد أنّ النص إبداعا أدبيّا بالدرجة الأولى وكذلكنثرا فلسفيّا فكريّا أيضا. وعلى الرغم من الفكرة التقليديّة للنص، فإنّ جودته جعلت من نصّا ذو قيمة فكريّة متجدّدة، فعلى سبيل المثال: نقرأ أن الاتفاق هو اشتراك الأفراد في الرأي والأهداف..الخ.. ولكن النص يعرض لمفهوم الاتفاق بصور متعدّدة ومتباينة، وكذلك يعرض لفلسفة الوجود وفقا للآراء المختلفة، وكذا المعرفة، فهو ينقله من مصادر يختلف بعضها عن البعض الآخر، والشيء الأكثر جدلا هو مفهوم النص للأخلاق أحيانا نجده نسبيّة وأخرى مطلقة، وسنعرض للمباحث الثلاثة بشكل مختصر،
يقول محمد إقبال في تجديد الفكر الديني:" ما طبيعة هذا الكون الذي نعيش فيه وما بناؤه العام؟" سؤال عقائدي بالنسبة للأديان، وجوهري بالنسبة للإنسان، ووجودي بالنسبة للفلسفة. ويطرح الكاتب هذا السؤال ثلاثة مرات وهي:
1- "خلق الإله الخلق أحرارا"
2- " فكيف لنا أن نقرأ أبعاد التكوين."
3- "أيّ هذا الكم من صفر على سفر الوجود".
وكل جملة تعبّر عن فلسفة معيّنة تختلف كمّا وكيفا عن سابقتيها.
ثمّ نقرأ رأي النص في المعرفة، وهو يقول آراء مختلفة وكأنه يريد الجمع بين صنوف المعرفة الفلسفيّة. يقول صاحب النص:
(1) هم وحدهم من يملكون الحرف والعقل الكبير
(2) يا ترى أيّ ربّ صادر الحرف من الإنسان والفنّان والمطرب.
(3) الله لو يرضى لنا ...... لثبّت العينين خلف الرأس، لكنه يعني التقدّم للأمام.
وهذه الجمل تفيد نظريّات علميّة بحتة، فلأولى تعني أنّ الفرديّة والعبقريّة عاجزة أمام السلطة،
والثانية تعني أنّ السلطة تحكم وتتحكّم في الإبداع والخلق.
والثالثة تعني رفض السلطة لمبدأ "المعرفة حقّ لكلّ إنسان" وكذلك رفضها أوامر الخالق عزّ وجل، فكل جملة تعبّر بدورها عن فلسفة معيّنة تخالف الأخرى كمّا وكيفا.

3-ثالثا: الشتات الفكري للنص:
ويطلق مصطلح شتات على رجل يتصف بالمعرفة والعلم الواسع المشتّت والمبدّد فهو يعرف كثيرا، لكنه لا يعرف التنظيم والتنسيق للمعلومات والمعرفة التي بحوزته. ونحن لا نعرّف الشتات بهذا النحو، ولكنّنا نعرّفه بأنه سرد موضوعات عديدة بأسلوب مشوّق واستخدام أساليب المخاطبة المباشرة للعقل، والتنقّل كالنحلة من زهرة قرنفل إلى زهرة ورد، وهذا على الإطلاق لا يضعف العمل الإبداعي ولكنه يجعل المتلقّي في حيرة، فهو لا يكاد يقرأ عن "الأصل والأرض في لغة العرب" ثم ينتقل إلى موضوع الفكر وما بين اللغة والفكر حتى ينتقل إلى موضوعات الحريّة والعقل وآيات الله في الكون وما يجب أن يفعل ...الخ..
والحقيقة القصوى في مفهومنا للشتات هو الانتقال السريع للموضوعات والعرض المختصر لمفردات الموضوعات داخل النص. وكما أسلفنا فإنّ المتلقّي للنص"=القصيدة" يخرج بجملة من المفاهيم وجملة أخرى من الأسئلة وبسبب ذلك يجد نفسه"أي المتلقي" يعود إلى القاموس، وعليه أن يقرأ كثيرا لفهم بعض الأفكار، ولذلك كان من الأجدى عرض هامش لمعاني كلمات القصيدة، ولعله لا يخفى على القارئ تلك الإشكاليّة الكبرى لحرف (ما) بين المعتزلة والأشاعرة لقوله تعالى"من شرّ ما خلق"، وكذلك لا يخفى على قارئنا مشكل تحديد المصطلحات والعبارات.. ولعلّ نصوص أبي حيان التوحيدي، ابن رشد الأندلسي وأحيانا حتى ابن حزم الظاهري وحتى المفكر المعاصر محمود محمد طه جعلت تحديد هوامش المعنى أمرا لا مفرّ منه، وهذا النص جعل القارئ يعود للقاموس ليفهم كلمة "حرف" ولعلنا واجهنا نفس الموقف عند قراءتنا للنص.
وأخيرا يقول المثل الشعبي:"كلّ سفرة تعلّمك حذاقة" بمعن أنه كلما أعدنا قراءة النص وجدنا نصّا جديد، وهذا القول بالذات ينطبق على هذا النص " نصوغ حياتنا وكما نريد"..


.

إقرأ المزيد Entry>>

الأحد، 1 نوفمبر 2009

وترية الهاجس والحرف
للشاعر عبدالرؤوف بابكر السيد سيرة للوطن والذات
د. سعد التميمي / جامعة إب
مجلة إبداع / العدد 121 ، 21 رمضان 1422 هـ الموافق 6/2/ 2001 م ،



كثيرون هم الشعراء الذين كانت معاناتهم مرتبطة بمعاناة وطنهم مما جعل هذه المعاناة تحتل حيزاً كبيراً وواضحاً في شعرهم لكن الذين أحسنوا اختيار أدواتهم ونجحوا في تشكيل هذه المعاناة بطريقة مغايرة للمألوف والمتعارف عليه قلة، إذ طالما تسحب مثل هذه الموضوعات ذات الطابع الأيدلوجي والخطابي الشاعر نحو الخطابية والغنائية والمباشرة ومثل هؤلاء الشعراء يحققون هدفين في الوقت نفسه يتمثل الأول وهو الغاية في الخطاب الشعري بالجمال الذي يحققه الشاعر من خلال عدد غير قليل من التقنيات التي من شأنها أن تستفز المتلقي وتؤثر فيه أما الثاني فيتمثل بالإبلاغ عن طبيعة المعاناة وأبعادها وحدودها والتنبيه على مخاطرها وهذا ما وجدناه في قصيدة الشاعر السوداني عبدالرؤوف بابكر السيد " وترية الهاجس والحرف " التي يتجسد فيها الهدف الأول من خلال القدرة العالية في التعامل مع اللغة على مستوى الألفاظ والتراكيب وتفجير طاقاتها الشعرية العالية من خلال عدد كبير من التقنيات التي تفاجئ المتلقي بين الحين والآخر بمفارقات وآليّات غير مألوفة ، أما الهدف الثاني فيتجسد في الموضوع الذي تعالجه القصيدة تعبر عن هموم المتلقي أيضاً الذي يشارك في همومه....
. وفي هذه القصيدة الطويلة التي تعكس قدرة عالية في طريقة تشكيل المعنى الشعري وإكسائه بجمالية التعبير نلحظ صراع الخطاب الأيدلوجي ذي المنحي الغنائي الخطابي أحياناً مع الخطاب الشعري الخالص الذي يقوم على عناصر معينة تجعله خطاباً مختلفاً يستفز المتلقي ويجذبه من خلال ما يحققه من ملامح جمالية واضحة وقد نجح الشاعر في جعل كفة الخطاب الشعري هي الراجحة رغم بروز بعض ملامح الخطاب الأيدلوجي، ولما كانت القصيدة تجسد تواصل وارتباط الشاعر بالوطن فإن جسر هذا التواصل كان الغربة التي كانت السبب المباشر في تفجير معاناة الشاعر واعترافه بالانكسارات والهزائم والتي جعلت من اليأس يهيمن على القصيدة كاملة ومما يؤكد ذلك العنوان الذي اختاره الشاعر للقصيدة إذ يوحي هذا العنوان بالإيقاع الرتيب المتكرر ذي النغمة الحزينة الموجعة وهذا ما تجسده كلمة " وترية " وكذلك كلمتا " الهاجس " و" الحرف" إذ يوحي كل منهما بحالة الانكسار واليأس، إذ يقول الشاعر في مطلع القصيدة :
ما بال الهاجس
يوغل بين مسام التربة يكتب فينا كيف نكون
نتعلّم كيف ؟
وفيم ؟ علام ؟
وأين نكـــــون؟
من كنت تكــــــــون .
من كان يكــــــــون
فالغربة عالقة ، تملأ فينا البعد ..العمق ..
النفس .. اليوم .. الأمس .. فكيف نكــــــون ؟
الغربة عالقة يا هاجـــس
منذ امتدّ البصر وعانق أرصفة الميناء،
عانق ألوان الأزياء .
مذ زاغ البصر ..
وضلّ الأثر ..
وشحّ المطر ..
بلا مبتدإ بقي الخبر ، بدون حياء .

فالشاعر يمهد لموضوعه الغربة وانعكاساتها بالاستفهام الذي يتكرر أكثر من مرة وفي كل مرة يأخذ شكلا جديداً وغاية مختلفة لتشكل في مجموعها ملامح الغربة التي أخذت تنخر جسد الشاعر حتى جعلته ضعيفاً أسير اليأس والحزن وهذا التكثيف في العبارة مع تكرار أسلوب الاستفهام يخلق توازيا نحوياً يوحى بالحيرة واليأس فضلاً عن الضياع في الغربة وهذا ما عبرت عنه الجملة " الغربة عالقة" ومرة ثانية يعود الشاعر إلي التوازي النحوي من خلال تعدد المفاعيل " البعد ، العمق، النفس ، اليوم ، الأمس ، وهذا التوازي يتكرر في القصيدة بشكل كبير ليمثل إحدى المهيمنات في القصيدة وعودة لهذا التوازي نجد أن النفس قد توسطت الكلمات فقد سبقتها كلمتان كل منها ذات دلالة مكانية توحيان بالغربة التي ترتبط بشكل كبير بالمكان، وجاءت بعدها كلمتان متضادتان كل منها ذات دلالة زمانية توحيان بحالة الضياع وضبابية المستقبل لدى الشاعر ويتكرر مثل هذا التوازي في الجمل " زاغ البصر، ضلّ الأثر ،شحّ المطر ، وتوحي الأفعال هنا بالتشتت والضياع أيضاً وهنا نجد الشاعر يسجل للمتلقي سيرته الحبلي بالآلام والأحزان ومع توظيف هذه التقنيات نجد الشاعر يشحن عباراته بعاطفة معبرة ومؤثرة من خلال اعتماده على المفارقة في تشكيل المعنى الشعري كما في إسناد الفعل "يوغل" للهاجس وكذلك الفعل " يكتب" فضلاً عن إسناد الفعل "عانق" إلي البصر وإعماله بالأرصفة ومثل هذه المفارقات نجد الكثير في هذه القصيدة وهذا يؤكد تخلص الشاعر من الخطاب الأيدلوجي ونجاحه في جعل خطابه يشبع بطاقة دلالية شعرية عالية ويستمر الشاعر في سرد انكساراته وأحلامه المكبوتة ثم ينتقل بالحديث عن الوطن وصورته التي يحملها في غربته إذ يقول في جانب آخر من القصيدة :
كنا .. كان .. وكانت ..
حتى أمست فينا الحسرة ، تنهش فينا ..
سيف مكسور ،
وجواد الغربة يلهث .. يطوي ..
كل مساحات الوطن المغدور ..
الغربة في الرئتين ، ومنذ دهور.
الغربة في الرئتين ،
لأن هواء صدئا ... جاء إلينا ..
يعني أنّا ...أنّا صرنا ...
صرنا من سقط الأشياء ،
جرحا في خاصرة الوطن المطعون.
ومنذ قرون ..
ونحن الصرعى للأفيون ،
فالشاعر هنا يتكلم بضمير المتكلم الجمع ليعبر عن ذاته، صوته الذي يراه يمثل صوت الجميع في قوله (كنا) وهو يتحدث عن الوطن من خلال الفعل (كان) فالضمير الغائب يعود إلى الوطن ولا ينسى الغربة التي كانت نتيجة لانكسارات وانهزام الذات والوطن وذلك من خلال الفعل (كانت) فالضمير الغائب (هي) يعود إلى الغربة ليبدأ بعد ذلك بتصوير حال الوطن وحاله بعدد من الصور الشعرية التي تتشكل من خلال المفارقات الدلالية التي يحققها الانزياح على مستوى التركيب مثل إسناد الفعل "تنهش" إلى الحسرة وإضافة الجواد للغربة ووصف الوطن بالمغدور مرة وبالمطعون مرة أخرى فضلاً عن العبارات الساخرة التي تذكرنا بالشاعر العراقي مظفر النواب وبشكل خاص قصائده المكتوبة بالعامية التي يبكي فيها حال الوطن الذي يمثل بالتالي حاله ويبقي الهاجس في هذه القصيدة ينبئ الشاعر بما ينتظر الوطن وينتظره من آلام وأحزان وظلم وعدوان ليسجل الشاعر بحرفه الحزين وكلماته الموجعة سيرة الوطن تغدو مرآة يرى فيها نفسه وما يجسد الشاعر في قوله " الوطن السمح يكون ، أكون ،أكون ، يكون" فهذا التناوب بين الأفعال يصور التماهي بين الشاعر والوطن فيضحى كل منهما صورة للآخر وهذا ما عبرت عنه القصيدة كاملة .
ومما يلاحظ على هذه القصيدة بناؤها المحكم فهي أشبه بالسلسلة إذ ترتبط جملها وصورها بعضها ببعض بطريقة محكمة فالجمل كانت تتوالد بطريقة جميلة فكل جملة تلد أخرى وكل صورة تلد أخرى وهذا ما جعل الألفاظ متماسكة ومتناسقة فضلاً عن أن الشاعر قد استشعر السكون الذي رافق القوافي ليومي بحالة الركود واليأس التي تخيم عليه وعلى الوطن، وهذا ما جعل القصيدة تفيض بالطاقة الشعرية العالية التي تعكسها الصور الشعرية العديدة، تلك التي تقوم في الغالب على الجدة والابتكار من جهة والدينامية العالية من جهة أخرى، وهذا ما يضمن تفاعل المتلقي مع القصيدة وتجاوبه معها وتفاعله مع أجوائها إذ على الرغم من أن اللغة التي تتشكل منها الصور واضحة وبسيطة إلا أن الشاعر استطاع أن يختار سياقات حيوية أعطت لهذه اللغة طابعاً جديداً يتضح من خلال الدلالات الجديدة الفعالة التي نلاحظها في القصيدة والتي عبرت بشكل جميل عن الفكرة التي عالجها الشاعر .
.

إقرأ المزيد Entry>>

الاثنين، 26 أكتوبر 2009

الأمانة خاصيّة العلم والمعرفة




 البراق النذير الورّاق يتصدّى منصفا على موقع الجمعيّة السودانيّة للدراسات والبحوث في الأدب والفنون والعلوم الإنسانيّة  وتحت عنوان : {وتريّة الهاجس والحرف .. شرف لا يدّعيه الفيتوري .. أعيدوها لدفاتر عبد الرؤوف السيّد } بتاريخ 9. يونيو . 2009.. وأنا أستأذنه كما أستأذن الموقع لأعيد نشر ما كتب في مدوّنتي ضمن ما كتب من قراءات النقاد والأدباء حول الوتريّة وغيرها من شعري.......



. في زمن أخذتني فيه رحلة التدريس الجامعي طيلة السنوات العشرين الماضية فوجئت بمن ينسب وتريّة الهاجس والحرف إلى كبار الشعراء الذين أعتزّ بهم
.وأفخر، فهم رصيد هذه الأمّة.. وفي ذات الوقت وجدت على شبكة المعلومات الدوليّة من يتصدّى منصفا ودارسا لهذا النص الذي نشرته العديد من المواقع..
وتوضيحا عن التساؤل الذي طرحه الأخ الورّاق عن اختفاء كاتب النص وعدم ظهوره في الساحات الأدبيّة والثقافيّة والمنتديات وحتى في شبكة المعلومات، أودّ أن أشير هنا إلى أنّ ظروفا موضوعيّة ليس - مجال سردها الآن - قد حالت دون هذا الظهور إضافة إلى التعتيم الإعلامي الذي مارس دوره بهذا الخصوص فوتريّة الهاجس والحرف .. ألقيتها بعدد كبير من المهرجانات والأمسيات الشعريّة.. وأذكر منها في السودان – جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وقاعة الصداقة، والفندق الكبير، كما ألقيت عند تكريمي وتوسيمي بوسام الفاتح العظيم وأنا بالسودان بقاعة الصداقة بالخرطوم عام 1990 قصيدة " أمام عدالة الوطن" ، حضر التوسيم عدد من وزراء النظام وأعضاء مجلس الإنقاذ وجماهير غفيرة ممن اعتزّوا بالمناسبة حينها.
كما قمت بإلقاء وتريّة الهاجس والحرف بعد ذلك بجامعة الفاتح بطرابلس، وجامعة قاريونس ببنغازي، وجامعة التحدّي بسرت، وجامعة سبها، وجامعة الجبل الغربي، والمعهد العالي للمعلّمين مصراته، والمعهد العالي بسوكنه، وبعدد كبير من المنتديات والمواسم الثقافيّة والمهرجانات والأمسيات الشعريّة.. وقد أذيعت عبر فضائيّة الجماهيريّة ونشرت بعدد من صحفها.. وضمّتها المجموعة الشعريّة التي صدرت العام 2007 تحت عنوان {الحروف}..
أعود لمن أنصف من أجل الحقيقة إلى الأستاذ البراق النذير الورّاق، وأنا أورد نصّه مستأذنا له وللموقع، فقد قمت بإنشاء هذه المدوّنة لأكسر عجز التواصل وتعتيم وضعف الإعلام.. وأرى لزاما عليّ أن أشيد بالأخ الورّاق الذي تعرّف على النص وتلمّس من خلال مفرداته موطن كاتبه، وسأل عن مكان غربته، وآلمه نسبته إلى الغير.. شاكرا وممتنّا ومقدّرا صدقه وإنصافه.. فالإنصاف سمة الشرفاء.. والأمانة خاصيّة العلم والمعرفة..
وأورد فيما يلي نص الورّاق الذي أعاد نشره في ذات الموقع المشار إليه :
هذه المادة أعيد نشرها لأسباب متعددة أهمها بالنسبة لي الآن أن هناك بعض أعضاء المواقع الإلكترونية استخدمها مع تجاهلي ككاتب أصلي لها، ولكن عموماً لي أمل في نقاش ونقد بناء من قبل عضوية المنبر..هذا مع شكري ...................................................
أعيدوها لدفاتر عبدالرؤوف السيد/ وترية الهاجس..شرفٌ لا يدّعيهِ الفيتوري:
حين يكون الزيف شريعة.. والضيم وسادة
والقائمة السوداء.. تضم الشرفاء وكل الأطفال
فالنبض الحي النبع الدفق.. الحب الفيض.. يكون قلادة..
بصدرك يا وطني.. ويكون الغضب عبادة.. ويكون الموت ولادة.....
ترى هل أكون وصلت حد المبالغة إذا قلت وأنا على القسم بعد الكشف على سلامة عقلي والتأكد من بلوغي سن الرشد "ما سمعت في حياتي قط شعراً أبلغ من هذا"، وهل يمكن أن يرضى عن قولي هذا أدباء بلادي وفطاحلة نقادها ومثقفيها، وهل يا تُرى يصدقني القارئ ويفكر للحظة فيما أقول، بل وهل هذا الرأي واقعي أم أنه محض إعجاب أعمى بكلمات صادفت هوى في نفس تتوق لما يروي تعطشها في زمان مُلئت أكوابه الشعرية الصدئة، بالصديد.
ولكن ليتمهل القارئ ولا يطلق أي حكم قبل أن أورد بعض الأبيات من القصيدة التي جعلتني أخوض في هذا الحديث، وليتسع صدر كل مترصد للاستماع للكلمات التي ألقيت في ( 1987م) تقريباً وربما نظمت قبل هذا التاريخ بزمن طويل، ولكنها- حسب ظني الآثم- لا تزال صالحة فى زمننا هذا، قبل أن يوصمني بأى صفات من قبيل، مبتدئ.. أين درس النقد.. مال هذا والشعر.. إلى آخر الصفات، التي تطال حتى من اشتعل رأسه شيباً تحت قباب الأدب، فأنا فى سبيل مقالتي هذه، سأتحمل أي صوت وسوط، وذلك لأنني لم أجد أثراً لكاتب هذه القصيدة لا في الملفات الثقافية للصحف اليومية، ولا فى الدوريات الثقافية ولا المنتديات الأدبية والشعرية، ولا حتى فى الشبكة العنكبوتية التي تحتمل الغث والسمين، بل وجدت القصيدة على الشبكة ولكن بإسم شاعر اّخر، وهذا ما أحزنني، فالقصيدة منسوبة لشخص غير كاتبها وفى أكثر من موقع على الأنترنت، لدرجة أن هذا النسب أصبح أشبه بالخطأ الشائع، الذي يكلف تصحيحه الكثير، فالبعض كلفتهم محاولة تصحيح الأخطاء الشائعة الرقاب، ولكنني قبلت خوض هذا التحدي بالدلائل والبراهين التي ستقطع دابر كل شائعة وتعيد الحق لأصحابه، فقد تعبنا من ضياع الحقوق غصباً، فما بالنا نرضى بضياعها إهمالاً وتكاسلاً.
الشاعر عبدالرؤوف السيد، بحثت عن تعريف له فلم أجد، سألت عنه المهتمين بلا طائل، أخيرا جاءتني عنه أخبار من ليبيا، مفادها أنه يعمل كموظف هناك منذ عقدين ربما، هذا الشاعر هو صانع التحفة الفنية المسماة" وترية الهاجس والحرف" والتي تنسب في كثير من المحافل للشاعر محمد مفتاح الفيتوري، ولكن أين الفيتو ري من تصحيح هذه المعلومة، وأين عبدالرؤوف السيد ليسترد حقه المسلوب؟، فعبد الرؤوف السيد، المهدر حقه، والذي أملك له تسجيل بالفيديو داخل قاعة الصداقة بالخرطوم عقب انتصار الشعب في أبريل( التسجيل حوال العام 1987م)، يلقي هذه القصيدة من خلال هذا التسجيل وهو واقفٌ لما يقارب الخمس وعشرون دقيقة، وتتقاطع بين كل بيت وآخر من القصيدة تصفيقات حارة من الجمهور الذي ضاقت به القاعة، لم يحرك ساكناً إزاء هذه الشائعة التي تلصق هذه القصيدة بقوة، بدفاتر شاعر اّخر.
يقول عبد الرؤوف السيد الذي يبدو من ملامحه فى ذلك الوقت أنه فى العقد الرابع من العمر، بعد المقدمة المكتوبة بعاليه، وبعد أن يقول أسم القصيدة:
ما بال الهاجس يوغل بين مسام التربة يكتب فينا كيف نكون..
نتعلم كيف وفيم علام وأين نكون..
من كنت تكون من كان يكون..
فالغربة عالقة تملأ فينا البعد العمق النفس اليوم الأمس فكيف نكون.....
هكذا بدأ الشاعر عبدالرؤوف السيد القصيدة، وبهذا النمط الرنان سيواصل في قصيدته المبهرة التي يكاد يفقد حقه فيها، بتكاثر الإشاعات حول ملكيتها، فهناك من يقول أنها للفيتو ري وقد ألقاها بالمربد (ونال عليها الجائزة الأولى)1، وحتى الفيتو ري نفسه يقول لأحد سائليه عنها(ربما تكون لجيلي عبدالرحمن أو محي الدين فارس)2.
من المحزن حقاً أن لا تجد مثل هذه القصيدة حقها من التعليق والقراءة والاهتمام، خصوصاً إذا علمنا أنها لازالت مواكبة، ويمكن قراءة ما بداخلها وفقاً للحاضر الماثل، هذا خلاف أن بها توثيق لتاريخ طالما حاول البعض طمسه، ولكن المحزن أكثر أن شاعراً مثل الفيتو ري يغيب عن متابعة هذه التحفة الفنية التي ناقشت قضية الوطن بعمق ابتدأ من إنسانية الإنسان وهويته وحياته بعيداً عن الوطن ضمن :
فالغربة عالقة يا هاجس منذ أمتد البصر وعانق أرصفة الميناء
عانق ألوان الأزياء.. مذ.. زاغ البصر وضل الأثر وشح المطر
بلا مبتدأٍ بقى الخبر.. بدون حياء.....
ولكن شاعر القصيدة لا ينسى ما به من آلام الاستلاب وجروح الهزائم الثقافية التي مُني بها هو ومن معه، حتى أضحت عادة ترقى لمستوى اللابديل:
خذ هذا العقد فريد لم تلبسه فتاة من قبل
خذ هذا العطر الفردوسي الباريسي الرومانسي
خذ بيتاً من علب الكبريت الفاخر......
أيضاً توصيف الجمال والتعبير عن الولع بالحسن والحسان لم يسلم من تلك الهزائم، فجاء الإعجاب بمنتج الغربي المتقدم (التبغ)، مرتبطاً بالإفصاح عن شعور تجاه المفاتن الحسية للجنس المغاير(الفتاة)، وهذه مرحلة تفوق الوصف في التعبير عن اغتراب الذات، الذي طال حتى الوجدان، فواصل قائلاً:
خذ هذا التبغ له رائحة الرمان بصدر فتاة عذراء
الضاد تمسح زمناً في الصحراء
خذ هذا القدح اقترح الفرح عليك
فرح العينين يعيد جِنان الخُلد إليك
فأعذرهُ أباكْ.. أعذره أباك.. الحرف فداك
كُثبان الرمل امتصت روحك منذ سنين..
قد بدد حرفك روحك في هذا الكون..
فماذا بعد.. وفيما البُعد.. وأما بعد ولما بعد..
نصارع لجتها الكمد الأمد الأبد الساكن فينا..
وعند تخوم الليل بيوت الليل..
نجرد حنجرة الصوت..نخيف الصمت..
يبتلع اليم حصيلة معجمنا اللغوي..
منذ أبيتَ اللعنة.. عليك اللعنة.. حتى ترتد اللعنات علينا.....
ولكن رغم ذلك فإن الشاعر لا يمل في بحثه عن ما يمكن أن يرد له ذاتيته، فراح يفتش في الصفحات المنسية عن ماضٍ تليد، ورحم ربما يكون به حَبلٌ، ولكنه مهجور بلا قابلة:
رحت أنقب في الصفحات المنسية من زمن..
والرحم المهجور بلا قابلة..
والجذع المنسي لنخلتنا الشامخ كان بأرصفة الصحراء..
تجعد هذا الوجه بلا تجربة..
بين الغبراء وداحس والميناء..
هذا الميناء أمتص رحيق براءتنا..
وشهية طعم أصالتنا..
من دهشتنا نسى الصابر منا عند الجوع سنامه.....
ربما يقول قائل، من الذي أثبت سودانية هذا الشاعر، بل من أين لي أن أعرف إنه لم يكن ليبياً صرفاً، خصوصاً وأن ذاك العرض الذي ظهر من خلاله عبدالرؤوف السيد كان يخص تنظيم اللجان الثورية، والذي لا نسمع له صوتاً اليوم، أقول ربما هناك مشكك فى سودانية الشاعر عبدالرؤوف السيد، ولكن الأبيات التالية دليل كافٍ على انتمائه لتلك الأرض التي يتوزع أبناؤها بين بلدان المشرق والمغرب بسبب الظروف الاقتصادية الطاحنة، أو البطالة، أو بالهجرة القسرية التي تأتى لأسباب تخص (العصب):
عند المفرق كانت خصلة هذا النيل علامة..
نسى الكامن فينا والمكنون..
ما بال الهاجس يوغل بين مسام التربة.. يكتب فينا كيف نكون..
من عمق مسام التربة هبت كل جذوري من مرقدها..
انتفضت لتلاحق بالأنفاس حروفاً مثقلة برماد الحزن الميمون..
هتفت وتهجت حرف الواو وحرف الطاء وحرف النون..
يا واهب هذا الكون النسمة..
دثرني بأرق الطبقات شفافية..
لأن الواقع يجرحُ عيني..
أخشى أن أفقأ عيني..
أكتبني صفحة عشقٍ في وطني..
أو سطراً في ملحمة الكون الأبدية..
ويواصل:
يتمرغ كان القمر الشاحب فى وجنته المحمومة..
حتى غطى الفيض الهامة..
عند الصفر أحمرّ الأفق وكان اليوم قيامة..
عند الدائرة السبعين من الدوامة..
عند هبوب عواصف ثلج السلطة رحلت..
تاهت جوهرة العدل المفقود وأضحت تاجاً لرئيس الحزب..
أبهة الجنرال الحاكم ما انفكت..
لعبة سُلسال يُلهِى صاحبه باسم عدالة هُبلٍ فينا..
ترى هل يشير الشاعر بهذه العبارات للتغييرات السياسية التي تمت في تلك الفترة، وهل تراه قصد بالقيامة انتفاضة أبريل من العام 1985، وقصد بالدوامة الانتخابات التي تمت في أعقاب الفترة الانتقالية قبل الديمقراطية الثالثة، أما عند الحديث عن الجنرالات فهم كثر، ولا أستطيع أن أتكهن بأنه يقصد أيهم، ولكن للقارئ أن يستنبط من السطور القادمة ما يكمل له الصورة المقصودة في القصيدة، خصوصاً وأنها فى الحقيقة لم تخرج عن مجرى التاريخ، وربما هي أزمة خلت، يعاد إنتاجها مجدداً:
ما طلب ذبائح.. نحن ذبحنا القربان ونصبناه علينا..
في الدائرة السبعين وقرب القاع..
تبدت قطرة دمع..
حملت ألوان الطيف..
وحمى وهج الصيف..
فامتزج الدمع بأنات قرابين النصر المذبوح بأيدينا.....
ويأتي الإثبات على سودانية شاعرنا العميقة، وتمكنه من ناصية اللغة وتطويعه للكلمات، مثل تمكنه من المفردات الممعنة فى المحلية، والمُبرِزة لجزءٍ من ثقافة بعض الشعوب بأرض السودان، خصوصاً ثقافة الزواج والعرس والفرح، حسب التقاليد الأصيلة الضاربة فى القِدم:
وسكبتُ حنين الشوق بعينيها..
أقسمتُ لأغزلَ من خيط الشمس ثياب العُرسِ..
أقسمتُ لأجدل من لهب الأفقِ حريرا..
أقسمتُ أضمخُ من عطرِ الفردوس ضريرا.....
القصيدة بكاملها عبارة عن نيزك كبير ملئ بالكلمات المدهشة، والتى تتفتت عند إرتطامها بالوجدان لتتوزع وتخلق دهشة عظيمة وغير مسبوقة عند متلقيها، وهى خلاف ذلك حافلة بالمعاني وبالأساليب البلاغية العجيبة، كما أنها لم تترك جانباً من علم البديع إلا وطرقته، هذا من الناحية الجمالية لها، أما من الناحية الفكرية فإن هذه القصيدة توغلت فى المفاهيم حتى غيرت في كيميائها، وأربكت المسلمات حتى كستها بالشك، وناطحت حكايا التاريخ والمنقول، حتى أصبحا في عداد اللامعقول. ولم ينس الشاعر ما به من وجع اغتراب لم تستطع اللغة العربية بكل عتادها وثرائها التعبير عنه، فلجأ غير باغٍ للدارجة التى تقف شاهد إثبات ثانٍ على سودانيته المفرطة غير المفرط فيها، فهو يأتي بقولٍ لا يتردد إلا في الحكايات الكلاسيكية للجدة(الحبوبة)السودانية الأصيلة، ولا يتكرر إلا عبر الروايات المصنوعة في الخيال الجمعي لشعوب تكره الاغتراب والتغرب منذ زمان بعيد، رغم ارتباطه في كثير من الأحيان بالرفاهية وسعة العيش ورغده:
يا أم أحمد.. دقي المحلب..
فى توب أحمد..
أحمد غايب فى الركايب..
هذا الأحمد فينا ارتاب..ارتحل وغاب..
امتهن غياب الأمل وعاد.....
وحتى لا أطيل( رغم أنني أوردت القليل جداً من أبيات القصيدة) فإنني أختم بأبيات فيها تعبير شامل لما يحدث في بلدان العالم الثالث من تشققات ثقافية وسياسية واجتماعية، تصنعها أوهام يصدقها الساسة والحكام، ويجبرون الرعية على تصديقها، بمحاولة محو ذاكرة تلك الرعية التى تقف دائماً حجر عثرة أمام التخاريف والإختلاقات والأكاذيب، ولكن تؤكد القصيدة على أن هناك من يصنع هذه الأوهام ذاتها للحكام الذين في حقيقتهم يمثلون جلاليب وعباءات وعمامات فارغة، ليس إلا:
تتشقق هذى الأرض السفلى..
لما يصبح هذا الرب بلا ذاكرة..
والأرباب تحج لرب تترىٍ أبيض..
في ثوب أبيض.. في بيت أبيض..
بلسان أبيض..بكتاب أبيض..
أجمل من ورد بلادي الأبيض..
والنيل الأبْيَضِ..والبحر الأبْيَضِ والأبْيَضِ.. وأُبيَّضُ والبيوضةِ والبيّاضةِ..
والبيضا والدار البيضا..
والبيضُ كثيرٌ فى وطنى.. لا يفقسُ غير دجاجات..
بعباءات وعقالات وعمامات بيضاء..
لم يفقس يوماً ديكاً ذا عرفٍ.. والعرف السائد بات هجينا..
الحرف سجينا..
والحرف شقيق الروح..
فكيف تخون الروح التوأم فيها كيف تخون..

.

إقرأ المزيد Entry>>

الجمعة، 16 أكتوبر 2009





عبدالرؤوف بابكر السيد .
شاعر أفريقي . عربي . مسلم من السودان الأشم .
.. وليس القارئ محتاجاً أن أقول له هذا، لأنه سيجده مبثوثاً وحياً ناطقاً في كل قصيدة من قصائد هذا الديوان، والشاعر الذي لا تعرفه من خلال شعره لا يستحق أن يضاف شعره إليه
!!وفي محاولة سريعة جداً ، وظالمة جداً نحاول أن نضع خطوطاً عريضة تحت كل صفة من صفاته من خلال بعض النصوص ......

. _ شاعر :
ما الشعر ؟.. ما هو هذا الذي يستفزنا في الأعماق _ حتى يخلخل أعماقنا حين نكتبه، وحين نستمع إليه؟.. ما هو الذي لم تستطع يد النسيان الطاغية أن تصل إليه، ولم تستطع الماديات الجارفة أن تقطعه؟.. سيطول بنا الكلام جداً وجداً _ لو أردنا أن نتوقف لنعرّف الشعر، ولن نصل إلى شيء هو موضع اتفاق، ولكن الذي لا اختلاف عليه، أنّ الشعر هو نحن بكل ما فينا .. ومن هنا كان لكل أمة شعرهاً، وفنها الذي قامت عليه وجداناتها .. وربّما من هنا أيضاً كانت صعوبة ترجمة الشعر من لغة إلى أخرى، فهو إذا ترجم فَقَدَ خصائصه التي جعلته شعراء ولم يبق منه إلا " المعنى" الذي لا يجعله إلا كلاماً !! فالشاعر هو الطفل بتربيته ، وتربته ، وقراءته وقريته، وفهمه وشحمه ولحمه !! هو بكل ما فيه من صحةٍ ومرض، وهدوءٍ وحدة وسرعة وبطء .. كل ما في الشاعر، تجده مبثوثاً في شعره فإذا لم تجده فيه، فالشعر لا علاقة له بشاعره ولا بالشعر!! ولهذا ، فأنت تجد "عبدالرؤوف" في كل حرفٍ في القصائد..هو لم يغب عنك منه شيء إلاّ ما لا علاقة له بالشعر مما يستوي فيه الناس ، وربّما غير الناس !! يقول الشاعر في قصة (رقصة العشق):
" لو تكتبين النصّ فيّ ..
أو تقرئين الحرف في كلّ الجهات..
لو تسقطين السطر منه..
أو تكتمين البعد عنه..
فالحبّ دفقات من الإبداع
نبضات رقيقات من الإيقاع
تعطي للحياة البعد..
والما بعد فينا..
ترتّل الأنشودة العظمى فتشجينا
وتشجي القلب والأسماع أحلى الأغنيات
.."
أرأيت ؟ أسمعت معي أيها القارئ ؟
" وتشجي القلب والأسماع أحلى الأغنيات.."
.. ليس الشعر والغناء إذن وقفاً على القلب والمشاعر ؟ ..
.. وليس تعبيرٌ عن الشعور وكفى ..
إنه تعبيرٌ وزيادة ، و"زيادة " هنا ، هي التي جعلته شعراً .. فلو كان " تعبيراً عن المشاعر" .. فقط .. لكانت الأم الثكلى وهي تنوح أشعر الشعراء .. لكنه تعبيرٌ عن المشاعر وزيادة " تشجي القلب .. والأسماع "
و"الأسماع " هنا ، هي الزيادة المطلوبة .. الإيقاع " والصنعة " و"التأنّق في الصياغة ".. إنها الأمور التي تجعل الشعر " أحلى الأغنيات".. هل قلت لكم " التأنق في الصياغة "..أعني هل قلت " الصنعة " مثلاً ..بلى ورغم أنف النقاد الذين ينكرون الصنعة والتصنع، ويعتبرونها تكلفاً وجهداً لا طائل من ورائه!! ويهاجمونها هجوماً حتى يخرجوها من دائرة التعبير، ومن الحق، أن الصنعة ليست شعراً .
لكن الحق أيضاً، أن الشعر صنعة .. وإذا لم يكن صنعة ، وتأنقاً ، وجمالاً ، ورقّة ، وجرساً ، وإيقاعاً ، فهو ليس " أحلى الأغنيات " إنه " أغنيات " ولكنه ليس " أحلى الأغنيات " يقول عبدالرؤوف :
" قد يقبل العقل التبرج بالعبارة "
" .. لكن ما في القلب تطهير لما في الحروف..من رمز الإشارة " فالشعر هو في بعض ألوانه "تبرّح" .. أنه الحرف الذي تتبرج به عبارته .. العبارة تتبرج، كأنها " الأنثى تصدت للذكر " تحشد كل أسلحة تبرّجها كي تبدو جميلة ، وفاتنة ، ومغرية !!
.. والشعر ليس إلا بعض أنفاس الأنثى . وما الشعر أيضاً ؟
يقول عبدالرؤوف :
" قد يعتلي العقل الصغائر كلّها
لكن ما في القلب..ماء العين
ينبوع من الإيماء..
يختزن التوائم والشقائق والدقائق
من أمور النشأة الأولى.. وطيف الذكريات
ويحتضن النسيمات التي تمتد عبر الكون
لوحات التفتّح باللغات
"
ولو مضينا نستقريء الديوان على هذا النحو ، لما توقفنا عند حدٍ ، ولكننا اكتفينا بالإشارة ..
_ أفريقي :
تنبثّ أفريقيا في دم الشاعر تاريخاً وشعوراً ، فهي تلقاك في كل كلمة في الديوان غناء، ونداءً ، ودماءً وعناءً .
" أنت لو تدرين
- لوحات وإبداع من الآيات في جسد الحروف
غابات ، مساحات خرافية..
أنت مدّ .. وامتدادات وفيّة..
أنت يا وطني بك الإشراق أفراح نديّة..
أنت يا وطني المعاني كلها..
لا تخافي..
وامسحي لمسة الحزن المهدّد للفرح
أنت محراب وإيمان،
روايات مقدّسة، ومسبحة،
ولوحات من الإبداع جسّدت الحقيقة
أنت يا سمراء في الكون الحقيقة
..."
فهل تحس كيف تلامسك روح أفريقيا وأنت تتجول في رياض هذا النص تلمس هنا .. أفريقيا في كل حرف، وهذا هو الأهم..في نبض النص ، وتقطيع كلماته وقوافيه، في هدهدة الإيقاع الأفريقي الذي يخترقك من خلال النص.. وفي قصيدة أخرى يناغي الشاعر أفريقيا يقول :
" عيناك أجمل ما رأيت في المكان والزمان
موسوعة الأنهار والبحار والوديان
والخلجان والشطآن والإنسان والإنجيل والفرقان
والإيمان والمحبة التي تضمني بصدرها
قبيلة من حنان والأمان واحة من الحنان "..
ثم ماذا بعد ...
ثم هذه المناجاة حيث يترنم لأنه ..
" يحدّق الأطفالُ في الضلال والهدى..
البؤس يرتدون
يجلدون في البيوت من آبائهم
ثم يجلدون حين يكبرون،
الصغار يجلدون
الصغار والنساء يجلدون..
الصغار والنساء والرجال يجلدون..
لكنهم يحدّقون في المدى،
والعين في الجنوب،
والجنوب... والجنوب.
يا مارد الجنوب،
ثبت الأقدام في التراب واحتم،
بحكمة الأحراش، والغابات، والدروب.
بالحبّة السوداء، بالأعشاب،
بكل نبتة في أرضنا السمراء..
تعانق السماء
.."
وأفريقيا ، تجري في دم شاعرنا نغماً وتعبيراً متناغماً ، وإن أردنا فقط أن نتمتع ببعض .. الغناء من نصوص هذا الديوان .
_ عربي :
وهنا أيضاً لن نتوقف فمن العبث أن نتوقف ، واللغة المشرقة تطالعنا ، والإيقاع النابض يلقانا في كل حرفٍ راقصاً حيناً ، وبطيئاً ، أحياناً لكنه حي في كل الأحاسيس ، ولماذا نتوقف ، وكل قصيدٍ في الديوان يخبر عن مشاعره ، وعن عروبته النابضة ، وعن الأصل الممتد فيه بما فيه من الخير والشر ، والمقبول والمرفوض ، فهو عربيٌ فيما يكره وفيما يحب .
" الأصل ... كالنخل في أرض العرب
والأرض .. كالعرض في لغة العرب
يا ترى .. بي من أبي جهل نسب
.. يا ترى .. بي من أبي جهل غضب؟
"
وليس أبوجهل " بالنموذج " الذي ينتسب إليه لو أنه اختار الانتساب ، ولكنه النسب الذي لا نملك إلا أن نخبر عنه !!
وأنسابنا هي السوأة التي لا نملك إلا أن نفاخر بها .. وهي سوأة .. ففي مرارة أيامناً وفي هذا الزمن الأجرد .. لا يطالحنا إلا ألم أنسابنا الأصيلة.
" تشرق الأحلام تولد ... في القصيدة
كراسة الطفل الحزين
بها الألوان ، خارطة الخصام
بها الأيام ، والأرقام ، دائرة بلا إشراق
.. بها التاريخ أعمى
بها العينان مختلفان ، لا بصر ولا أحداق
"
ولن يصعب على القارئ أن يتذوق مرارة (خارطة الخصام) التي جعلت الألوان تشوه كراسة الطفل الحزين، ولا يعسر على القارئ أن يغرق في هذه الدائرة المظلة التي غاب .. إشراقها ، ولا في هذا التاريخ الأعمى فتلك بعض من بعض من مرارة عصرنا الرديء فإذا أراد االقارئ أن يطالع غربة الروح في دهاليز الألم ففي هذا النشيد النشيج مثل من ذلك :
" الله يا دار السلام
الله يا لغة السلام
والابتسام المر عند مغيبها
.. الله يا جمر المنام ويا كوابيس الظلام
.. الله يا نصف الإله إن انحني وإن استقام
هربت بلاد الوزر من أرضي بنهريها
.. وأهدتني بلاد العشق تهديها ، وقبلتها الحرام
.. لم تكن برداً على النار في وطني المهدد بالسلام
"
أجد نفسي ثقيل الظل جداً إذا طلبت من القارئ أن يتأمل هذا التعبير " وطني المهدد بالسلام " فإني ألمح الخيال فيه وثاباً، والسخرية قادحة ، وفادحة .. فكيف يكون السلام تهديداً، وهو الأمان ؟.. إنه السلام الذي يهديه القوي للضعيف، والسيد للعبد، والذكي للغبي، والقادر للعاجز، والخادع للمخدوع .. إنه " السلام " الذي تضربنا به طائرات الغزاة من أجل نشر "الأمان" في أرضنا !! وتلك بعض أوجاع العروبة ، في قلب عربي شاعر !! .
_ مسلم :
هذه أيضاً لن أتوقف عندها، فأنت أيها القارئ ستلاقيك النصوص والمفردات، والتعابير والأحاسيس القرآنية في كل كلمة، وفي كل حرف .. ومن أطراف ما صادفني من .. ذلك قوله في القصيدة السابقة عن الزمن الأجرد .
" زمن تحجرّ دمعه
نامت قوافيه ، اكتست زيّ الحجيج
.. حدّدت في كل عام ..
قبلة البيت .. وموقع التكبير والإحرام
"
والقوافي التي تكتسي زي الحجيج هي قوافي عارية أو تكاد .. وهي قوافي ترفع رايات الاستسلام البيضاء !! وهي بعد هذا وذلك لا تتحرك إلا في إطار معلوم ، وفي زمن معلوم .. !! كأنها تدار بالأزرار .
: وما رأي القارئ في هذه الصرخة العاتية
" اللهُ لو يرضى لنا..
مثل القطيع يهشّه الراعي..
ويحصره الطريق..
ما خاطب العقل في آياته حتى نفيق..
خلق الإلهُ الخلق أحرارا .. ولم يبن السجون.
خلق التراحم بيننا .. لكنهم خلقوا الأتون..
غرس الأخوّة .. والترابط .. والمحبّة
والتآلف.. والتزاوج .. والتمازج ..والحنين.
هم قسّموا باسم السلام ديارنا
هم شوّهوا باسم السياسة ذاتنا
هم دمّروا بالخوف كلّ حياتنا
هم نصّبوا الأوثان في أوطاننا
هم عمّقوا باسم الإله جراحنا
"
فهذه صرخة بألفاظها، بأخيلتها وأنفاسها، لا تكون إلا من مسلم امتلأت حياته بقيود أدعياء الفقه الذين حرّموا طيب الرزق ولذيذ الغناء !! وفواكه الشعر والشعور !! وهي صرخة تعني التمرد على قيود الأدعياء، ولا تعني الخروج عن قواعد الله سبحانه .
" نحن الإله له عبيد
لكننا في هذه الدنيا
نصوغ حياتنا وكما نريــــد .. "
_ سوداني :
كل شيء في هذا الديوان، وفي شعر عبدالرؤوف عامة، يحمل بصمة "السوداني"، من إيقاعه، إلى صوره، إلى روحانية صاحبه الفطرية، إلى تمرده العنيف .. واستنكار النصوص الشعرية السودانية منتشر في الديوان، في أغلب قصائده، من الأمثال إلى الأغاني..، إلى أسماء المدن والأماكن والشخصيات.
" وخرطوم هذا التسامح للكائنات
.. الصفات الأبيّات
البوادي ، الكهوف
الريا وكل الطبول وكل الدفوف
زغاريد هذي المحبة ، تطرد منك الحسد
وصوتك يستلب اللب ، عبر مسام الجسد
فا غرس روحي بقلب الحواضر والغائبات
"
فأنت هنا في حارة من حارات الخرطوم بكل أنفاسها وناسها وإحساسها، وأجناسها، تصافحك الزغاريد التي تطرد للحسد، ويلقاك ندياً هذا الصوت الذي يستلب اللب ، ويستقر عبر مسام الجسد سمعك وقلبك ، وهذه الطبول وهذه الدفوف .. وأنت في حارات الخرطوم التي تعبق بالتسامح، وتتضمخ بالصفات الأبيّات !!.. فالكلمات تم اختيارها بعناية لتمثل الأجواء بدقة .. والصباحات النديات التي يناغيها الشاعر منذ مطلع القصيدة لا تكون إلا في الخرطوم حيث المدنية التي تنام في أحضان النيل الندي !!
المعذرة ..هذه صورة مختصرة جداً ، ظالمة جداً جداً ، للشعر وللشاعر .. الشاعر الذي .. عشق الحرف، وأحب الكلمة، فعاقر الشعر مصبحاً وممسياً وما بين ذلك!! حتى استحالت حياته إلى شعر :
" هذا أنا أتدثر الكلمات .. التي نزفت من دم الأغنيات
أعيش الحياة كما أبتغي
.. أجوب القرى وكل العواصم
.. أقرأ فيك الملاحم
.. أخلق فيك الفضاء الذي ينتمي
لطعم ولون ومعنى الحياة
.."
حتى صار الحرف بجرسه ، وإيقاعه ، وموقعه ، همّا من همه في دمه ..
" للحزن محراب مقدس
أولى شعائره الصيام . عن الكلام
إلا كلام الله يطفئ جذوة من ناره
ليحمينا السلام
"
فتغزل في الحرف، كما تغزل بالحرف.. وعبّر عن الحرف كما عبّر به.. واستغرقته المفردة والجملة، والكلمة والمعنى، واللفظ، حتى تداخلت في مشاعره قبل أن تتداخل في فكره، وامتزجت في إحساسه قبل أن تمتزج في عقله، فصار الحرف كلاماً.. والكلام حرفاً، واتسع هذا بذلك، وضاعت الفواصل في عقل يكره الفواصل!!
ولهذا لم تضق نفسه، ولم تحنطه القيود والتقاليد، وفي ديوانه تعبيرٌ عن أصالته وعن عصره.. فمن بغداد إلى الهاتف المحمول، ومن دار فور إلى الإميل كلها أشياء عاشها وكلّها أشياء عاشت في شعره !!.. إنه الشعر .. نحب الناقة فنتغزل بها، وتأسرنا الطائرة فتغني بأوصافها، ولا رجعية في الأولى، ولا عصرية في الثانية !! إن الرجعية أن تقول شيئاً ليس منك .. إنما النظم في الشعر .. أن تدعي العصرية ادعاء فتصف مالا يعيش في .. داخلك وإن هو في عصرك .. وكفى .
عبدالرؤوف بابكر السيد .. شاعر أفريقي، عربي، مسلم، سوداني، أستاذ في اللغة العربية في جامعة التحدي خليج سرت، ولو لم أقل لك شيئاً من هذا كله لقالته لك أشعار عبدالرؤوف .. فعبدالرؤوف وشعر عبدالرؤوف شيء واحد !! وتلك هي مزية الشاعر، في الصدق الفني، التي إن فاتته، فليس يستحق أن ينصب له ميزانٌ في عالم الفن والجمال .. المعذرة ، أردت أن أقول، وأقول..ولكن المجال ضيق فعسى أن يكون الذي قلته "خارطة" صغيرة لعالم كبير !!.

عمر رمضان عمر
سرت / 21/ 2 / 2007 مسيحي


.

إقرأ المزيد Entry>>

الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

ديــــــوان الحــــــروف:
بحثاً عن المعلقة ..بحثاً عن عكاظ..!
أ.حسن أحمد الأشلم
نشرت بمجلّة تعالوا عن مكتب الإعلام بجامعة التحدّي العدد الأوّل سبتمبر 2008
بحثاً عن المعلقة:
عندما يجعل الشاعر الحرف دثاره ويدخل قوقعته؛ تتعدد فضاءات الغربة، وتتسع مساحة الاغتراب، ينفتح الأفق أمام فيض المشاعر واختلاط الأحاسيس، وتدخل الرؤى والهواجس منظومة المؤامرة لتراوغ أنماطاً مختلفة من القراءات والقراء المتدثرين بعباءات السلطان والصولجان والفضيلة والدين..، والحفاة العراة، والأنفس الصارخة في أذن الصمت، والقابعين على قارعة طريق الأمجاد المقددة، والتائهين في خارطة الحاضر الجليدي الصديدي المتسرطن..، والحالمين بالمستقبل الهلامي مشوه المعالم..، يقف الحرف مع الذات في دائرة التفاعل مع الرؤى والهواجس:( هاجس روحي بين يديكم وشكل الروح بشكل الحرف، والحرف بلا شكل من أشكال الماضي) ديوان الحروف ص10،.......




 ديــــــوان الحــــــروف:
بحثاً عن المعلقة ..بحثاً عن عكاظ..!
أ.حسن أحمد الأشلم
نشرت بمجلّة تعالوا عن مكتب الإعلام بجامعة التحدّي العدد الأوّل سبتمبر 2008

بحثاً عن المعلقة:
عندما يجعل الشاعر الحرف دثاره ويدخل قوقعته؛ تتعدد فضاءات الغربة، وتتسع مساحة الاغتراب، ينفتح الأفق أمام فيض المشاعر واختلاط الأحاسيس، وتدخل الرؤى والهواجس منظومة المؤامرة لتراوغ أنماطاً مختلفة من القراءات والقراء المتدثرين بعباءات السلطان والصولجان والفضيلة والدين..، والحفاة العراة، والأنفس الصارخة في أذن الصمت، والقابعين على قارعة طريق الأمجاد المقددة، والتائهين في خارطة الحاضر الجليدي الصديدي المتسرطن..، والحالمين بالمستقبل الهلامي مشوه المعالم..، يقف الحرف مع الذات في دائرة التفاعل مع الرؤى والهواجس:( هاجس روحي بين يديكم وشكل الروح بشكل الحرف، والحرف بلا شكل من أشكال الماضي) ديوان الحروف ص10،...... ينتفض الحرف يعلن تمرده،يبحث عن الديمومة يرفض أن يكون ماضوياً، أو استشرافياً حالماً؛ فرومانسية الحرف هي أكبر عدو للهاجس والرؤية، ومن ثم فلا مناص للحرف من اللهاث وراء محاولة تأبيد الراهن، انصهار الماضي والحاضر والمستقبل في حلقة مفرغة لا يدرى أين طرفاها.
ضمن هذا السياق يأتي تشكل نصوص الشاعر عبدالرؤوف بابكر السيد في ديوانه (الحروف)؛ بحركتها الزمنية الدائرية؛ حين تشير إلى الجرح؛ تلعقه.. تفتحه.. تنكأه.. ترتقه.. تعود إليه.. لا تتركه، ترسم خارطة الألم.. الصراخ والعويل، وعبر مساحات من الشهيق الدخاني والزفير الناري تنحت ملامح الفجر القادم؛ (الحرف إذن يحمل كل معاناة الروح ..والشعر الدفقات الأمواج، يدور كما الأمواج ولا ينضب..يقاوم مثل الريح.. يهدر كالرعد ويهدأ..يسكن مثل نسيم فجر يستشرف أسعد ما في الغد..) الديوان ص9 ، هذا الزمن بأذرعه- الماضي والراهن والقادم - المتأبي عن التمظهر الخطابي الزمني الفاضح، وإن حاول الشاعر أن يتلاعب بزمنيته فإن الحرف سيشي بكنهه؛ ففي نصوص عبد الرؤوف بابكر المتمردة تبرز التفاعلية القومية في رؤى الشاعر وهواجسه محققة اطرادها، الذي لا يمكن له أن يتكرس من دون الإحساس به من طرف خفي على خط الزمن الموضوعي؛ وهو الأمر الذي يمكن الزعم بأنه قد تحقق من خلال مساقين: الأول المناص الزمني الخارجي، أما الآخر فهو مساق البعد الزمني لبنية عناوين النصوص:
1- المناص الزمني الخارجي:
يؤرخ الشاعر مقدمة الديوان في 1/4/1988 ،بينما يؤرخ نشره في مارس 2007 ، ما يعني بأن تسعة عشر عاماً ستكون هي الفضاء الزمني لحركة الحروف والهواجس والرؤى، لكن هذه المساحة تمارس تمردها على التمظهر،مداً وانحساراً فأمام تاريخ التقديم: يتسع زمن كتابة النصوص، يدخل دائرة المجهول بشكل مقصود من قبل الشاعر، الذي رفض تأريخ إنجاز قصائده على خط الزمن الموضوعي، أما على صعيد تاريخ النشر فإن المساحة الزمنية ترتعش وتتردد حول تحديد تاريخ كتابة النص الأخير، مفسحة المجال لحركة النشر التي لا تتناغم - في الغالب- مع طموح الأديب في تحديد توقيت وصول نصه إلى المتلقي.
2- زمنية العنوان:
تحمل عناوين بعض القصائد مؤشراً على تشكل الزمن وموضوعيته؛ من خلال حداثية العنوان وهو ما يتجسد في عناوين من قبيل:
- عولمة.
- رسالة عبر الإيميل.
- رسالة عبر المحمول.
- رد برسالة قصيرة .
- رسالة مني قصيرة .
حيث تشبع العناوين السابقة شيئاً ما من نهم القارئ الساعي إلى ترهين النص زمنياً، باعتبارها منتمية إلى منظومة مصطلحية حداثية، تحمل ملامح فترة ما بعد الحرب الباردة، أو هي نتاج ثورة المعلومات البعيدة نوعاً ما عن الفترة السابقة لتاريخ التقديم، والقريبة جداً من تاريخ النشر؛ هذه القراءة الترهينية لا يمكن الإدعاء بأكاديميتها بل هي في دخيلة القارئ المطلق؛ ومن ثم يمكن الزعم بأننا أمام مساحة نصية مترجرجة، منفتحة، مكثفة، عميقة، متمردة، باحثة عن خلود الحرف والهاجس والرؤية، ومن ثم خلود النص؛ ذلك أن المكان العروبي المطلق والجرح الأزلي يرفضان التحنط عند لحظة محددة أو الوقوف عند محطة بعينها.
ما سبق يفرض على الشاعر أن يجعل نفسه على أهبة الاستعداد لمواجهة نهم القارئ للترهين، من خلال لعب الشاعر على عصا التوازن بين الهاجس والرؤية الذاتية من جهة؛ وهاجس ورؤية المتلقي الموضوعية المنفتحة من جهة أخرى؛ ليتحرك الحرف باتجاه الخلاص من أسر اللحظة، وبناء عالمه القابل للديمومة في الزمان والمكان، وهنا يكمن السر في خلود تلك الأعمال العظيمة التي استطاعت تجاوز حدود الترهين محققة إسقاطها وإشعاعها اللامتناهي. في المقابل يبقى التساؤل المشروع الذي فحواه : من أعطى تلك الأعمال ديمومتها و همش غيرها ؟؛ لاشك في أن السياسة تلعب دورها في كتابة التاريخ لكنها لم ولن تفلح في تخليد الأدب، وإلا فأين مكسيم جوركي أمام مد تولوستوي وديستوفسكي، وهل دار في خلد البحتري بأن متوكلياته ستخبو جذوتها أمام قوله: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً، الإجابة في غاية السهولة والتعقيد على حد سواء، اختصرها بيرسي لوبوك في كتابه صنعة الرواية عندما تحدث عن سر خلود الأعمال الروائية العظيمة ممثلاً للأمر برواية الحرب والسلام، معتبراً أن سر عظمتها إنما يكمن في استطاعتها نقل مشاعر الناس أثناء الحرب، لتصبح لندن إبان الحرب العالمية الأولى متماهية مع موسكو إبان الحرب القيصرية، إنها تلك الأبدية التي تنقل الأديب من خانة تأريخ الحدث إلى دائرة البحث عما بثه ذلك الحدث من هواجس وأحاسيس لا يمكن أن تكون حكراً على جنس بعينه، كان هدف تولستوي هو تجسيد الإحساس الإنساني أثناء الحرب أكثر المعابر وحشية باتجاه الموت، ما طرحه لوبوك يمكن التعويل عليه في رصد سر خلود تلك الأعمال مجهولة المؤلف أو معلومة المؤلف (الخرافات – الأساطير – الملاحم – السير – الحكم - الروايات – المعلقات..).
ما قاد إلى هذه المحصلة هو ذلك الإحساس الذي راودني وأنا أتصفح سفر الشاعر عبدالرؤوف بابكر السيد؛ فصدمة القراءة الأولى لم تتمكن من تجاوز القصيدة الأولى في الديوان والمعنونة بـ ( وترية الهاجس والحرف) الديوان ص11؛ التي أزعم بأنها تتمتع بخصوصية ما عند الشاعر، ولهذا الزعم ما يبرره؛ فقد كانت قراءتي الأولى للنص في الديوان هي الرابعة خلال الفترة من 2005- 2008 ، القراءات الثلاثة السابقة جاءت من خلال التلقي عبر فضاء الاستماع من الشاعر مباشرة؛ في ثلاثة أزمنة وثلاثة أماكن مختلفة، القراءة الرابعة ممثلة في اختيار الشاعر باب الصدارة لها في الديوان يكرس الإحساس في أن لهذا النص عند عبدالرؤوف بابكر ما يعادل إحساس الشاعر عندما تصبح قصيدته في مقام المعلقة؛ فهي – بلا شك- ستكون الأقرب لتجسيد الهواجس والرؤى عند الشاعر،ومن ثم امتلاكها القدرة على احتواء الزمن، إنها كلمته للتاريخ، التي يظل إعلان ميلادها معضلة تواجه الشاعر؛ فلكي يتحقق ميلاد المعلقة لابد من عبورها بوابة التلقي، أن تفرض كينونتها من غير إكراه؛ وهنا تعود الذاكرة إلى ذلك الشاعر الذي يعبر الفيافي بذاته أو عبر راويته باحثاً عن تداولية تحقق للنص مبتغاه في أن يكون معلقة، منتقلاً به من المثالية الذاتية إلى دائرة البحث عن المثالية الموضوعية؛ عن سوق التلقي؛ عن عكاظ فضائها التداولي، الذي تحدد عند متلقي هذا النص – صاحب هذه الورقات – في أربع محطات عكاظية كان شاهداً عليها، بينما يظل عكاظ القصيدة الوترية منفتحاً على التعددية عند الشاعر منذ صياغة القصيدة وحتى وصولها إلى الكتابية الأبدية في مفتتح الديوان.
بحثاً عن عكاظ..!
عكاظ الأولى:
عكاظ الأولى كان في سبها وتحديداً في العام 2005 ضمن احتفالية تكريم الروائي العالمي إبراهيم الكوني؛ يومها كان اللقاء الشخصي الأول بالشاعر ، في تلكم الاحتفالية العكاظية وقف على المنصة يشدو بمعلقته (وترية الهاجس والحرف) بتساؤلاتها الجمعية الوجودية المصيرية الهادئة الصارمة:
ما بال الهاجس
يوغل بين مسام التربة يكتب فينا كيف نكون
نتعلم كيف؟
وفيم؟ علام؟
وأين نكون؟
من كنت تكون
من كان يكون
فالغربة عالقة ..تملأ فينا البعد..العمق..
النفس..اليوم..الأمس..فكيف نكون؟ الديوان ص11
لم يكن عكاظ يومها كما أراده الشاعر ، كان فضاء التلقي مشحوناً غير منسجم، المطر نزل في سبها وسط ذهول زوارها الذين خاب أملهم في أن يجري التكريم وسط أجواء صحراوية نموذجية كالتي قدمها المحتفى به في روائعه الخالدة، إضافة إلى اختصار برنامج الاحتفال في يوم واحد بدلاً من يومين، أما الجمهور فقد كان هجيناً؛ أمريكيون وروس وبولنديون.. ونقاد من الداخل والخارج كثير منهم هواة السياحة الثقافية، وزراء ورؤساء جامعات، وجمهور بعضه جاء ليرى الكوني، وآخرون كافرون بالشعر..، الضجيج واختلاط الأجناس جعل الشاعر يقاوم اللحظة ليأسر الحضور، أطلق أعيرته تدفقت كالمطر المجنون، انتفض الجسد الهزيل، الصوت الرخيم أبرق وأرعد؛أضحى شيخاً أخذته نشوة الجذب في الحضرة، فارساً يمتطى صهوة فرسه الجموح، كاشفاً للجموع عورة الأمة ونهاية نفقها الطويل، ناصحاً واعظاً كقس بن ساعدة باكياً مولولاً كما الخنساء، مغترباً كما السياب تائهاً بلا مرفأ كبقية السرب: محمود درويش، وأمل دنقل، وعلي الفزاني:
قد بدد حرفك روحك في هذا الكون
فماذا بعد؟
وفيم البعد؟
وأما بعد..
ولما بعد..
نصارع لجتها الكمد.. الأمد..
الأبد الساكن فينا الديوان ص12، 13
الخروج إلى الفندق سمح لي بسؤاله عن سر ذلك التناقض بين الإنسان والشاعر، الهدوء الذي انقلب عاصفة هوجاء، الصراخ، العويل، الترهيب والترغيب، الانكسار، الأمل، كيف يخمد كل ذلك في لحظة واحدة حيث العودة والانفراد مع الذات وسيجار الروثمان بعلبته الفاخرة، التي تغريني عند عبد الرؤوف فقط بالعودة إلى تلك العادة السيئة من جديد، أجابني وأعتقد بأنه كان مجاملاً وربما مقتضباً بصدق حدسي، أما أنا فقد أحسست بشيء من عقدة الذنب بعدم إكمال التساؤل، هل كان الهدوء وسيجار الروثمان بعد إلقاء المعلقة العكاظية نوعاً من إظهار خيبة الأمل من فضاء التلقي في ذلك اليوم؟!
عكاظ الثانية:
حمل معلقته هذه المرة ميمماً شطر خيمة الشعر التي نصبت هذه المرة في سرت وتحديداً في احتفالية مجلس الثقافة العام في ندوته حول حرية التفكير وحق التعبير في العام 2006 ، كان الجو مهيأً لليلة شاعرية مميزة؛ في قاعة الوفاء حضر الشعراء من داخل الوطن وخارجه، تعطر الليل بهطول المطر مدراراً، المرأة ملهمة الشعراء كان حضورها طاغياً روحاً وجسداً، أما أعداء الشعر فقد فعل المنظمون خيراً بأن فتحوا لهم أبواب المقهي في بهو القاعة ،كان تفاعل الحاضرين مع المعلقة أفضل من عكاظ الأولى، لكن هواجسه لم تلق الصدى المتوقع؛ فقد كان طابور الشعراء طويلاً، وضغط المنظمين على الوقت كان عسيراً، ومزاج الجمهور كان هروبياً باتجاه سماع أشعار الكأس وتأوهات العاشقين :
ومنذ قرون..
ونحن الصرعى للأفيون،
وقرص (الجون)
وحملة (نابليون)
ومقالة (مستر جون)
وآخر مبتكرات (البنتاغون)،
وال (C.I.A)..وال(B.B.C)
وال(K.J.P) وعيون حبيبي..
والهيبي البدوي التائه في صحراء ملاهي (بون) الديوان ص14

عكاظ الثالثة:
في العام 2007 وفي غريان كان الموعد الثالث في رواق المؤتمر الأدبي الأول الذي نظمته جامعة الجبل الغربي بالتعاون مع نقابة أعضاء هيئة التدريس الجامعي، لم تكن الأجواء مهيأة لسماع الشعر فارتفاع غريان عن سطح البحر لم يشفع لها مع قسوة الصيف ليصل الجو إلى حد الاختناق هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد كان على الشاعر أن يبذل جهداً مضاعفاً لاستمالة مزاج القاعة الذي هيمنت عليه سلطة الموزون المقفى، ليلتها انسحب رواد قصيدة النثر طواعية وقسراً تعرضوا للاستفزاز إيماء وجهراً، بينما اشتعلت الحواس مع الموزون المقفى، الذي تغزل في مفاتن حواء، وقرع طبول الحرب بإيقاعه المختزن في الذاكرة الجمعية من (ألا هبي بصحنك فاصبحينا ) إلى (وناب عن طيب لقيانا تجافينا)، صعد بمعلقته الوترية الموتورة في عكاظ الأولى والثانية، اخترقت أسطرها الأولى حصون المحافظين، وخنادق المجددين بشيء يشبه الشعر لكنه الشعر، بلا وزن ولا قافية لكنه بوزن وقافية، إيقاع سريع النبضات لكنه واثق الخطوات، خطابي ومباشر لكنه عميق كما الوشم على الجسد، حرارته بين الدفء والغليان تصهر الجميع ببطء داخل براح الشاعر؛ الذي أمسك اللحظة بإتقان، لقد ولدت للحظة المعلقة الخالدة، تبلور العكاظيون متعددو المشارب حول فيئها، أعاد الرؤى والهواجس من رومانسيتها إلى قلب الرحى؛ ليندمج الجميع مع قافلة الموتورين، ويتحول النص الثمانيني إلى نص أبدي يجلجل في الألفية الثالثة بلغة كل الآباد والعصور:
من عمق مسام التربة
هبت،كل جذوري من مرقدها..انتفضت،
لتلاحق بالأنفاس حروفاً مثقلة برماد الحزن المجنون..
هتفت.. وتهجت:
حرف الواو..
وحرف الطاء..
وحرف النون. الديوان ص16
حفر الحرف الروح، ليس الوقت وقت الجواري والخمر، وليس وقت التغني بغابر البطولات، ولا وقت الرموز والغموض والأحاجي الشعرية؛ إنه زمن الانجذاب تجاه المكاشفة :
والحرف شقيق الروح..
فكيف تخون الروح التوأم فيها؟
كيف تخون؟
لما هزم الحرف.....هزمنا
كان النظر أمام جدار الوهم كسيحاً،
لما شرده الخوف،
الجسد المتعب كان مسيحاً..
لما ذبحته اللهجة،
قمنا نبحث عنه فكان الروح جريحاً،
وفضاء الفرقة فينا كان فسيحاً.. الديوان ص22
حول الأمة المكلومة أفلح الشاعر في جمع الشتات، ومسح الغبار عن نظارات الحاضرين الوردية، ووضعت وترية الهاجس والحرف الجميع في قافلة واحدة الخروج منها يعني الضياع، والسكوت على ما يجري بداخلها هو الهلاك، يومها كان ملك الشعر المتوج، لم يكن مكتئباً ولا محبطاً كما حدث في عكاظ الأولى والثانية، كان في قمة النشوى؛ فقد تحقق للمعلقة عكاظها، بدا واثقاً من صدق نبوءته بأن الحرف شقيق الروح القادر على اختراق جدار الفناء الرهيب، أضحى الحرف الماضوي ابن اللحظة؛ ابن اللحظة بل ابن كل اللحظات المعبر عن عبثية الواقع:
أضحت ليلى إلسا
والمجنون هو المجنون
نيرون تجدد فينا
والسجان هو المسجون
دخل القصر ..
صعد العرش..
احتل الكرسي الملكي تربع عند السدرة
قال بصوت ناهٍ آمر
ما شئت وما قررت يكون. الديوان ص32
عكاظ الرابعة:
عكاظ جديدة أكثر ثراء وغنى جسّدها بإصدار ديوانه الحروف جاعلاً وترية الحرف درته المصون، أخرج نصه الأبدي ناقلاً إياه من شفاهية الروح والكلمة إلى عالم الكتابية، عابراً ومعبراً عن زمن ومكان جديدين قديمين، فأينما وليت وجهك ثمة جرح جديد الطاعن والمطعون فيه واحد، إنه الوطن في ديمومته؛ فالعكاظيون وإن تعددت سحناتهم كل في واحد؛ تائهون.. معربدون.. سلبيون.. لكنهم حتماً إلى صومعته عائدون:

نكون الرمل، نكون الحمل، نكون الشمل،
النخل نكون..الفعل نكون
نكون المرج، ومرجعيون،
عين الوادي، ووادي العين،
عين بن تيلي، عين السخنة، عين السفره،
نكون الجفرة، وعين فاكرون الديوان ص36
(...)
نكون الحد، نكون السد، نكون المد،
نكون سيوف الوطن..
الرد نكون..
الغصن نكون..
الحصن نكون..
ونكون العمق،نكون البعد،
نكون النفس، اليوم، الأمس، نكون.. الديوان ص37
إنهما الهاجس والرؤية وقد تطهرا من شعارات: العولمة، والتعايش، والتعاون، والتهاون، ومن ثم فإن أطنان القمح والقمع لن تفلح في سحق هذا الهاجس وتلك الرؤية المتحفزة للحظة الميلاد:
لن يهدأ هذا الهاجس ،
حتى يعلن فينا:
أن لاح الصبح،
انتصب الصرح،
انتصر الجرح،
الجرح الغائر منذ سنين..
لن يهدأ هذا الهاجس،
منذ توغل بين مسام التربة..
حتى يكتب فينا:

كيف نكــــــون الديوان ص38


.

إقرأ المزيد Entry>>