السبت، 10 أكتوبر 2009
الجمعة، 9 أكتوبر 2009
قراءة[الكوني] في ديوان النثر البري
عبد الرؤوف بابكر السيد
الأستاذ المشارك .. كلية الآداب .. جامعة التحدّي
(تمّت المشاركة بها في ندوة حول (أدب الصحراء) التي عقدت بجامعة سبها في 26. 11. 2005 )
مقدمة:
الصحراء .. هذا العملاق القابع في وسط القارّة ، ليس أرضا خلاء ، بل لها أهلها وساكنوها ومبدعوها .. شكلت منذ القدم حلقة وصل بين شمال القارة وجنوبها .. مهيبة رهيبة ، مرعبة لمن لم يعشها أو يعايشها ، استعصت قراءتها على المستفرقين والمستشرقين على السواء، فظنوا أنها عازل وفاصل ، ولم يأبهوا بها كثيرا .. بل عندما شقّت عليهم وكانت طرقها ودروبها لا يعرفها إلاّ أهلها وأبناؤها .. حوّلوا طرق التجارة عنها إلى مسالك أخرى......
. وفي قراءتنا لأدب الصحراء نكون قد وثقنا وكشفنا وأبرزنا للعالم حقيقة واقعنا الذي يجهله أو يتجاهله، وعليه أن يعيد دراساته من جديد حول الأدب الأفريقي الذي يشمل الصحراء ، كما يشمل شمالها وجنوبها. ونكون قد أبرزنا الخصوصيّات الثقافيّة أو السمات والملامح المحلّية . ونكون من جهة أخرى قد ربطنا بين البيئة والأدب برباط وثيق تسندنا نظرية الأدب من أن الإنسان ابن بيئته ، ويدعمنا في القراءة المنهج الاجتماعي من حيث أثر البيئة في الأدب.
لكن دعونا نتساءل أيمكن أن نسقط على كل الصحارى في العالم ما يمكن أن نتوصل إليه من سمات وخصائص؟ أيمكن أن نطلق على الأدب العربي قبل الإسلام بأنه أدب الصحراء؟ ألم يقدم لنا أدب صحراء الجزيرة العربية قبل الإسلام انطباعات حسّية ووصفا خارجيّا للمشهد لا يخرج عن التشبيهات ووصف المنظور الطبيعي في تشابه لم تخرجه عن الملل إلا قراءات النقاد والدارسين؟ هل قدّم لنا أيّ أدب في أيّ صحراء عمقا فكريا ورؤية فلسفيّة للحياة مثل ما قدّمه لنا المبدع (إبراهيم الكوني) عبر مفردته الشاعرة؟
إن الأديب في الصحراء قارئ بامتياز، إنه يحلّل ويقرأ صفحات مكتوبة من إبداع الصحراء. الصحراء هي الأديب والمبدع هو القارئ . الصحراء نص يدعوك لقراءته، فلا يقرؤه إلاّ مبدع، ثم يأتي دورنا نقرأ قراءة المبدع له. إنها لا تكتب أدبها في بنيها بل يقرؤه بنوها قراءة قد ترتقي بها وبالحياة فيها.. وقد تدفن رمالها ما يكتب عنها.
الذي يعرف سرّ الصحراء هو من يبدع في القراءة، فيقدمها لنا . والقراءة فن إبداعيّ تخضع لبنية الوعي التي يحتازها الفرد، بنية الوعي الخلاق وحدها القادرة على القراءة الإبداعيّة. إذا أخذنا بأن المعرفة هي ناتج علاقة الوعي بالوجود، فإن القراءة ناتج علاقة الوعي بالإبداع.
كثيرون ينظرون إلى الصحراء ، إلى هذا الجفاف، هذا العراء ، هذا الموات الذي لا نبت فيه ولا خضرة ولا حياة، فكيف يكون فيها أدبا نابضا ، حيّا ، فاعلا.
سأعرّف أولا ـ وأنا أقرأ أدب الصحراء من خلال (الكوني) في ديوان النثر البرّي(1) ـ بمنهج القراءة الذي انتهجته، ثم التأمل لدى ابن الصحراء ، وعبقرية المكان .. وعمق الرؤى السماويّة في الثنائيّة وثالوث المقابلات .. بعده أتناول معنى الضياع والعزلة والحياة في (الفخ)، وسر كراهيّة أهل الصحراء للشبع واستنطاق الكائنات في العمامة الزرقاء، وأسطورة الصحراء والجمل، ثم الاعتزال والانعتاق والحرّية كقضيّة فكريّة هامّة جدا وشائكة من بين الأعشاب الشوكيّة في هذا النثر البرّي.
ولن أبعد كثيرا وأنا أتلمس الأفق الأفريقي في قراءة (الكوني) واستعباد البنية وأخطار الحرّية وثمنها ، أنتقل أخيرا إلى فاعليّة البنية اللغويّة ، ثم نرتّل سويا بعضا من مقولات الديوان، متلمسين خصائص وسمات أدب البرّية أو أدب الصحراء من خلال هذه القراءة.
منهج القراءة :
لم تعد القراءة الخارجية للنص ولا قصدية المؤلف هي المحور الأساسي للقراءة النقدية المعاصرة ، فالجوهر الذي أعلا من شأن النص ومنحه الأدبية هو تصديره الفاعلية للمتلقي .. والقراءات المتعددة هي التي تكسبه ثراءً وتجعله أكثر خصوبة ..
ففاعلية المبدع وفاعلية النص يتم تلمسها واكتشافها من خلال فاعلية القارئ، والفاعلية هنا تعني البنية التي يحتازها المبدع أو يصدرها النص أو يقرأ من خلالها المتلقي . سواء أكانت بنية وعي تناسلي أو برجوازي وكلتاهما بنيتا وعي قصور أو بنية وعي خلاق وهي بنية مفتوحة يعي الإنسان نفسه من خلالها كائناً محباً ومبدعاً ومعطاءً مهمته أن يثري الحياة بالمعنى الشامل لهذه الفاعلية .
ويتكئ منهج القراءة المستخدم على مقاربة التحليل الفاعلي(2) الذي يعتمد على تركيب لعقل الإنسان من حيث النواة التوليديّة التي تحدد له وعيه بذاته، ومن ثم دوره في هذه الحياة وفاعليّته. حيث تتكون البنية من وجدان (جملة العواطف والمشاعر والقدرة على الحب) وجنان (القدرة على الفهم والاستدلال والتحليل) وذات ( وعي البنية لذاتها) . غير أن هذه البنيات تختلف في وظائفها بناء على طبيعة المرجعيّة النهائيّة لكل بنية . فبنية العقل المغلقة(وجدان مغلق) إذا كان برنامجها للعطاء محدود يقصر عملية الحب والعطاء في دائرة ضيّقة تشمل الشخص وأسرته وربما عشيرته أو طائفته. وتكون بنية العقل مفتوحة إذا كان برنامجها للعطاء مفتوحا يحقق الإثراء الشامل للحياة. في هذا الإطار يعتبر التحليل الفاعلي كلا من بنية الوعي التناسلي ، وبنية الوعي المادّي بنى مغلقة ، وأن البنية المفتوحة الوحيدة هي بنية الوعي الخلاّق. ويخوّل انغلاق بنية العقل إقصاء واستغلال واضطهاد كل من هو خارج الحدود الجغرافيّة لبرامج عطاء البنية. ويتم ذلك عادة بحجة التفوّق الدينى أو اللغوي أو العرقي أو الحضاري .. من خلال الادعاء بامتلاك الحقيقة.(3)
وعي القصور الكامن في التعصب والانحياز للذات وادعاء امتلاك الحقيقة والاستعلاء على الآخر يتجسد في بنية الوعي التناسلي أو البرجوازي في حين أن الوعي المفتوح المنعتق من أسر البنى المغلقة تتألق به بنية الوعي الخلاق لدى الفرد ولدى المجتمع .
وسنحاول من خلال هذه المنهجية المنطلقة من تعريف الإنسان بأنه فاعلية يثري الحياة باحتيازه لإحدى هذه البنى ويعي نفسه والحياة من حوله من خلالها أن نقرأ إحدى نصوص المبدع ( إبراهيم الكوني ) متلمسين الفاعلية بين شخوصه منقبين عن البناء اللغوي والأسلوبي كاشفين عن ( تنازر ) تنازع أو تآزر بنى الوعي ، قارئين لفاعلية النص أكثر من شرحنا لقصدية المؤلف(4) . باعتبار أن النص الأدبي هو بنية فاعلية لغوية تخيلية وهي أخصب وأثرى وأكثر اتساعاً من بنية الفاعلية الواقعية ..
الكوني والتأمل الكوني
حمل الصحراء في قلبه وهاجر بها .. وفاء منه لها وبحثا عن واوها سعى لاختراق مسامها وتطلع لأفقها وجذب عشقا بها فطوع الحرف لها بعد أن أخذه التأمل فنقلها من منفاها إلى العالم .. اختصر الطريق على من هفا قلبه لها .. وأراد أن يقوم بجولة سياحية فيها .. قرأها لهم قراءة أعمق وصورها لهم تصويرا أدق .. فوجدها العالم في ( ديوان النثر البري ) الذي فاق (ديوان الشعر العربي ) وصفا وقراءة ومساءلة وتأملا في أسرارها وسحرها .
زرنا معه المغارات ، ورأينا ما أزاح ( اخنوخن ) عنه التراب والأملاح والطين. وجدنا وجوها محفورة في الحجارة وجموعا محفورة في الصخر وشاهدنا رسوما ملونة لرجال مردة يرتدون أقنعة ، يطاردون حيوانات اختفت من الصحراء ، وخيالات الجن على الحجر .. مخلوقات منحوتة بفن بديع على صخور الكهوف .. وتعرفنا على أعشاب الصحراء وأشجارها وحيواناتها فكانت بحق فردوسا تجري في وديانه سيول خالدة .. اقتربنا كثيرا من خــلال (الكوني) من أهل الباديات .. وأهل الخافيات .
من هنا كانت فاعلية المبدع وهي تتجلى في اكتناه المجهول الصارم .. كوكب الصحراء كوكب آخر له أهله وطبيعته وطقوسه وكائناته الحية منها والجامدة . عالم يجهل العالم ماهيته ويتعامل معه بحذر ورهبة وخوف .. كان سهلا على المبدع وهو ابن من أبناء هذا الكوكب وهذا الفضاء أن يغوص فيه فكرا ووجدانا وأن يترجمه بيانا بكل جلاله ورهبته وقداسته وجماله وامتداده واتساع آفاقه.. وتبدت لنا علاقات الفاعلية في كل شاعرية الديوان من حيث الجدل والحوار والوضوح والأسرار .. الشخوص في نصوصه لم تغفل الضب والودان والغزلان والرتم والثعبان والروابي والكثبان والجن والإنسان والقبلي والسراب والشقاء ،والحكمة والبيان.
مزج ( الكوني ) اللغة الصوفية بالحرف الباحث عن الحقيقة والمعرفة . وتجلى العشق في الوجد الصوفي القارئ للعرفان بلغة الإشراق ..
تلك أهم قسمات هذا الديوان الذي حاور الفناء والشقاء في نغم أسطوري، واختزل الصحراء بوديانها وسهولها وكثبانها ورمالها وواحاتها .. لقد منح الفناء حياة جديدة . إنه ابن الصحراء أبى إلا أن يكون وفيا لها ولكن على طريقته التي كان لابد له فيها أن يفجر قضايا إشكالية فكرية عميقة تتنازر فيها بنى الوعي لدى شخوصه .. بما في في ذلك الضب والودان .
العنوان وعبقرية المكان
تتمثل مفاصل الديوان في الشاعرية النثرية ، والنثرية البرية ، والتأملية الكونية وعالم إبراهيم الكوني .. استحقاقات العنوان تأتي من كونه مليئا بالشاعرية والصور الفنية والمفردات الغنية بالدلالات والتراكيب الحبلى بالثراء الفني ..
العنوان يحمـل عبقرية المكان وفاعلية المبـدع ، فقـد كسر أفق التوقع من مفـردة (ديوان) حينما تمددت فيها مفردة (النثر) غطاء ينتشلها من المألوف ثم كسره مرة أخرى حينما تمددت مفردة (البري) فاكتسب صيغة فنية حاملا جذبا صوفيا وبلاغة بيانية وأسراراً جمالية .. لقد تجاوز به الكوكب الفريد إلى كل الكواكب والأمكنة ليس وصفا فحسب كما هو في ديوان الشعر العربي القديم بل بنية تكوين كوني امتزج مع الطبيعة ليغني وجودا حرا عكسته شخوص الديوان وشخوص الكوكب وكل البشر العاشقين للحرية والفضاء والامتداد . المتمردين على القيد أرضا وعطية وامرأة.
كما حمل الديوان شاعرية النثر الذي ينتثر في البرية كنجومها .. فالشعر كما ورد على لسان العراف الحكيم هو : " لغة المجهول وصوت الحوريات وتميمة الجنيات وشكوى القبلي وسر الترفاس وإيماءة الزهرة في شجر الرتم . وبدون الشعر لا يستطيع الصحراوي أن يقهر السراب المتآمر مع الأفق ..
ها هي عبقرية المكان تترجمها فاعلية المبدع حين يتواصل الموال الشجي الحزين حيث :
يتوقف السراب عن العدو
يتراجع العراء ..
يقبل الأفق ..
تقترب السماء من الأرض ..
ويسكت الكوكب الصحراوي لينصت ..
أما عندما يتوقف الموال فـ :
يهرب العراء من العراء
يتوالد الأفق من الأفق
يركض السراب ويتلاعب بلسان اللؤم والسخرية
تبتعد السماء في الفضاء
وتهرب الصحراء من الصحراء
وتلبس المتاهة قناع القساوسة الصارم .
كما تتجلى عبقرية المكان على امتداد مساحة الديوان ، وهو يقدم الإنسان الصحراوي بفكره وفنه ورؤاه ، بحبه وعشقه ووجده ، فيصف المسـرح بأدق تفاصيله :
فالصحــراء تتمدد
والعراء الفسيح قاس لا ينتهي
والأفق لئيم لا يستسلم
والبرزخ ممدود
والسراب يمد لسانا لعوبا
ـ لا يتوقف عن الغمز والتغنج والإغواء
والخلاء مكابر
والسماء جرداء صارمة
والسحب عزلاء تائهة
لذا كان الصيام عن الكلام ، والمساحات الهائلة من الصمت متاحة للتأمل الغياب في السكون والثبات فوق السرج ، والسفر مشدودا إلى الأفق العنيد غير عابئ بدعابات السراب .
هذه العبقرية التي تجسدت في الصمت والسكون والهدوء والمهابة والجلال والمدى تقاطعت مع فاعلية المبدع الذي طاف وتنقل من كوكبه وبكوكبه إلى كوكب المدن خلال كتابة ديوانه ( الدار البيضاء ـ موسكو ـ ليما سول قبرص ـ طرابلس ـ مالطا ) ليعكس لنا الاختلاف في الكوكب بين الصحراء وأهلها والواحات وسكانها وكيف لسطوة المكان أن تشكل الإنسان وفق لونها وشكلها ومدها وجذرها وفكرها وحرفها حاملا لها بين العواصم والمدن ، عارضا لمعرضه الفني ، قارئا لديوانه البري ..
في الديوان نجد بعض الأشواك البرية التي كفانا الكوني قسوتها حيث حملت مفرداته الشاعرية بذور الحب والعشق لينثرها في الكون كله .. نحب معه الصحراء ويشدنا إلى ساكنيها لنعشق كما يعشقون حياتهم العميقة الواسعة والممتدة في أفكارهم وأساطيرهم وشرائعهم ورؤاهم وإبداعاتهم ..
كما نجد أشواكاً صوفية غرسها في الديوان رابطا بين الصوفية الخروج والصحراوية الخروج والزهد الصوفي والزهد الصحراوي .. من خلال الأرض التي يرفض الصحراوي أن يصبح عبدا لها وعبدا لعطاياها .. والبدن الذي يرفض الصوفي أن يصبح أسيراً له ولغرائزه ..
لذلك شكل الخروج والزهد وعشق الحرية قاسما مشتركا بين الصوفية وأهل الصحراء .. كذا التمرد على ما استقرت عليه عادات الفكر المألوف الأرضي بل وما خطه الشرع السماوي .. فيما يتعلق بالاقتران بالمرأة .
( هذا الوحي السماوي الوحيد الذي على الإنسان أن يكفر به ) وبين شريعة الواحات وعقيدة الصحراء نجد الاختلاف الذي يشكل تقاطع علاقات الفاعلية في النص والحوار الذي يمنحها بعدا للنماء والتفاعل .
الثنائية وثالوث المقابلات في وطن الرؤى السماوية :
يعكس ديوان النثر البري قضية فكرية جامدة وجامحة في الوقت ذاته جمودها يأتي من الثنائية والاختلاف المقابل للحياة والموت ، للتدفق والثبات للحيوية والجماد .. ومن أصوات النطق في الأبجدية وغيرها .. وأما جموحها فقد عالجه الكوني من خلال خطابه للزمن والوطن ومحاورته للأساطير ومعانقته للنصوص الكونية التي تكتب الحياة دون أن يقرأها أحد ..
هذا الجموح للحركة والسكون يأتي من كون الحركة لها دلالتها والسكون نقيضها له دلالته كذلك .. الحياة لها دلالتها وفاعليتها والموت نقيضها له دلالته أيضا . الكلام بحركته له دلالته والصمت بسكونه له دلالته كذلك . فكيف بحركة الصحراوي الدؤوبة ، والتنقل والخـروج والسفر والترحـال والبحث الدائم في الصحـراء عـن ( واو ) البعيدة بعد كانو والأقرب من حبل الوريد. الحركة المتمثلة في الصحراء بدلالتها المليئة بالحيوية والفاعلية والحرية والسكون المتمثل في الواحة المستعمر للأرض والمستعمر منها بما يحمل ذلك من دلالة استقرار وإنتاج وإعمار ..
كلاهما يجعل النص زاخرا بعلاقات الفاعلية .. تلك التي تمددت بين البادية والريف بين القرية والمدينة بين الشرق والغرب .. ورغم بعض التداخل في بنى الوعي الذي فرضه هذا التمازج والتواصل بين البني خاصة تلك البرجوازية إلا أننا نستطيع أن نتلمس علاقات الفاعلية في هذا الفاصل الممتد بين برزخ الصحراء وأفقها وبين الانتماء إلى الأرض والسكون إليها في الواحة .بين بنية وعي مفتوحة تتوق إلى: الحرية وتتأبى على القيد والعطية والأرض وحتى الاقتران بالمرأة ، ـ ليس لشئ إلا لأنه يشكل قيدا .. والإنجاب إلا إذا كان ذرية للحرية ، رافضا دفع الإتاوة ، ساخرا من الجذور إذا كانت جذور ذل .. كافرا بالسماوي إذا حد من حريته .. متمثلا النبل والشجاعة والقوة باحثا عن الحكمة عاشقا للأفق .. محاولا الكشف عن المجهول.
الصحراوي هذا المتمرد التواق إلى كل ذلك يمثل قيم بنية وعي متمردة ليست هي بنية الوعي التناسلي الذي يسعى لإثراء الحياة بفاعلية التناسل (فالتناسل في الواحات ينجب عبيدا للأرض) . والبقاء في الواحة لاستثمار الأرض يدفع به إلى اكتناز الثروة ومن ثم يقصيه إلى بنية الوعي البرجوازي الذي يرى فيها ذات القصور .. فلا التبر ولا التراب ولا المرأة ولا الإنجاب .. كل ذلك لا يلبي طموحه ، ولا يجسد فاعليته فاعلية الحب والإبداع والعطاء والحرية والأفق ..
أي بنية وعي يحتازها هذا الصحراوي الرافض لدفع إتاوة الحياة قيدا كان ذلك بالأرض أو المال أو ارتباطا بالمرأة وإنجاباً للذرية .
إنه يبحث عن ذاته وعن وطنه السماوي (واو) البعيد بعد كانو والأقرب إليه من حبل الوريد .. يبحث عن فاعليته في هذه الحياة بالخروج والخروج دائما .. بالترحال والترحال والسفر .. إنه في برزخ العراء وفي برزخ بين بنى الوعي .. البني القاصرة التي يتمرد عليها والبنية المفتوحة التي يتوق إليها .. تجذبه بنية وعي القصور بهذا التعصب ، وتجذبه بنية الوعي الخلاق بتعلقه بالأفق الممتد ..
هذا الأفق ( الذي تراه البنية القاصرة ) صديق السراب يتهامسان ويتآمران ويرتبان المكيدة .. يتعلق به باحثا عن المجهول مستكشفا لآفاق آخر متحديا لهذا التآمر وتلك المكائد . ولكن الحكيم حاول أن يخرجه من حزنه وأن يمنحه بعض الإشارات الضوئية المعرفية التي تنير له الطريق وتخرجه من هذه العتمة وتفتح له أبواب الأفق وتحسم له هذا النزاع بين القيد الوجودي والتوق الصوفي .
بين هذه الفاعلية المحدودة الأثر القاصرة وتلك الفاعلية الممتدة التي تعطى ولا تأخذ .. تمنح ولا تكتنز. بين هذه الفاعلية التي تتمتع بالحرية الكاملة وتلك التي تدفع الإتاوة وتقبل بالقيد تنازلا لمقتضيات الوجود .
هذا التنافر، هذا التنازع بين بنيات الوعي.. سعى الحكيم ..العرّاف ..النبي ( ليس الموحى له من السماء) سعى إلى تقديم هذه الإشارات من أجل أن تتآزر البنيات لدى هذا الصحراوي التائه فيختار بنية وعي خلاق تقارب الواقع .
لم يرده عن عشقه للأفق ، وحنينه للصحراء ، وعشقه للمجهول بل عليه فوق ذلك أن يحاول قول الشعر .. إنها دعوة للإبداع ثم اقترح عليه ( علام المجهول ) " الوجد نعمة أخرى أسقط في الوجد وارقص مع النغم " إنها دعوة للحب.
حتى شيخ الطريقة حدثه عن الحنين والمجهول والسراب والفناء والشعر والغناء ، ولكنه أكد له ضرورة الخروج للالتحاق بنعيم المعرفة ( فمن لم يخرج لم يجرب ومن لم يجرب لم يعرف ومن لم يعرف لم يشق ومن لم يذق طعم الشقاء لم يدخل باب الفردوس ) إنها دعوة للعلم والمعرفة .
وعندما قرأ الشيخ أفكاره قال له :( اعلم أن الداخل إليك لن يكون جليسك بحق ما لم يخرج من سجنه . من نفسه . واعلم أن الخارج منك إلى الدنيا لن يهتدي إلى السراط ويعرف ماذا يريد مالم يتحصّن بنفسه من السوي)
إنها دعوة لمقاومة النفس ومجاهدتها و(السوي) هنا ليس سوى تلك البنية السائدة التي تسّوي بين أبنائها بقوانينها وتحكمهم بأعرافها وتقاليدها وتلجمهم بضوابطها وتلزمهم بقيمها ومن خرج عن ذلك فليس بسوي إنه الجنون لديها .. والجنون فعل تحرير من إمبريالية وسطوة بنية الوعي السائدة ..
وعندما دعاه الشيخ إلى الخروج و المخالطة والمعاشرة ومعرفة الآخر ليعيش الحياة خرج إلى الناس و" لم يكن يعلم أن الأنثى هي الشرط الأول للخروج والزواج هو الإتاوة الأخرى التي يدفعها كل من أراد أن يعاشر الناس ويمارس الحياة " .
حرث الأرض وامتهن الفلاحة . اجتهد في عمله ففاز بثقة صاحب الأرض صادقه وزوجه ابنته الوحيدة . جاهد نفسه في الأرض ، وفي الناس سنوات أخرى .. تعلم معنى أن تزرع وتجلس في الكوخ منتظرا الإحسان من الأرض وعرف أيضا وجه الشبه بين المرأة والأرض"
وعندما " صمم أن يحطم القيد .. اكتشف أن المرأة تشده إلى الأرض بسلسلة أطول من السبعين ذراعاً .. أنجبت له الولد كي تستعبده بالنسل كما حاولت الأرض أن تستعبده بالخبز" جليُّ هنا وفق منهج التحليل الفاعلي أن كلاً من المرأة والأرض ليسا سوى هاتين البنيتين القاصرتين بنية الوعي التناسلي وبنية الوعي البرجوازي بما يحملان من خصائص .
ومادامت هذه حال الدنيا تصبح هاتان البنيتان بتنازرهما يفجران الكثير من الإشكالات والكثير من الصراعات ويزرعان الكثير من الشر بحكم تعصبهما واعتقادهما بأن كل واحدة منهما تمتلك الحقيقة وحدها. فقط في حال تآزرهما مع بنية مفتوحة يكمن الحل .
كان عليه كما أوضح الشيخ أن يعي أن الألم هو الحياة وأنه شرط الميلاد وشرط الوصول إلى بنية الوعي المفتوح .. وبنية الحب والإبداع والعطاء الشامل " فإذا لم يتألم الإنسان فقد مات غافلاً " وكثيرون أولئك الأحياء الأموات .. بينما البني السائدة (المغلقة) السّوية كما تدعى تقول العكس : " من مات بلا ألم فقد عاش حياته سعيداً "ولو كان الأسوياء يعرفون معنى الألم لما كانوا أسوياء .
السير أيضاً طريقة من طرق المجاهدة واكتساب الوعي : ( هاجر .. سر من الأرض .. وامض .. أعبر .. ولا تتوقف ).
وهنا دعوة للامتداد بالمعارف عبر مجاهدات الهجرة والتنقل والبحث والخروج لتفتح الأرض البكر أبوابها .. أرض الرؤى والسكينة .. وطن الرؤى السماوية .
( الفخ ) ومعنى الضياع والعزلة والحياة
بين شرائع الأرض وأعراف السماء شرعت عبقرية الكوني في قراءة الفردوس الأرضي " الكوكب الصحراوي " بتجسيد الأسطورة ومنحها دلالات تتوازي معها وتتقاطع مع عادات الفكر وتتباعد مع ما هو سائد وتتوافق مع الطبيعة بشكل كلي ....
نص "الفخ" في ديوان النثر البّري، نصب لي فخاً كقارئ وصدّر لي فاعلية (وتلك غاية الأدب) تمنيتُ أن أعيشها ولا أفصح عنها لولا عادة القراءة وهزَّ ما هو مألوف منها ..
استلقيت فترة بعد أن أكملت مطالعتها وبدأت في قراءتها فإذا بي أمام كوكب درّي كنت غافلاً عنه، وتلمست علاقات من الفاعلية لم أقف عندها كثيراً من قبل والتي كانت تختزل بعبارات وجمل تمحى سريعاً ولا تسترعى الانتباه إلا في مواقف تستدعي مضغ تلك الجمل أو التفوه بها :
.. من نصب فخاً لأخيه وقع فيه .
.. من حفر حفرة لأخيه وقع فيها .
.. إن الله يُمهل ولا يُهمل . الخ..
في الكوكب المترامي الأطراف (الصحراء) عالم من الكائنات اكتشف الكوني صلات القربى بينها لا انفصال هناك بين الحجر والشجر والجبل والوادي والجمل والودّان والإنسان والجان والسيل والسراب والروابي وحرارة الهاجرة والهجرة ... كل شيء في الصحراء يتألم ويفرح حتى الأرض الخرساء .. الحجارة .. ذرات الرمل ..
..الحطّاب يأخذ نصيبه من الخدوش لأن الحطب لا بد أن يأخذ نصيبه من معصمي الحطّاب قبل أن يحرق بالنار .. وإذا كان العود أخضر فتلك جريمة أن يقطعه الحطّاب ليتدفأ به .. إنه يعادل أكل الإنسان للحم أخيه الإنسان .
.." شجر حيوان إنسان .. نحن من صنع هذه الألقاب الغبية وما تسميه شجراً مخلوق مسالم لا ينطق ولا يتكلم ولا يبادر بسوء ولكن هذا لا يعني أنه ليس أذكى مني ومنك ومن أي إنسان " أجابت أم ( اخنوخن ) بيقين .
يبدو أن سكون الصحراء يجعل من الصحراوي يتلمس بحسه وسمعه كل حركة وبتأمله كل حقيقة غير عالمنا المليء بالضجيج والضوضاء والصخب والأضواء الأمر الذي لا يتيح لنا إرهاف السمع ولا يمنحنا مساحات للتأمل وقراءة ما تقوله كائنات الصحراء وما نشاهده من حيوانات أخرى بيننا .
في عالمنا غرور، اعتمد الإنسان نفسه المخلوق الوحيد على هذه الأرض، والذي سخرت له بقية الكائنات لأطماعه يعبث بها كما يشاء دون أي تواصل وجداني بيننا وبينها فالوجدان مات فينا غير ابن الصحراء الذي لا يعقل الطلح أو الودّان أو وصايا الأولين بعقله وإنما يحسُّها بوجدانه ويتحسَّسها ببدنه كذلك .
فالجمال حتى في الليل لها قدرة خفية على الإحساس بوجود أهل الخفاء حين تتوثب بحركة استنفار وقلق وتوتر وترفع رقابها في العتمة وتتلفت في عصبية .
..( الرجل النبيل لا يقيد جمله أبداً ) نصيحة على لسان الزعيم الحكيم .
فالجمل المقيد بعقال يمشي مسافات أبعد من الجمل الطليق ؟
الجمل المقيد يمشي إلي الأمام ليل نهار ولا يتوقف عن الحركة لأنه يشعر بالقيد فيحاول أن يتحرر من القيد بالتنقل بالحركة بالسعي المستمر إلي الأمام يصبح القيد هاجساً وجعاً سيفاً مسلطاً على الرقبة فيحاول أن يقهره بالسعي .. يجاهد بقطع المسافات في سبيل الخلاص.. يعبر الصحراء لينال في العبور الحرية.. الجمل المقيد يغفل حتى عن الكلأ الذي جاء من أجله.. يخترق الوديان الخضراء دون أن يتوقف.
يدخل السهول المفروشة بالعشب ليعبرها إلي العراء إنه لا يري سوى الأفق لأن حريته في المضي إلي الأمام وخلاصه في الأفق ولكن الأفق لا ينتهي إلاّ ليبدأ أفق آخر، فيجد الجمل نفسه وقد قطع مسافة خرافية بين يوم وليلة .. لأن الجمل لا يسعى وإنما هو في سباق جنوني مع الأفق مضى وقت طويل حتى فهم ( اخنوخن ) أن الرجل الحقيقي هو الذي يترك جماله ترعى في المراتع طليقة لأنها لن تحتاج في ذلك الحال لأن تسابق الأفق كي تتحرر من القيد . والثنى الطليق يستفز الجمال السجينة ويضاعف شقاءها بالقيد، وإذا تضاعف شقاءُ الجمال بالقيد فإن هذا سيجعلها تضاعف هروبها من نفسها ظناً منها أنها تهرب من قيدها .
سر كراهية أهل الصحراء للشبع :
الشبع في شريعة الصحراء هو الشيطان الذي يصنع الشر. إذا شبع الإنسان فلا يرجى منه خير. إذا شبع الإنسان تفرغ للمكائد . وبادر بالظلم وأبدع في اختراع الشر... إذا شبع الإنسان بشَّع كل شيء وحول حتى التسلية البريئة إلي جريمة .. فقد " ترجل ( اخنوخن ) وترك الجمل يرتع في أشجار الوادي تتبع آثاره عندما جاء منذ أيام وقرر أن يتسلّى بصنع الفخ ولا يعرف الآن سبباً لهذا العمل غير التسلية ..
الوديان فازت في أواخر الشتاء بالسيول .. النوق توالدت مضيفة إلي قطيعه اثني عشر حواراً . وحمل له الرعاة بشارة أخرى من المراعي وقالوا له إن ماشيته تكاثرت وتكاد تتضاعف بالجديان . ( تاسيلي) تفيض بالحليب والسمن والزبد والأجبان هذا العام. مؤونة السنة الماضية لم تنفد من المطامير فماذا دفعه لصنع الفخ غير الملل والتسلية . أغرته وفرة الخير فصنع فخاً للصيد وأطاح بشجرة كاملة حتى يتمكن من تركيب لعبته المشؤومة .
في وقت يقضي ميثاق الصحراء بأن يوافق من يعيش فيها ويلتزم بقوانينها ألا يسفك الدم وألا يصطاد أنثى نضوجاً تحمل جنيناً وألا ينزع عشبة من جذورها ولا يقطع غصناً من شجرة خضراء .
الودّان المسكين لا يعرف العزلة ...
لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة
الخطر في العزلة ولكن الحرية في العزلة أيضاً
الخطر والحرية إذن رفيقان قرينان توأمان
المعتزل قوى حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لإنقاذه عندما يقع في الخطر عندما يهاجمه ضبع أو يلتف حول رقبته ثعبان أو يغويه السراب ويرميه بعيداً عن صراط القوافل فيجد نفسه أسير غول اسمه الظمأ ...
شاة الودّان التي اختارت أن تنفصل عن القطيع وتبحث عن الكلأ في وادي " اميهرو " بدل الوادي المجاور هي عضو شجاع قرر أن يصنع مصيره ويتولي أمر نفسه بنفسه، وما وقوعها في الفخ ( الذي نصبه اخنوخن ) إلا شهادة على هذه الشجاعة وبرهان على مسؤولية الاختيار.
خالف ( اخنوخن ) ميثاق الصحراء وخان العهد ( عندما شبع ) ولم يلتزم بشريعة الصحراء ولا بأسطورة الرباط المقدس الذي يجعل من كل كائنات الصحراء إخوة ينتمون إلي الأصل الواحد ...
حُق عليه العقاب ..
والإذلال هو ما يليق بالصحراوي إذا اختار بلا سبب أن ينضمّ لعشيرة الأشرار .. الذل في عرف الصحراء أشر من الموت .. الذل عار والعار أسوأ من الموت ...
احتمى ( اخنوخن ) من حملة التعذيب بقبر الأم .. أصبح يقضي لياليه متوسداً قبر الأم .. حوّل القبر إلي مأوى يعتصم به في الليالي من العقاب . هجر الوديان والكهوف وصنع من المقبرة بيتاً يأوي إليه في كل ليل .. أصبح يحتكم إلي الحرم ( قبر الأم ) هذا الحصن تحول إلي سجن
تحول ( اخنوخن ) إلي أسير في هذا الحصن وجد نفسه مشدوداً إلي حجارة القبر مثل معزةٍ مقيدة إلي الوتد بحبل أصبح الحرم سجناً بعد أن كان خلاصاً وملاذاً له من عقاب الجلد اليومي من أهل الخفاء ..
وإذا كان للمعزةِ سيد يأتي لها بحزمة عشب فإن القدر جعل منه عبداً بدون سيد هرب من عبودية العصا وعار الضرب ( من أهل الخفاء ) ليجد نفسه طفلاً يحتمي بتلابيب الأم وعبداً لحجارة قبر ...
.. نبش القبر وحمل معه الرفات تميمة احتفظ بها في جراب السرج كي تؤنسه في وحدته ...
إلا أن الرباط المقدس الذي يجعل من كل كائنات الصحراء إخوة ينتمون إلي الأصل الواحد .. لم يجد عنه فكاكاً ...
فاجأه السيل .. هذا الغول الذي لا يرحم .. تلقفه اللسان الوحشي وفرَّ به عبر الوادي
في صباح اليوم التالي وبعد المعاناة القاسية اكتشف ( اخنوخن ) أن الشجرة التي أنقذته من الموت ووهبته الحياة هي نفس الطلحة التي جرَّدها من الأغصان الخضراء وأطعمها للنار كي يتدفأ بها ...
الشجرة أعادت له الحياة، ولكنها أخذت منه تميمة الحياة ... أخذت منه رفاة أمه .. جمجمة أمه التي كان يحتمي بها من العقاب .
قضى شهراً كاملاً وهو يتفحص الوديان ويفتش الشعب بحثاً عن جمجمة أمه .. عاقبه الصوت بدلاً من السوط .. ظلَّ يركض، أحس أنه كائن غير الصحراوي، حاول أن يلتقط الهواء سدت السكِّينة الناريةُ كل المنافذ والأوعية والقنوات والأوردة. جحظت عيناه .. دارتا في محجريهما في تحية وداع مهداة إلي الملكوت الصحراوي في الأفق.
أحاط لثامه برقبته، لم يلحظ كيف سقط طرف اللثام وتعلق بنتوء بارز شرس في الصخرة .. أطلق أنيناً طويلاً موحياً كأنه جمل يذبح .. وقفز قفز من القمة لم يسقط إلي الأرض . القدر الذي حوّل اللثام في رمشة إلي فخٍّ تلقفه قبل أن يبلغ السفح شهق طلق التنفس ودَّع النفس فاستقر في فعلتيه تسليم وخلاص، وبسمة غموض .
نفس الغموض الذي نطقت بع مقلتا الأم المشدودة إلي الفخ المعلقة من رجليها الخلفيتين في الجبل .
إنها غضبــة الصحراء... معنى الضياع والعزلة والحياة ...
فقد الأم ولكنها تركت له الصحراء أو تركته أمانة في عنق الصحراء عهدةً في يد الصحراء، خان العهد فتنكرت له الصحراء أمُّه الثانية ... أمُّه بالتبنِّي قتل الأم الأولى .. الأم التي جعلته يحس بصلة القرابة بينه وبين الصحراء ..
بينه وبين كائنات الصحراء
بينه وبين الجن
بينه وبين الودّان
بينه وبين شجرة الطلح
بينه وبين طائر الوقواق
أحسَّ أنه لا يبكي عزلته ولا تيتمه ولا فقدان الأب والأم وإنما يبكي غضبة الصحراء
يبكي ضياعه الأبدي
هذا البكاء في ديوان النثر البري تقابله البكائيات في ديوان الشعر العربي إنه بكاء الضياع الأبدي ..
العمامة الزرقاء :
وفي بحثه عن فهم الكائنات الصحراوية يستنطق ( الكوني ) هذه الكائنات حتى الصماء منها راسماً أسطورة هذا الكوكب الصحراوي في حوار تتلألأ حروفه كومضات النجوم وتتخفى معانيه متلفحة العمامة مخترقة السر ، سابرة الغور .. فالجبل المدبب جنوب الحمادة الحمراء الذي صلّى طويلاً وطلب في صلاته الصامتة عمامة من السماء تقيه صفعات القبلي وتحميه من حريق قرص النار المعلق فوق رأسه لتجعل منه شبيهاً جليلاً بأهل الصحراء النبلاء .
سمعت الحمادة الحمراء شعائره الصامتة فحدثته وحاورته متفقة معه بأن الآلهة ترفض من يشاركها في الكبرياء كما ترفض السماء رأساً ينافسها في الارتفاع فمن أراد أن يجاور الآلهة ويحتفظ بالعُلا عليه أن يفهم طبيعة الأشياء .
حرَّك الكوني شخوصه في حوار وحركة استجاب الجبل لحاجة الحمادة وطلبها بأن نطح السحابة بعد اعتراضها بالعمود المنصوب على رأسه فأصابها بجرح بليغ بدأت تنز الماء وتبكي .. اعتذر الجبل لها بعينين دامعتين وخاطبها بطلب الغفران إنه جزء من استحقاقات الحياة على هذا الكوكب .. شربت الحمادة حتى ارتوت فأجابته إلى طلبه وذلك بأن أخرجت أثقالها وسلطت على الجبل الأقهب بركاناً قاسياً استمر يلفظ الحمم عدة شهور . تعذب الجبل وغاب في الظلمات ولد من جديد فأوقفت الحمادة حمم أحشائها .. تلونت قمته بالزرقة وجد نفسه أخيراً يرفع رأساً متوجاً بعمامة زرقاء .
إنها رسالة من ( الكوني ) في تبريره للأشياء والمرجعية السببية لها فليست خارج الكون ، إن المرجع السببي هي الذات نفسها فلا الدعوات إلى السماء ولا الانتظار إنها استحقاقات الحياة وفاعلية الذات فيها .
المبتدأ في سفر الشقاء..
وفيها سطر ( الكوني ) أسطورة الصحراء والجمل والعهد الذي قطعه بأن يحمل عنها الإنسان مقابل حصانة تهيّئها له ضد غول الصحراء ( الظمأ ) .. وصبراً على الماء تخصه به من دون الحيوانات كلها .. هذا العهد الذي كتب في اللوح المحفوظ .. كان المبتدأ في سفر الشقاء لأن الجمل تمنى أن تحمل الصحراء عنه الإنسان وتعيد له الظمأ .
الاعتزال والانعتاق والحرية..
قضية فكرية هامة جداً وشائكة وتشكل إحدى الأعشاب الشوكية في هذا النثر الثري .. تلك هي قضية الحرية والانفصال والاعتزال ، مفهوم الحرية يقتضي النظر إليه من ناحية فكرية فلسفية ماذا يعني وأين يكمن الخطر فيه ، هل غطاء الوحدة يشكل أماناً ولكنه يسلب الحرية ، وهل الحرية تقتضي العزلة ولكنها تشكل خطراً ؟
يقول الكوني في ( الفخ ) الذي نصبه (اخنوخن) لشاة الودّان :
" قطعان الودان لا تنزل لترعى في السهول إلا في الليل . تنزل في قطعان عادة ، وتعود لتعتصم بالقمم قبل انبثاق قبس الفجر . ولكن هذه الشاة لم تكن عضواً في قطيع . ربما انفصلت عن القطيع في الوادي المجاور وقررت أن تجرّب حظها وحيدة. الودّان المسكين لا يعرف العزلة،لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة . الخطر في العزلة والحرية في العزلة أيضاً . الخطر والحرية إذن رفيقان " قرينان " توأمان وهذه هي الحيلة الوحيدة ، الحكمة الوحيدة التي لم يسمعها من الأم ، ولم يتعلمها من الأسلاف ، ولم يقرأها في رموز الكهوف . هذا هو المبدأ الوحيد الذي تعلمه بنفسه في الصحراء . المعتزل قوي حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لإنقاذه عندما يقع في ورطة عندما يقع في الخطر . عندما يهاجمه ضبع . أو يلتف حول رقبته ثعبان أو يغويه السراب ويرميه بعيداً عن صراط القوافل فيجد نفسه أسير غول اسمه الظمأ . " ص 50
ويواصل الكوني مناقشته لهذه القضية بتأمل عميق :
" ولكن هل يستطيع القطيع أن يفعل شيئاً ؟ هل يفيد التواجد بين الجماعة حسب شريعة الصحراء ؟ " ص51
ثم يقرر :
" لا . لا يفيد ولا ينفع . بل يؤذي أكثر مما يفيد . لأن الأذى إنما يأتي أغلب الأحيان من الجماعة. العضو في قبيلة . أو في قطيع يسترخي معتمداً على الجماعة . وما أن تحل لحظة الامتحان ويحتاج لمساعدة أعضاء القطيع يكتشف أنهم أضعف من أن يساعدوا حتى أنفسهم . يكتشف أنهم كانوا . طوال الوقت ينتظرون يد المساعدة منه هو لا أن يقوموا بتقديمها له . يكتشف أنه غريق يتعلق بقشة . يكتشف أنه مخدوع " ص 51
ثم يعود (الكوني) ليقرر أنه ليكتشف ذلك لابد أولاً من أن يعيش في القطيع يقول
" والمصاب أن من لم يجرب الانتماء إلى الجماعة ، والقطيع لن يستطيع أن يختصر الطريق ويتولى أمر نفسه بنفسه . وشاة الودان التي اختارت أن تنفصل عن القطيع وتبحث عن الكلأ في وادي (إميهرو) بدل الوادي المجاور . هي عضو شجاع قرر أن يصنع مصيره ويتولى أمر نفسه بنفسه .
وما وقوعها في الفخ إلا شهادة على هذه الشجاعة . وبرهان على مسؤولية الاختيار" ص 51
تلك إحدى القضايا الهامة التي نثرها الكوني في ديوانه مستلهماً لها من التجربة .. فهل تتوافق عادات الفكر في فهم العزلة على أنها شجاعة وليست انتحارا .. وفي أن الكائنات الحية كائنات اجتماعية وخاصة الإنسان وأن اجتماعيته صحيح أنها تسقط جزءاً من حريته بمقابل هذا الانتماء ولكنها تصون وجوده وتحفظ حياته ...
قد نتفق نوعاً ما في أن القطعان البشرية الآن يهشّها الراعي وفي الوقت نفسه تسعى هذه القطعان أن تحقق حريتها ولكن من خلال انعزالها وانفصالها .. والشجاعة هنا تعني الانتحار دون مقابل كما فعلت شاة الودان .
أما الدائرة السرية للاعتزال فقد شكلها (الكوني) في تأملات الضب في جحر البيات الشتوي .
لقد عرف أن الصيام ليس تميمة لعلاج الهوى وحده ، وإنما هو الذي يرجع له الفضل في إكساب المناعة ضد الموت . ولا يعرف أولئك البلهاء الراكضون وراء الشبع والامتلاك أن صيامه هو سر خلوده إذ لاحظ بالتجربة أن الجوع يصفي الدم ويطرده من البدن وعندما يختفي الدم في العروق والأوردة ، أو عندما يتراجع إلى الحد الأدنى ولا يتبقى منه سوى قطرات . فإن الموت يهرب مع سائل الدم ، ولحياة تستر من مكان آخر غير الأوعية أو الأوردة أو العروق ..
" كاد يفك رموز المعادلة السحرية . كاد يقول أن مفتاح اللغز في الاعتزال . المعتزل خالد لأنه ميت وميت لأنه صائم وصائم لأنه ممتنع ، وممتنع لأنه قوي وقوي لأنه وحيد ، ووحيد لأنه زاهد لأنه فان والفاني هو المخلوق الخالد . في هذه النقطة تقفل الدائرة السحرية لتبدأ من البداية وأهل الصحراء البلهاء الذين يجهلون المفتاح يدورون في فراغ المتاهة ويحلمون بالخلود بدون قرابين ولا يعلمون أن الخلاص أقرب لهم من حبل الوريد . لا يعلمون أن الخلاص هو الزهد في الخلاص . كما أن الحياة هي في رفض الحياة . وهو مخلوق خالد (أي الضب)لأنه يتلذذ بالفناء ويجد متعة بالصيام أو الغياب في غيهب القبر . ومن أراد الحياة من أراد الخلود يا بلهاء فليفعل مثلي .ص160
" لم يدرك أن النار لا تأكل إلا من يأكل . والسكين لا تقتل إلا البدن المسكون بالدم . والموت يهجر البدن الميت لأنه لا يجد ما يتغذى عليه . والعدم يفر من جسد تيبّست فيه الأوردة والأوعية والعروق . والحياة تتعلق بمخلوق يعتبر الآخرون أن لا حياة فيه .
بهذه الخاتمة تنقفل الدائرة السرية " .ص 16
الأفق الأفريقي في قراءة الكوني..
هارى كريسكى من معهد الدراسات العالمية – بيركلي في مقابلة مع وولي شوينكا سأله عن رؤيته حول المزايا الأساسية التي تجعل الشخص كاتباً ؟ فأجاب " أن يفرق الإنسان نفسه في خضم متنوع من الخبرة والظاهرات ، بعبارة أخرى القدرة أن يهب أو يرهن وعيـه وإحساسه لمظاهر الحياة من حوله . إنها أساسيات عمق التفكير " (5)
ذلك ما قرأناه في قراءة (الكوني) لمظاهر الوجود حيث التقى الإشراق الصوفي بالزهد الصحراوي بصور الديانات والأساطير وسيمياء الثقافة الأفريقية ومعطياتها التي ترسم في مجملها الموت كذروة رحلة إلى الحكمة . فالكائن الذي يموت يكمل وعيه بحياته أو يعبر الخطوات في اعتلاء وخروج .. فالموت يكون جواب الحياة .. والمرور من الولادة إلى الموت يستلزم حشد التورية والخرافات والألغاز في التوحد .. هذا الجمع والتوحيد إضافة إلى الصور تقود القارئ لأن يعتقد في أن تلك الحياة ما هي إلاّ اللغز أو النكتة التي تحل بالموت . فالثمار التي تنتظر هي في نهاية الحياة .
شوينكا يعلى أو يمجد الموت بوصله بوضوح بأهمية الظاهرة في الاعتقاد اليوروبي(6) :
التلال ، الأرض ، المطر ، وطرق الحياة ، كل زمرة تشكل مصدراً خاصاً للطاقة .. فهناك عوامل فعالة خصوصاً في علم لاهوت المجموعة العرقية .. التلال قد شرفت تقليدياً كبيوت الآلهة ، لبضعة أسباب فقد قدموا حماية رائعة خلال زمن الحرب ، وكانوا بحجم الإلهام رهبة ، واستحوذوا على الفكر بكثافة النباتات الغامضة بكونها بيوتاً للحيوانات والأرواح الطائشة وحافظوا على الحضور السرمدي ، كما عرفوا أن يدوموا أطول من أجيال البشر.
فالتل وسيمياء الصخر وقمة الجبل وأصابع الشوكة على التل الحجري والأرض كبيت لبقايا الأسلاف . والموت الأقرب إلى الأرض المقدسة من الحياة . حملت كلها كما حمل المطر أهمية عظيمة في دين اليوروبا بطقوسه الأكثر شكلية في أرض اليوروبا .
أمّا عند ( الكوني ) فالأفق الأفريقي في قراءته لكوكب الصحراء الكبرى ، أو الفردوس الأرضي لا يبعد كثيراً عن تلك الأساطير وإن كان العمق والإيحاء والدلالة تزيد من عمق العراء والصحراء في تدوين الأسطورة .
والأساطير هي قراءة إبداعية لمنظومات الكون ، هي دلالات وتفسير لعلامات وسيمياء ومظاهر وآيات الكون . و ( الكوني ) سعى من خلال قراءته العميقة عمق الصحراء إلى نقل الوجود المغلق الأخرس إلى حالة شفوية منفتحة أمام لغة يستوعبها الجميع . إنه يستنطق الأصل والماقبل فيخضع كامل الكوكب كعالم متفرد معزول إلى خطاب نقرأ من خلاله الدلالات الغنية بصورة فنية لاستكناه هذا العالم اللغز وسبر أغواره .. عالم المتناقضات .. حياة الموت وموت الحياة . الانعزال والاتصال ، الفردوس الأرضي بوحشيته وقسوته وبحنانه ورقته ، بضوئه وأشعته بظلامه وعتمته .. يعيش فيه الضب معتزلاً صائماً زاهداً متماهياً مع الصحراء .. ويحيا فيه الغزال والودان والإنسان مليئاً بالحيوية في هذا العراء .
وبين الميلاد والفناء لغة الطبيعة الصحراوية العصيّة التي لا تنداح إلاً لابنها طيّعة مستسلمة لقراءته الإبداعية ناثراً فكره البرّي في ديوانه .
من هذه البرية نلتقط ما يربط هذه القراءة بالأفق الأفريقي .
.. واو التي يبحث عنها الأب وابنه والصحراوي عموماً هي أبعد من كانو وأقرب من حبل الوريد ص9 .
..لست أنا من اخترع الشريعة . والزعيم يكف أن يكون زعيماً في تلك اللحظة الجنونية التي يخالف فيها تعاليم الأسلاف .
.. أنت لا تعلم أن لي أبنة من امرأة زنجية عقدت عليها في كانو منذ زمن بعيد كنت أقوم برحلة تجارية وأنا في عمر الهوى والحماقات . راقت لي فتزوجتها . أنجبت بنتاً والبنت الآن في عصمة زنجي .. ولي حفيدة زنجية ، هل تصدق أن حفيدتي زنجية .
.. في تلك اللحظة فقط نزل الإلهام وعرف التاجر القديم الذي قطع الصحراء منذ كان فتى يرافق الأب إلى جنوب القارة . أن التجارة أيضاً باطل لأنها لا تساوي قطرة ماء.
ونحن نربط بين (واو) و(كانو) و(المرأة الزنجيّة) و(الابنة) التي هي في عصمـة الزنجي و(الحفيدة الزنجية) نربط كل تلك الإشارات مع تقديس الأفارقـة (للأسلاف) وهو ما ورد كثيراً في ديوان النثر البري .
(قبور الأسلاف) التي تنبئ بالمستقبل.
(إدبني الذي يخفى رفات الأسلاف) ص 32
(وجدت مزبورة في جدران الكهوف حيث حفرها الأسلاف)ص44
(رفع رأسه إلى السقف وتلهى بمشاهدة الجموع التي أتقن الأسلاف حفرها في الصخر) ص45
(صعد المرتفع المزروع بمقابر الأسلاف) ص63 .. تعاليم الأسلاف .. إلخ
أما الديانات الأفريقية التي دائماً ما ترتبط بالأسلاف فيجسدها عدد من الأدباء الشعراء الأفارقة .. حيث رسم ويلي شوينكا في قصيدته ( الدورة Last Turniny ) رسم الموت كرحلة عقلية وفيزيائية فالشخص الذي يموت يكمل وعيه بحياته أو يعبر " الخطوات في اعتلاء " .
الموت يكون جواب الحياة .. المرور من الولادة إلى الموت .. الموت يكسو ثقب الحياة .. الموت أكثر ثمرة من الحياة والشخص الحي الميّت الذي يحاول أن يجني كل الحياة.. يجب أن يصلي قبل أن يفقدها إلى الأبد .
شوينكا يرى أن الحياة ليست ثمينة كتلك ، .... الرحلة إلى الموت في " طريق الأعشاب الضارة " الطريق مليئة بالنباتات القاحلة .. عندما يموت الأحياء يصلون " بيّارة الحياة " حيث التمر الوفير ، الحياة هي عشبة ضارة ، ذلك أن الناس يتعلقون بها بشكل يائس لكن الموت على الرغم من كونه محملاً بثمار الفردوس فمازالت أسباب الميتة تعود إلى العصر بالأيادي الهزيلة .. وهنا كما يبدو يقترح شوينكا أن لا موت ولا حياة بل هي خبرة إيجابية كاملة .
ومعظم الشعوب الأفريقية يقوم نظامها الاجتماعي على أساس دقيق من النظام التدريجي، الذي يشمل الموتى والأحياء، فلكل مرتبته الخاصة، وأعلى مراتب هذا النظام يختص بها الأسلاف العظام الذين أسسوا القبيلة، ثم يليهم في المرتبة من الموتى الجد الأعلى للأسرة، ثم أسبقيتهم في الوفاة، ويأتي بعد هؤلاء جماعة الأحياء على الترتيب.(7) إنها الخبرة الإيجابيّة الكاملة.
وفي ديوان النثر البري نلتقط الإشارات الكثيرة جداً .
.. عندما يتعب كوز الطين ويبيد وتقترب الساعة التي يتحرر فيها عصفور النور من وزره فإن الأرض لا تأخذ إلاّ كوم العظام . أما العصفور فيطير إلى واو . ص15
.. لن يترك خلفه نسلاً . القيد مسلط على رقبته من السيف .. إذا أخذه معه إلى واو
ضمن له السكينة .. و .. الخلاص الأبدي ص26
.. ظل الأب يتأمل القمة النفيسة .. الرأس الحقّي الساعي للالتحام بالله الجنين المتمرد على سلطة الأرض . التواق للتحرر من كوز الطين والخروج إلى خلاء الحرية ..
.. أفلت الطائر من القفص وطارت شعلة النور . بقى كوز الطين هامداً متحداً ،
مستسلماً للتراب . في العراء الحزين الخالد اكتمل نزول العتمة ص 38 . ال
استعباد البنية وأخطار الحرية..
يستوقفنا ( الفخ ) مقطـع (8)* من بين أعشاب البر ليطرح أمامنا قضية جد عميقة .. عمقها ينطلق من كونها الحكمة الوحيدة التي لم يسمعها من الأم . ولم يتعلمها من الأسلاف ولم يقرأها في رموز الكهوف .. والمبدأ الوحيد الذي تعلمه بنفسه في الصحراء ..
خروجاً من عادات الفكر التي صممت الحياة الجمعية وأرست ثوابت النظرة القطيعية الجمعية من كون الإنسان كائناً اجتماعياً لا يستطيع أن يعيش بمفرده أو يلوذ بقداسة صمته .. عليه أن يحتمي بالقطيع ليؤمن نفسه من الضياع .
فالودان المسكين لا يعرف العزلة
لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة
الخطر في العزلة
والحرية في العزلة أيضاً
الخطر والحرية إذن رفيقان .. قرينان .. توأمان
والمعتزل قوي حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لانقاذه عندما يقع ي الخطر
إذن الهدف هو الحرية ، ولا يستطيع أن يجازف ليتحمل هذا الخطر إلاّ من اتصف بالشجاعة وقرر أن يصنع ويتولى أمر نفسه بنفسه مبرهناً على مسؤولية الاختيار ..
وتأييداً لهذه الفكرة يتساءل المبدع : هل يستطيع القطيع أن يفعل شيئاً ؟
هل يفيد التواجد بين الجماعة حسب شريعة الصحراء ؟ ويجيب : لا . لا يفيد ولا ينفع بل يؤذي أكثر مما يفيد . لأن الأذى إنما يأتي أغلب الأحيان من الجماعة .
العضو في قبيلة أو في قطيع يسترخى معتمداً على الجماعة وهي أضعف من أن تساعده.
والإسقاط هنا يتمثل في كيفية الخروج من القطيع .. التحلي بالشجاعة .. مخالفة السائد واعتزاله والتمرد عليه .. اكتساب المشروع المخالف للبنية السائدة التي تحكم القطيع بأعراف وتقاليد وموروث وعادات هي أسّ البنية السائدة..
فالشجاعة إذن في التحرر من أسر القطيع الخائف أبداً والذي يعتقد أن البنية ستحميه وتوفر له الحماية ثم يكتشف الخدعة والزيف . هذه البنية المغلقة والقاصرة والحاكمة والمتحكمة والحارمة لأفرادها من الحرية تخدع الجموع بأنها هي المأمن والملاذ ، وفي حين أنها ترعبه وتغرس في قلبه الخوف وتحذره من المجازفة والعزلة ، وتحول بينه وبين الشجاعة والحرية واتخاذ القرار الجرئ ، فإذا ما خالفها كادت له وأنبته وعاقبته وتخلت عنه .
وإذا ما انعزل فإنه يكون بذلك قد اتخذ قراره بنفسه ويتحمل كامل التبعات التي تترتب على هذا التصرف حتى ولو كلفه حياته .
الإسقاط هنا في الجرأة والشجاعة والمبادرة والمبادأة ومخالفة القطيع الذي يشكل حماية وهمية .. لأن القطيع الخاضع للبنية والمستعبد لبرامجها وضوابطها يغرس فيه الخوف وينتزع منه روح المبادرة والمجازفة والحرية.
والمصاب أن الإنسان – كما الشاة – لا يعرف التمرد ولا يتوق إلى الانعزال دون أن يجرب قسوة الانتماء ويكتشف الحماية الوهمية ولو أدرك الإنسان ذلك لاختصر الطريق على نفسه إلى نفسه وأدرك أن قيمته في داخله ، وحريته يحققها بإرادته وشجاعته وأنه يمكنه أن يبدع ويثري الحياة دون الخضوع لسيادة البنية ودون الركون لاستعبادها ودون قيود التعصب التي تفرضها عليه .
فالبنية السائدة الحاكمة للجموع تحدد له مساره وفاعليته . والخروج عن المألوف والسائد يحمله عناء مواجهة الأخطار . لكنه يكسبه نفسه ، ويمنحه حريته ، ويسترد به شجاعته وقوته . في حين أن البقاء في القطيع يستعبده ، ويغرس فيه الخوف موهماً أياه بأن ذلك يجنبه الأخطار ويشكل له الحماية .
والانتماء الذي يشكل هوية تقليدية لقطيع وفق محددات تاريخية جهوية لغوية دينية عرقية ، هو انتماء لا إرادي وجد الإنسان نفسه فيه وهذا الانتماء لا يعني بأي حال من الأحوال قدراً لا فكاك منه .
صحيح أن مخالفة السائد والتمرد على المألوف والخروج من القطيع واختيار العزلة بل واحتياز البنية البديلة المفتوحة به الكثير من المخاطرة والمجازفة لكن به أيضاً الشجاعة والحرية والتألق والإبداع والتفرد والتميز والانعتاق..
صحيح أنه قد يقع في الفخ ولكن بشجاعته قد يحرض الآخرين لبناء شخصياتهم المتفردة وكينونيتهم المستقلة وإبداعاتهم المتميزة .
بقى أن نشير هنا إلى أن القطيع من الشياه قد لا يتأثر بخروج شاة منه ولكن البنية السائدة في المجتمع ستلحق بك الأذى إن خالفتها أو تمردت عليها أو سلكت طريقاً غير ما يحقق لها مهامها وأغراضها ..
وطريقها يتمثل في التعصب والاعتقاد بامتلاك الحقيقة والالتزام بالأعراف والتقاليد والعادات .. وإذا قبل الفرد أن يكون ضمن هذا القطيع سيقبل حتماً أن يهشه الراعي وأن يسلك به الطريق الذي يحدده له ويطعمه العشب الذي يقوده إليه .. وعليه أن يقبل بالقيود التي يفرضها عليه وأن يتحمل الأذى الذي سيلحق به وأوله انعدام شخصيته وفقدانه لحريته ، وقيمته التي يحددها له الآخر .
من هنا كانت فاعلية المبدع بهذه الإشارة التي اكتسبها بنفسه لم يجدها في تراثه الذي خلفه الأسلاف ولا من الجموع التي عاش معها .. و ( الكوني ) في تأملاته للحياة الجمعية في الصحراء لا يصورها لنا بقدر ما يدعو مركزاً على الانعتاق والاعتزال والخروج بما يحمل من دلالة ومخاطر .
لقد حصر فاعلية الإنسان الصحراوي في التوق إلى الانعتاق والحرية إلى الآفاق .. إلى العراء .. إلى الخروج من كوز الطين . حصر الفاعلية في التأمل والحوار مع كل الكائنات للتوصل إلى المعرفة وحل إشكال الوجود . بالدعوة إلى التمرد على القطيع من أجل التعدد والتنوع والثراء والتجدد والحرية .. وعرّى البنى المغلقة بأن حريتها مقيدة وتكسب الضعف وتفرض القيود وتشكل استرخاء يضعف الفاعلية ويجعلها قاصرة وضيقة ومحدودة الأفق .
فاعلية البنية اللغوية :
وما يهمنا هنا ليس ورود المفردة بهذا الزخم المتناغم مع مئات المفردات المشبعة بالألف الممدودة . ولا التناسب في الاستخدام والتساوي في العدد بقدر ما يصلنا من دلالة هذا الاستخدام حيث يشير إلى أن الكوني لم يعشق الصحراء بحد ذاتها فحديثه عنها محدود جداً إذا ما قيس بصفاتها أو بساكنيها . وتكفي الإشارة إلى أن أكثر ورودها مضافة إلي حيث وردت ( 89 ) مـرة مثل :
( ابن الصحراء ، يد الصحراء ، أهل الصحراء ، عشق الصحراء ، عقيدة الصحراء ، ما وراء الصحراء ، حدود الصحراء ، سكون الصحراء ، هواء الصحراء ، تعذيب الصحراء ، سكان الصحراء ، تقلبات الصحراء ، شريعة الصحراء ، كائنات الصحراء ، أمام الصحراء ، عنق الصحراء ، غضبة الصحراء ، جسد الصحراء ، عرف الصحراء ، حياة الصحراء ، سفر الصحراء ، قبيلة الصحراء ، أصحاب الصحراء ، كنوز الصحراء ، ملاك الصحراء ، فتنـة الصحراء ، ضيوف الصحراء ، استضافة الصحراء ، قدرة الصحراء ، كفاءة الصحراء ، ، عبور الصحراء ، قساوة الصحراء ، ملـذات الصحراء ، امتداد الصحراء ، سيد الصحراء ، وجه الصحراء ، طبيعة الصحراء ، بدن الصحراء ، غبار الصحراء ، أحلام الصحراء ) وهكذا .
وذلك يعني أن الاهتمام بساكني الصحراء وتأثرهم بها ومشاعرهم تجاهها ، وأعرافهم وشرائعهم فيها ، وتأملاتهم لها ، واتقاءهم لغضبها وتسامحهم معها ، وتبنيهم لها وعشقها .. شكل ذلك المنطلق الذي اهتم به ( الكوني ) بإبرازه وتجسيده ، فتحدث وتغنى بكل الكائنات التي تعيش في الصحراء أكثر من حديثه عن الصحراء نفسها .
المنطلق إذن هو الإنسان والكائنات التي عايشها وعاشت معه وكيف نفسه معها وخلق الأساطير لاحتوائها وتأثر بها وعشقها فتميز في هذه البنية عن غيره .. وتشكل من خلالها صفاءً وأفكاراً ومشاعر ورؤى ..
ألهمه مجتمع الصحراء الصور الفنية الزاخرة التي حشدها على امتداد تراكيبه ونثره الشعري .. باحثاً ومنقباً عن الحقيقة عن ( واو ) الضائعة ... فتنازرت البنيات من خلال طرحه لفلسفة الضب التي تدعو إلى قطع الأمل والاعتصام برؤوس الحجارة والرؤية المفتوحة للودان الذي يدعو إلى الأمل والحياة
الإيقاع الذي اختزنه ( الكوني ) وسيطر على أسلوبه ، هو غنائية الألف الممدودة قافية وإيقاعاً وحشداً لمفردات تنم عن تكوين وجداني خلقته وشكلته الصحراء بمدها وامتدادها ، بعرائها وأفقها .. فامتلأ النص بها من ( هباء ، شعراء ، وأهل الخفاء ، والرقاب الهيفاء ، والمساء ، وأهل الصحراء النبلاء ، والعمامة الزرقاء ، والحمادة الحمراء ، وطبيعة الأشياء ، ونقاء الهواء ، والغطاء والرمضاء ، الشقاء والبقاء والانتشاء ، الوراء والصفاء والنداء والبكاء والكبرياء الماء والكتلة الممسوسة السوداء . الالتقاء والإغواء وميزان الأشياء . الفناء والغناء والخباء والبلهاء . الأسماء والعطاء والبقاء . الأعضاء والظلماء . الجزاء والامتلاء والحكماء .. سلطان الضياء ، الأبرياء والأرض الجدباء وتفتح الأثداء وإدرار السماء والحجارة السوداء.. الغشاء والانتماء . العزاء والفقهاء ، وسلالة الأنبياء . ذرات الهباء وصلاة الرجاء ، الشتاء والنساء والأشقياء ومشية الخيلاء . العراء والخلاء والفضاء ..)
حتى معظم الديوان كتبه في ( الدار البيضاء ..
وسيطرة هذا المد بألفه على أسلوبه وإيقاعه منح النص انطباعاً جمالياً أوقل خاصية جمالية مرتبطة بمعشوقته الصحراء .. وبنموذج إحصائي تتبعنا مفردات ( السماء ، الخلاء ، العراء ، الفناء ، الفضاء والأفق ) حيث وردت السماء (90) مرة والخلاء (20) مرة والعراء (40) مرة والفناء (20) مرة والفضاء (15) مرة والأفق (60) مرة وهي بمجملها (245) في حين وردت مفردة ( الصحراء ) (316) مرة .. بما يصل المجموع إلى ( 561) مرة في وقت استخدمت فيه كلمة الواحة ( 10) مرات فقط في مجمل الديوان ..
ومفردة الصحراء التي وردت (316) مرة مركبة وفق تركيبات مختلفة مقصودة بذاتها مبتدأ أو فاعلاً أو نائب فاعل أو مفعولاً به 77 مرة
وتركيباً وصفياً ( صحراوي ) 71 مرة
كما وردت مجرورة بحرف الجر 79 مرة
ومجرورة بالإضافة 89 مرة
ونقرأ من خلال التميمة البرية القديمة ما يلي :
( إن كل مخلوق مسؤول عن اختياره ، والقـدر لن يكتب الحرية لمن اختار القيد واستسلم منذ البدء ) ص127
ومن خلال طرحه للخروج من أسر البنية والانفلات من القطيع كانت قراءته لشاة الودان التي اختارت الحرية وتحملت نتاج اختيارها بشجاعة .
ومـن خلال دعوته للخروج عن البنية السائدة رغـم قســوة هذا المشـروع فـ ( الطريق المرسوم دائماً مستباح ولا خير فيه ، يهرب من أمامه العشب ويختفي الترفاس .. الترفاس يهرب من كل المساحات التي تعبرها القوافل )
ومن خلال دعوته لبنية منفتحة غيرقاصرة أو منغلقة، بنية وعي خلاق فـ ( المخلوق الذي وجد في نفسه الرجولة لأن يسخر من السيوف ومن حملة السيوف قال إن الرجولة الحقيقية هي أن يضبط الرجل هواه ويسيطر على رغباته ) .
من ديوان النثر البري نعرض بعضا من مقولاته التي تقول:
..القدر لن يكتب الحرية لمن اختار القيد واستسلم. ص 127 المبتدأ ي سفر الشقاء .
..العتمة قناع يحجب الكبرياء .
..لا شئ في الحياة بلا ثمن. (القبلي في حواره مع النخلة).
..إن طبيعة الأشياء تقول : لا يلقح القبلي النخلة إلاّ إذا صرع في طريقه أخرى
لا يولد مخلوق إلاّ إذا تنحى له مخلوق آخر عن مكانه.
( القبلي في حواره مع النخلة )
..الصحراويون لا هدف لهم إلاّ الارتحال تحرراً من وزر المكان مؤثرين الأسفار خلاصاً من قيد الزمان. ص 165 ( عودة الضب إلى منفاه السفلي )
..الصبايا دائماً مركز اللقاء .
نقطة التقاطع .
ينبوع الحزن والفناء
يقطع الصحراوي القارة الخالية من أقصاها إلى أقصاها ويعود إلى نقطة
الانطلاق إلى
الصبايا .
يخرج إلى الغزوات في سبيل الصبايا
يصد الغزاة دفاعاً عن الصبايا في سبيل الصبايا
يسقط في الوجد تدلّهاً وعشقاً للصبايا
يغني في الخلاء حنيناً للصبايا
يولد ليحب الصبايا
ويموت خوفاً من فعل ربما بدا عاراً في نظر الصبايا
الصبايا في الصحراء ، قدر الرجل ، إلهات الصحراء .
وعندما يرفعن الحناجر بالغناء الفاجع فإن كل شئ لا بد أن يرقص في الصحراء
الرجل يرقص ، المهري يرقص ، الجن يرقص ، السراب يرقص ، وحجارة الجبال أيضاً تلين
وترق وتسقط في الوحد .. و.. وترقص .
ص 109 – 110 باتا تنتهك الحرم وتهرع إلى خباء العريس
..أهل الصحراء لا يجاهرون بالحقائق
يجاهرون بالدعابات وحدها
أما الحقائق فيهمسون بها لأنفسهم
يهمسون بها بينهم وبين أنفسهم
إذا أردتم أن تعرفوا الحق من الباطل في كلامهم .. راقبوا طريقهم
فإن انحنى أحدهم وتكلم في إذن الآخر فإنه نطق بالحق. 115 باتا تنتهك
..الصحراء هذه المعمرة الحكيمة المعتزلة عن الخلق ، العارية تعاهدت مع الظمأ .. تصحرت وطاب لها الخلاص والخلوه .. تناجي الله في ملكوت السكون .
لا تحب المخلوقات المكابرة ، التي تتشبه بالإنسان .. حيث طردت كل الحيوانات المكابرة كالزراف ، الأسود ، والنمور ، والفيله . وتركت الوديعة منها كالغزال والأرنب والفأر ومع الجمل أقامت العهد معه بعد أن قبل عرضها .. يحمل عنها الإنسان مقابل أن تعفيه من غول الصحراء ( الظمأ ) .. ( المبتدأ في سفر الشتاء )
..يظل الإنسان إنساناً حتى يشرف على اليأس .. والإنسان أشرس حيوان إذا نوى أن ينتقم.. 174 ( والضب إذا توسد الحجر )
الضب يسافر في السكينة والسكون
والجمل في المسافة
الضب يحيا في العمق
والجمل في الأفق
الضب يقوم برحلة في الباطن
والجمل في المدى
الضب يفر من مكان إلى آخر
والجمل يفر من المكان في الزمان .
خصائص وسمات أدب البرّية:
نتلمس خصائص وسمات أدب البريّة أو أدب الصحراء من خلال قراءتنا لديوان النثر البرّي في:
..مساحة التأمل الكوني للطبيعة والامتزاج والتفاعل والتوحد الوجداني معها.
..البعد الذي يخترق سمك الواقع إلى الآفاق الممتدّة المتجدّدة..
..الحرّية لدى الصحراوي المستمدّة من الفضاء الرحب والتي تتعادل مع مبرر الوجود، فلا قيد يقبله الصحراوي إنسانا أو حيوانا أو حتى الكائنات الصمّاء أو كائنات الخفاء . وهو مدرك ومتحمّل لما يترتب عليها من عواقب.
..بلاغة الصمت والسكون والهدوء الذي توحي به الصحراء وتلهم به أبناءها يتدفّق عبر المحبّة الشاملة والرؤى الفكريّة العميقة بشاعريّة المفردة وإشراقها الصوفي وأبعادها الدلاليّة حاملة لفلسفة الوجود.
..التقاء الإشراق الصوفي في الأسلوب بالزهد الصحراوي بصور الديانات والأساطير التي تشكل سيمياء الثقافة الأفريقية.
..تجلّي بنية الوعي الخلاّق من خلال القيم التي يستخلصها والعبر التي يستنتجها كمعادل طبيعي للتجربة وعمق التأمل.
المصادر والمراجع:
1 .. إبراهيم الكوني، ديوان النثر البرّي، دار التنوير للطباعة والنشر، تاسيلي للنشر والإعلام، ط1، 1991 .
2 .. الشيخ محمد الشيخ ، التحليل الفاعلي ، نحو نظريّة حول الإنسان، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2001 .
3 .. الشيخ محمد الشيخ، التحليل الفاعلي والأدب. ( تحت الطبع).
4 .. عبد الرؤوف بابكر السيّد، النص الأدبي الاستلاب والفاعليّة، (تحت الطبع).
5 ..هاري كريسكي، حوار مع التاريخ، مقابلة أجراها مع وولي شوينكا. www. Globetrotter.berkeley.edu/Elberg/soyink
Conversation with History:Institute of International studies,UC Berekely.
6 ..ليزي.ل.ستيرن، استخدام شوينكا لمفهوم اليوروبا عن الإنسان.
African Postcolonial Literature in English, in the Postcolonial web
www. Scholars>edu.sg/landow/post/soyinka/wsyorub.html.
7 ..عبد الله بخيت محمد، دراسات في الأدب السواحيلي،مكتبة النهضة المصريّة، ط الفجر الجديد،1987 .
(*)
وقف فوق الحفرة فدّّق قلبه بشدة
كانت الحفرة خاوية
أطبق فم الشرك على الشاة ، ولكنها استطاعت أن تخرج من الهاوية وتجرجر المصيدة إلى الجبل . اقتفى الأثر . على بعد خطوات خلّف الحيوان بعراً . تناول بعره وهرسه بين أصابع . بدأت تجف وتتيبس . البقرة تعود إلى يومين أو ثلاثة أيام . الأرجح أنها ثلاثة أيام . الحيوان وقع . نزل من الجبل ووقع في الشرك في نفس اليوم الذي نصب فيه " لعبته " . في مساء نفس اليوم . قطعان الودّان لا تزال تترعى في السهول إلاّ في الليل . تنزل في قطعان عادة وتعود لتعتصم بالقمم قبل انبثاق قبس الفجر . ولكن هذه الشاة لم تكن عضواً في قطيع . ربما انفصلت في الوادي المجاور وقررت أن تجرب حظها وحيدة .الودّان المسكين لا يعرف العزلة . لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة . الخطر في العزلة . الحرية في العزلة أيضاً . الخطر والحرية إذن رفيقان قرينان . توأمان . وهذه هي الحيلة الوحيدة ، الحكمة الوحيدة التي لم يسمعها من الأم . ولم يتعلمها من الأسلاف . ولم يقرأها في رموز الكهوف . هذا هو المبدأ الوحيد الذي تعلمه بنفسه في الصحراء .
المعتزل قوي حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لإنقاذه عندما يقع في ورطة . عندما يقع في خطر . عندما يهاجمه ضبع . أو يلتف حول رقبته ثعبان ، أو يغويه السراب ويرميه بعيداً عن صراط القوافل . فيجد نفسه أسير غول اسمه : الظمأ .
ولكن هل يستطيع القطيع أن يفعل شيئاً ؟ هل يفيد التواجد بين الجماعة حسب شريعة الصحراء ؟ لا لا يفيد ولا ينفع بل يؤذي أكثر مما يفيد . لأن الأذى إنما يأتي أغلب الأحيان من الجماعة . العضو في القبيلة ، أو في القطيع ، يسترخى معتمداً على الجماعة ، وما أن تحل لحظة الامتحان ، ويحتاج أعضاء القطيع يكتشف أنهم أضعف من أن يساعدوا حتى أنفسهم .
يكتشف أنهم إنما كانوا طوال الوقت ينتظرون يد المساعدة منه هو لا أن يقوموا هم بتقديمها له . يكتشف أنه غريق يتعلق بقشة . يكتشف أنه مخدوع . والمصاب أن من لم يجرب الانتماء إلى الجماعة ، لن يستطيع أن يختصر الطريق ويتولى أمر نفسه بنفسه .
وشاة الودّان التي اختارت أن تنفصل عن القطيع وتبحث عن الكلأ في وادي " أميهرو " بدل الوادي المجاور ، هي عضو شجاع قرر أن يصنع مصيره ويتولى أمر نفسه بنفسه . وما وقوعها في الفخ إلاّ شهادة على هذه الشجاعة . وبرهان على مسؤولية الاختيار .
مقطع (8) من الفخ ( ديوان النثر البرّي )
.
إقرأ المزيد Entry>>
لكن دعونا نتساءل أيمكن أن نسقط على كل الصحارى في العالم ما يمكن أن نتوصل إليه من سمات وخصائص؟ أيمكن أن نطلق على الأدب العربي قبل الإسلام بأنه أدب الصحراء؟ ألم يقدم لنا أدب صحراء الجزيرة العربية قبل الإسلام انطباعات حسّية ووصفا خارجيّا للمشهد لا يخرج عن التشبيهات ووصف المنظور الطبيعي في تشابه لم تخرجه عن الملل إلا قراءات النقاد والدارسين؟ هل قدّم لنا أيّ أدب في أيّ صحراء عمقا فكريا ورؤية فلسفيّة للحياة مثل ما قدّمه لنا المبدع (إبراهيم الكوني) عبر مفردته الشاعرة؟
إن الأديب في الصحراء قارئ بامتياز، إنه يحلّل ويقرأ صفحات مكتوبة من إبداع الصحراء. الصحراء هي الأديب والمبدع هو القارئ . الصحراء نص يدعوك لقراءته، فلا يقرؤه إلاّ مبدع، ثم يأتي دورنا نقرأ قراءة المبدع له. إنها لا تكتب أدبها في بنيها بل يقرؤه بنوها قراءة قد ترتقي بها وبالحياة فيها.. وقد تدفن رمالها ما يكتب عنها.
الذي يعرف سرّ الصحراء هو من يبدع في القراءة، فيقدمها لنا . والقراءة فن إبداعيّ تخضع لبنية الوعي التي يحتازها الفرد، بنية الوعي الخلاق وحدها القادرة على القراءة الإبداعيّة. إذا أخذنا بأن المعرفة هي ناتج علاقة الوعي بالوجود، فإن القراءة ناتج علاقة الوعي بالإبداع.
كثيرون ينظرون إلى الصحراء ، إلى هذا الجفاف، هذا العراء ، هذا الموات الذي لا نبت فيه ولا خضرة ولا حياة، فكيف يكون فيها أدبا نابضا ، حيّا ، فاعلا.
سأعرّف أولا ـ وأنا أقرأ أدب الصحراء من خلال (الكوني) في ديوان النثر البرّي(1) ـ بمنهج القراءة الذي انتهجته، ثم التأمل لدى ابن الصحراء ، وعبقرية المكان .. وعمق الرؤى السماويّة في الثنائيّة وثالوث المقابلات .. بعده أتناول معنى الضياع والعزلة والحياة في (الفخ)، وسر كراهيّة أهل الصحراء للشبع واستنطاق الكائنات في العمامة الزرقاء، وأسطورة الصحراء والجمل، ثم الاعتزال والانعتاق والحرّية كقضيّة فكريّة هامّة جدا وشائكة من بين الأعشاب الشوكيّة في هذا النثر البرّي.
ولن أبعد كثيرا وأنا أتلمس الأفق الأفريقي في قراءة (الكوني) واستعباد البنية وأخطار الحرّية وثمنها ، أنتقل أخيرا إلى فاعليّة البنية اللغويّة ، ثم نرتّل سويا بعضا من مقولات الديوان، متلمسين خصائص وسمات أدب البرّية أو أدب الصحراء من خلال هذه القراءة.
منهج القراءة :
لم تعد القراءة الخارجية للنص ولا قصدية المؤلف هي المحور الأساسي للقراءة النقدية المعاصرة ، فالجوهر الذي أعلا من شأن النص ومنحه الأدبية هو تصديره الفاعلية للمتلقي .. والقراءات المتعددة هي التي تكسبه ثراءً وتجعله أكثر خصوبة ..
ففاعلية المبدع وفاعلية النص يتم تلمسها واكتشافها من خلال فاعلية القارئ، والفاعلية هنا تعني البنية التي يحتازها المبدع أو يصدرها النص أو يقرأ من خلالها المتلقي . سواء أكانت بنية وعي تناسلي أو برجوازي وكلتاهما بنيتا وعي قصور أو بنية وعي خلاق وهي بنية مفتوحة يعي الإنسان نفسه من خلالها كائناً محباً ومبدعاً ومعطاءً مهمته أن يثري الحياة بالمعنى الشامل لهذه الفاعلية .
ويتكئ منهج القراءة المستخدم على مقاربة التحليل الفاعلي(2) الذي يعتمد على تركيب لعقل الإنسان من حيث النواة التوليديّة التي تحدد له وعيه بذاته، ومن ثم دوره في هذه الحياة وفاعليّته. حيث تتكون البنية من وجدان (جملة العواطف والمشاعر والقدرة على الحب) وجنان (القدرة على الفهم والاستدلال والتحليل) وذات ( وعي البنية لذاتها) . غير أن هذه البنيات تختلف في وظائفها بناء على طبيعة المرجعيّة النهائيّة لكل بنية . فبنية العقل المغلقة(وجدان مغلق) إذا كان برنامجها للعطاء محدود يقصر عملية الحب والعطاء في دائرة ضيّقة تشمل الشخص وأسرته وربما عشيرته أو طائفته. وتكون بنية العقل مفتوحة إذا كان برنامجها للعطاء مفتوحا يحقق الإثراء الشامل للحياة. في هذا الإطار يعتبر التحليل الفاعلي كلا من بنية الوعي التناسلي ، وبنية الوعي المادّي بنى مغلقة ، وأن البنية المفتوحة الوحيدة هي بنية الوعي الخلاّق. ويخوّل انغلاق بنية العقل إقصاء واستغلال واضطهاد كل من هو خارج الحدود الجغرافيّة لبرامج عطاء البنية. ويتم ذلك عادة بحجة التفوّق الدينى أو اللغوي أو العرقي أو الحضاري .. من خلال الادعاء بامتلاك الحقيقة.(3)
وعي القصور الكامن في التعصب والانحياز للذات وادعاء امتلاك الحقيقة والاستعلاء على الآخر يتجسد في بنية الوعي التناسلي أو البرجوازي في حين أن الوعي المفتوح المنعتق من أسر البنى المغلقة تتألق به بنية الوعي الخلاق لدى الفرد ولدى المجتمع .
وسنحاول من خلال هذه المنهجية المنطلقة من تعريف الإنسان بأنه فاعلية يثري الحياة باحتيازه لإحدى هذه البنى ويعي نفسه والحياة من حوله من خلالها أن نقرأ إحدى نصوص المبدع ( إبراهيم الكوني ) متلمسين الفاعلية بين شخوصه منقبين عن البناء اللغوي والأسلوبي كاشفين عن ( تنازر ) تنازع أو تآزر بنى الوعي ، قارئين لفاعلية النص أكثر من شرحنا لقصدية المؤلف(4) . باعتبار أن النص الأدبي هو بنية فاعلية لغوية تخيلية وهي أخصب وأثرى وأكثر اتساعاً من بنية الفاعلية الواقعية ..
الكوني والتأمل الكوني
حمل الصحراء في قلبه وهاجر بها .. وفاء منه لها وبحثا عن واوها سعى لاختراق مسامها وتطلع لأفقها وجذب عشقا بها فطوع الحرف لها بعد أن أخذه التأمل فنقلها من منفاها إلى العالم .. اختصر الطريق على من هفا قلبه لها .. وأراد أن يقوم بجولة سياحية فيها .. قرأها لهم قراءة أعمق وصورها لهم تصويرا أدق .. فوجدها العالم في ( ديوان النثر البري ) الذي فاق (ديوان الشعر العربي ) وصفا وقراءة ومساءلة وتأملا في أسرارها وسحرها .
زرنا معه المغارات ، ورأينا ما أزاح ( اخنوخن ) عنه التراب والأملاح والطين. وجدنا وجوها محفورة في الحجارة وجموعا محفورة في الصخر وشاهدنا رسوما ملونة لرجال مردة يرتدون أقنعة ، يطاردون حيوانات اختفت من الصحراء ، وخيالات الجن على الحجر .. مخلوقات منحوتة بفن بديع على صخور الكهوف .. وتعرفنا على أعشاب الصحراء وأشجارها وحيواناتها فكانت بحق فردوسا تجري في وديانه سيول خالدة .. اقتربنا كثيرا من خــلال (الكوني) من أهل الباديات .. وأهل الخافيات .
من هنا كانت فاعلية المبدع وهي تتجلى في اكتناه المجهول الصارم .. كوكب الصحراء كوكب آخر له أهله وطبيعته وطقوسه وكائناته الحية منها والجامدة . عالم يجهل العالم ماهيته ويتعامل معه بحذر ورهبة وخوف .. كان سهلا على المبدع وهو ابن من أبناء هذا الكوكب وهذا الفضاء أن يغوص فيه فكرا ووجدانا وأن يترجمه بيانا بكل جلاله ورهبته وقداسته وجماله وامتداده واتساع آفاقه.. وتبدت لنا علاقات الفاعلية في كل شاعرية الديوان من حيث الجدل والحوار والوضوح والأسرار .. الشخوص في نصوصه لم تغفل الضب والودان والغزلان والرتم والثعبان والروابي والكثبان والجن والإنسان والقبلي والسراب والشقاء ،والحكمة والبيان.
مزج ( الكوني ) اللغة الصوفية بالحرف الباحث عن الحقيقة والمعرفة . وتجلى العشق في الوجد الصوفي القارئ للعرفان بلغة الإشراق ..
تلك أهم قسمات هذا الديوان الذي حاور الفناء والشقاء في نغم أسطوري، واختزل الصحراء بوديانها وسهولها وكثبانها ورمالها وواحاتها .. لقد منح الفناء حياة جديدة . إنه ابن الصحراء أبى إلا أن يكون وفيا لها ولكن على طريقته التي كان لابد له فيها أن يفجر قضايا إشكالية فكرية عميقة تتنازر فيها بنى الوعي لدى شخوصه .. بما في في ذلك الضب والودان .
العنوان وعبقرية المكان
تتمثل مفاصل الديوان في الشاعرية النثرية ، والنثرية البرية ، والتأملية الكونية وعالم إبراهيم الكوني .. استحقاقات العنوان تأتي من كونه مليئا بالشاعرية والصور الفنية والمفردات الغنية بالدلالات والتراكيب الحبلى بالثراء الفني ..
العنوان يحمـل عبقرية المكان وفاعلية المبـدع ، فقـد كسر أفق التوقع من مفـردة (ديوان) حينما تمددت فيها مفردة (النثر) غطاء ينتشلها من المألوف ثم كسره مرة أخرى حينما تمددت مفردة (البري) فاكتسب صيغة فنية حاملا جذبا صوفيا وبلاغة بيانية وأسراراً جمالية .. لقد تجاوز به الكوكب الفريد إلى كل الكواكب والأمكنة ليس وصفا فحسب كما هو في ديوان الشعر العربي القديم بل بنية تكوين كوني امتزج مع الطبيعة ليغني وجودا حرا عكسته شخوص الديوان وشخوص الكوكب وكل البشر العاشقين للحرية والفضاء والامتداد . المتمردين على القيد أرضا وعطية وامرأة.
كما حمل الديوان شاعرية النثر الذي ينتثر في البرية كنجومها .. فالشعر كما ورد على لسان العراف الحكيم هو : " لغة المجهول وصوت الحوريات وتميمة الجنيات وشكوى القبلي وسر الترفاس وإيماءة الزهرة في شجر الرتم . وبدون الشعر لا يستطيع الصحراوي أن يقهر السراب المتآمر مع الأفق ..
ها هي عبقرية المكان تترجمها فاعلية المبدع حين يتواصل الموال الشجي الحزين حيث :
يتوقف السراب عن العدو
يتراجع العراء ..
يقبل الأفق ..
تقترب السماء من الأرض ..
ويسكت الكوكب الصحراوي لينصت ..
أما عندما يتوقف الموال فـ :
يهرب العراء من العراء
يتوالد الأفق من الأفق
يركض السراب ويتلاعب بلسان اللؤم والسخرية
تبتعد السماء في الفضاء
وتهرب الصحراء من الصحراء
وتلبس المتاهة قناع القساوسة الصارم .
كما تتجلى عبقرية المكان على امتداد مساحة الديوان ، وهو يقدم الإنسان الصحراوي بفكره وفنه ورؤاه ، بحبه وعشقه ووجده ، فيصف المسـرح بأدق تفاصيله :
فالصحــراء تتمدد
والعراء الفسيح قاس لا ينتهي
والأفق لئيم لا يستسلم
والبرزخ ممدود
والسراب يمد لسانا لعوبا
ـ لا يتوقف عن الغمز والتغنج والإغواء
والخلاء مكابر
والسماء جرداء صارمة
والسحب عزلاء تائهة
لذا كان الصيام عن الكلام ، والمساحات الهائلة من الصمت متاحة للتأمل الغياب في السكون والثبات فوق السرج ، والسفر مشدودا إلى الأفق العنيد غير عابئ بدعابات السراب .
هذه العبقرية التي تجسدت في الصمت والسكون والهدوء والمهابة والجلال والمدى تقاطعت مع فاعلية المبدع الذي طاف وتنقل من كوكبه وبكوكبه إلى كوكب المدن خلال كتابة ديوانه ( الدار البيضاء ـ موسكو ـ ليما سول قبرص ـ طرابلس ـ مالطا ) ليعكس لنا الاختلاف في الكوكب بين الصحراء وأهلها والواحات وسكانها وكيف لسطوة المكان أن تشكل الإنسان وفق لونها وشكلها ومدها وجذرها وفكرها وحرفها حاملا لها بين العواصم والمدن ، عارضا لمعرضه الفني ، قارئا لديوانه البري ..
في الديوان نجد بعض الأشواك البرية التي كفانا الكوني قسوتها حيث حملت مفرداته الشاعرية بذور الحب والعشق لينثرها في الكون كله .. نحب معه الصحراء ويشدنا إلى ساكنيها لنعشق كما يعشقون حياتهم العميقة الواسعة والممتدة في أفكارهم وأساطيرهم وشرائعهم ورؤاهم وإبداعاتهم ..
كما نجد أشواكاً صوفية غرسها في الديوان رابطا بين الصوفية الخروج والصحراوية الخروج والزهد الصوفي والزهد الصحراوي .. من خلال الأرض التي يرفض الصحراوي أن يصبح عبدا لها وعبدا لعطاياها .. والبدن الذي يرفض الصوفي أن يصبح أسيراً له ولغرائزه ..
لذلك شكل الخروج والزهد وعشق الحرية قاسما مشتركا بين الصوفية وأهل الصحراء .. كذا التمرد على ما استقرت عليه عادات الفكر المألوف الأرضي بل وما خطه الشرع السماوي .. فيما يتعلق بالاقتران بالمرأة .
( هذا الوحي السماوي الوحيد الذي على الإنسان أن يكفر به ) وبين شريعة الواحات وعقيدة الصحراء نجد الاختلاف الذي يشكل تقاطع علاقات الفاعلية في النص والحوار الذي يمنحها بعدا للنماء والتفاعل .
الثنائية وثالوث المقابلات في وطن الرؤى السماوية :
يعكس ديوان النثر البري قضية فكرية جامدة وجامحة في الوقت ذاته جمودها يأتي من الثنائية والاختلاف المقابل للحياة والموت ، للتدفق والثبات للحيوية والجماد .. ومن أصوات النطق في الأبجدية وغيرها .. وأما جموحها فقد عالجه الكوني من خلال خطابه للزمن والوطن ومحاورته للأساطير ومعانقته للنصوص الكونية التي تكتب الحياة دون أن يقرأها أحد ..
هذا الجموح للحركة والسكون يأتي من كون الحركة لها دلالتها والسكون نقيضها له دلالته كذلك .. الحياة لها دلالتها وفاعليتها والموت نقيضها له دلالته أيضا . الكلام بحركته له دلالته والصمت بسكونه له دلالته كذلك . فكيف بحركة الصحراوي الدؤوبة ، والتنقل والخـروج والسفر والترحـال والبحث الدائم في الصحـراء عـن ( واو ) البعيدة بعد كانو والأقرب من حبل الوريد. الحركة المتمثلة في الصحراء بدلالتها المليئة بالحيوية والفاعلية والحرية والسكون المتمثل في الواحة المستعمر للأرض والمستعمر منها بما يحمل ذلك من دلالة استقرار وإنتاج وإعمار ..
كلاهما يجعل النص زاخرا بعلاقات الفاعلية .. تلك التي تمددت بين البادية والريف بين القرية والمدينة بين الشرق والغرب .. ورغم بعض التداخل في بنى الوعي الذي فرضه هذا التمازج والتواصل بين البني خاصة تلك البرجوازية إلا أننا نستطيع أن نتلمس علاقات الفاعلية في هذا الفاصل الممتد بين برزخ الصحراء وأفقها وبين الانتماء إلى الأرض والسكون إليها في الواحة .بين بنية وعي مفتوحة تتوق إلى: الحرية وتتأبى على القيد والعطية والأرض وحتى الاقتران بالمرأة ، ـ ليس لشئ إلا لأنه يشكل قيدا .. والإنجاب إلا إذا كان ذرية للحرية ، رافضا دفع الإتاوة ، ساخرا من الجذور إذا كانت جذور ذل .. كافرا بالسماوي إذا حد من حريته .. متمثلا النبل والشجاعة والقوة باحثا عن الحكمة عاشقا للأفق .. محاولا الكشف عن المجهول.
الصحراوي هذا المتمرد التواق إلى كل ذلك يمثل قيم بنية وعي متمردة ليست هي بنية الوعي التناسلي الذي يسعى لإثراء الحياة بفاعلية التناسل (فالتناسل في الواحات ينجب عبيدا للأرض) . والبقاء في الواحة لاستثمار الأرض يدفع به إلى اكتناز الثروة ومن ثم يقصيه إلى بنية الوعي البرجوازي الذي يرى فيها ذات القصور .. فلا التبر ولا التراب ولا المرأة ولا الإنجاب .. كل ذلك لا يلبي طموحه ، ولا يجسد فاعليته فاعلية الحب والإبداع والعطاء والحرية والأفق ..
أي بنية وعي يحتازها هذا الصحراوي الرافض لدفع إتاوة الحياة قيدا كان ذلك بالأرض أو المال أو ارتباطا بالمرأة وإنجاباً للذرية .
إنه يبحث عن ذاته وعن وطنه السماوي (واو) البعيد بعد كانو والأقرب إليه من حبل الوريد .. يبحث عن فاعليته في هذه الحياة بالخروج والخروج دائما .. بالترحال والترحال والسفر .. إنه في برزخ العراء وفي برزخ بين بنى الوعي .. البني القاصرة التي يتمرد عليها والبنية المفتوحة التي يتوق إليها .. تجذبه بنية وعي القصور بهذا التعصب ، وتجذبه بنية الوعي الخلاق بتعلقه بالأفق الممتد ..
هذا الأفق ( الذي تراه البنية القاصرة ) صديق السراب يتهامسان ويتآمران ويرتبان المكيدة .. يتعلق به باحثا عن المجهول مستكشفا لآفاق آخر متحديا لهذا التآمر وتلك المكائد . ولكن الحكيم حاول أن يخرجه من حزنه وأن يمنحه بعض الإشارات الضوئية المعرفية التي تنير له الطريق وتخرجه من هذه العتمة وتفتح له أبواب الأفق وتحسم له هذا النزاع بين القيد الوجودي والتوق الصوفي .
بين هذه الفاعلية المحدودة الأثر القاصرة وتلك الفاعلية الممتدة التي تعطى ولا تأخذ .. تمنح ولا تكتنز. بين هذه الفاعلية التي تتمتع بالحرية الكاملة وتلك التي تدفع الإتاوة وتقبل بالقيد تنازلا لمقتضيات الوجود .
هذا التنافر، هذا التنازع بين بنيات الوعي.. سعى الحكيم ..العرّاف ..النبي ( ليس الموحى له من السماء) سعى إلى تقديم هذه الإشارات من أجل أن تتآزر البنيات لدى هذا الصحراوي التائه فيختار بنية وعي خلاق تقارب الواقع .
لم يرده عن عشقه للأفق ، وحنينه للصحراء ، وعشقه للمجهول بل عليه فوق ذلك أن يحاول قول الشعر .. إنها دعوة للإبداع ثم اقترح عليه ( علام المجهول ) " الوجد نعمة أخرى أسقط في الوجد وارقص مع النغم " إنها دعوة للحب.
حتى شيخ الطريقة حدثه عن الحنين والمجهول والسراب والفناء والشعر والغناء ، ولكنه أكد له ضرورة الخروج للالتحاق بنعيم المعرفة ( فمن لم يخرج لم يجرب ومن لم يجرب لم يعرف ومن لم يعرف لم يشق ومن لم يذق طعم الشقاء لم يدخل باب الفردوس ) إنها دعوة للعلم والمعرفة .
وعندما قرأ الشيخ أفكاره قال له :( اعلم أن الداخل إليك لن يكون جليسك بحق ما لم يخرج من سجنه . من نفسه . واعلم أن الخارج منك إلى الدنيا لن يهتدي إلى السراط ويعرف ماذا يريد مالم يتحصّن بنفسه من السوي)
إنها دعوة لمقاومة النفس ومجاهدتها و(السوي) هنا ليس سوى تلك البنية السائدة التي تسّوي بين أبنائها بقوانينها وتحكمهم بأعرافها وتقاليدها وتلجمهم بضوابطها وتلزمهم بقيمها ومن خرج عن ذلك فليس بسوي إنه الجنون لديها .. والجنون فعل تحرير من إمبريالية وسطوة بنية الوعي السائدة ..
وعندما دعاه الشيخ إلى الخروج و المخالطة والمعاشرة ومعرفة الآخر ليعيش الحياة خرج إلى الناس و" لم يكن يعلم أن الأنثى هي الشرط الأول للخروج والزواج هو الإتاوة الأخرى التي يدفعها كل من أراد أن يعاشر الناس ويمارس الحياة " .
حرث الأرض وامتهن الفلاحة . اجتهد في عمله ففاز بثقة صاحب الأرض صادقه وزوجه ابنته الوحيدة . جاهد نفسه في الأرض ، وفي الناس سنوات أخرى .. تعلم معنى أن تزرع وتجلس في الكوخ منتظرا الإحسان من الأرض وعرف أيضا وجه الشبه بين المرأة والأرض"
وعندما " صمم أن يحطم القيد .. اكتشف أن المرأة تشده إلى الأرض بسلسلة أطول من السبعين ذراعاً .. أنجبت له الولد كي تستعبده بالنسل كما حاولت الأرض أن تستعبده بالخبز" جليُّ هنا وفق منهج التحليل الفاعلي أن كلاً من المرأة والأرض ليسا سوى هاتين البنيتين القاصرتين بنية الوعي التناسلي وبنية الوعي البرجوازي بما يحملان من خصائص .
ومادامت هذه حال الدنيا تصبح هاتان البنيتان بتنازرهما يفجران الكثير من الإشكالات والكثير من الصراعات ويزرعان الكثير من الشر بحكم تعصبهما واعتقادهما بأن كل واحدة منهما تمتلك الحقيقة وحدها. فقط في حال تآزرهما مع بنية مفتوحة يكمن الحل .
كان عليه كما أوضح الشيخ أن يعي أن الألم هو الحياة وأنه شرط الميلاد وشرط الوصول إلى بنية الوعي المفتوح .. وبنية الحب والإبداع والعطاء الشامل " فإذا لم يتألم الإنسان فقد مات غافلاً " وكثيرون أولئك الأحياء الأموات .. بينما البني السائدة (المغلقة) السّوية كما تدعى تقول العكس : " من مات بلا ألم فقد عاش حياته سعيداً "ولو كان الأسوياء يعرفون معنى الألم لما كانوا أسوياء .
السير أيضاً طريقة من طرق المجاهدة واكتساب الوعي : ( هاجر .. سر من الأرض .. وامض .. أعبر .. ولا تتوقف ).
وهنا دعوة للامتداد بالمعارف عبر مجاهدات الهجرة والتنقل والبحث والخروج لتفتح الأرض البكر أبوابها .. أرض الرؤى والسكينة .. وطن الرؤى السماوية .
( الفخ ) ومعنى الضياع والعزلة والحياة
بين شرائع الأرض وأعراف السماء شرعت عبقرية الكوني في قراءة الفردوس الأرضي " الكوكب الصحراوي " بتجسيد الأسطورة ومنحها دلالات تتوازي معها وتتقاطع مع عادات الفكر وتتباعد مع ما هو سائد وتتوافق مع الطبيعة بشكل كلي ....
نص "الفخ" في ديوان النثر البّري، نصب لي فخاً كقارئ وصدّر لي فاعلية (وتلك غاية الأدب) تمنيتُ أن أعيشها ولا أفصح عنها لولا عادة القراءة وهزَّ ما هو مألوف منها ..
استلقيت فترة بعد أن أكملت مطالعتها وبدأت في قراءتها فإذا بي أمام كوكب درّي كنت غافلاً عنه، وتلمست علاقات من الفاعلية لم أقف عندها كثيراً من قبل والتي كانت تختزل بعبارات وجمل تمحى سريعاً ولا تسترعى الانتباه إلا في مواقف تستدعي مضغ تلك الجمل أو التفوه بها :
.. من نصب فخاً لأخيه وقع فيه .
.. من حفر حفرة لأخيه وقع فيها .
.. إن الله يُمهل ولا يُهمل . الخ..
في الكوكب المترامي الأطراف (الصحراء) عالم من الكائنات اكتشف الكوني صلات القربى بينها لا انفصال هناك بين الحجر والشجر والجبل والوادي والجمل والودّان والإنسان والجان والسيل والسراب والروابي وحرارة الهاجرة والهجرة ... كل شيء في الصحراء يتألم ويفرح حتى الأرض الخرساء .. الحجارة .. ذرات الرمل ..
..الحطّاب يأخذ نصيبه من الخدوش لأن الحطب لا بد أن يأخذ نصيبه من معصمي الحطّاب قبل أن يحرق بالنار .. وإذا كان العود أخضر فتلك جريمة أن يقطعه الحطّاب ليتدفأ به .. إنه يعادل أكل الإنسان للحم أخيه الإنسان .
.." شجر حيوان إنسان .. نحن من صنع هذه الألقاب الغبية وما تسميه شجراً مخلوق مسالم لا ينطق ولا يتكلم ولا يبادر بسوء ولكن هذا لا يعني أنه ليس أذكى مني ومنك ومن أي إنسان " أجابت أم ( اخنوخن ) بيقين .
يبدو أن سكون الصحراء يجعل من الصحراوي يتلمس بحسه وسمعه كل حركة وبتأمله كل حقيقة غير عالمنا المليء بالضجيج والضوضاء والصخب والأضواء الأمر الذي لا يتيح لنا إرهاف السمع ولا يمنحنا مساحات للتأمل وقراءة ما تقوله كائنات الصحراء وما نشاهده من حيوانات أخرى بيننا .
في عالمنا غرور، اعتمد الإنسان نفسه المخلوق الوحيد على هذه الأرض، والذي سخرت له بقية الكائنات لأطماعه يعبث بها كما يشاء دون أي تواصل وجداني بيننا وبينها فالوجدان مات فينا غير ابن الصحراء الذي لا يعقل الطلح أو الودّان أو وصايا الأولين بعقله وإنما يحسُّها بوجدانه ويتحسَّسها ببدنه كذلك .
فالجمال حتى في الليل لها قدرة خفية على الإحساس بوجود أهل الخفاء حين تتوثب بحركة استنفار وقلق وتوتر وترفع رقابها في العتمة وتتلفت في عصبية .
..( الرجل النبيل لا يقيد جمله أبداً ) نصيحة على لسان الزعيم الحكيم .
فالجمل المقيد بعقال يمشي مسافات أبعد من الجمل الطليق ؟
الجمل المقيد يمشي إلي الأمام ليل نهار ولا يتوقف عن الحركة لأنه يشعر بالقيد فيحاول أن يتحرر من القيد بالتنقل بالحركة بالسعي المستمر إلي الأمام يصبح القيد هاجساً وجعاً سيفاً مسلطاً على الرقبة فيحاول أن يقهره بالسعي .. يجاهد بقطع المسافات في سبيل الخلاص.. يعبر الصحراء لينال في العبور الحرية.. الجمل المقيد يغفل حتى عن الكلأ الذي جاء من أجله.. يخترق الوديان الخضراء دون أن يتوقف.
يدخل السهول المفروشة بالعشب ليعبرها إلي العراء إنه لا يري سوى الأفق لأن حريته في المضي إلي الأمام وخلاصه في الأفق ولكن الأفق لا ينتهي إلاّ ليبدأ أفق آخر، فيجد الجمل نفسه وقد قطع مسافة خرافية بين يوم وليلة .. لأن الجمل لا يسعى وإنما هو في سباق جنوني مع الأفق مضى وقت طويل حتى فهم ( اخنوخن ) أن الرجل الحقيقي هو الذي يترك جماله ترعى في المراتع طليقة لأنها لن تحتاج في ذلك الحال لأن تسابق الأفق كي تتحرر من القيد . والثنى الطليق يستفز الجمال السجينة ويضاعف شقاءها بالقيد، وإذا تضاعف شقاءُ الجمال بالقيد فإن هذا سيجعلها تضاعف هروبها من نفسها ظناً منها أنها تهرب من قيدها .
سر كراهية أهل الصحراء للشبع :
الشبع في شريعة الصحراء هو الشيطان الذي يصنع الشر. إذا شبع الإنسان فلا يرجى منه خير. إذا شبع الإنسان تفرغ للمكائد . وبادر بالظلم وأبدع في اختراع الشر... إذا شبع الإنسان بشَّع كل شيء وحول حتى التسلية البريئة إلي جريمة .. فقد " ترجل ( اخنوخن ) وترك الجمل يرتع في أشجار الوادي تتبع آثاره عندما جاء منذ أيام وقرر أن يتسلّى بصنع الفخ ولا يعرف الآن سبباً لهذا العمل غير التسلية ..
الوديان فازت في أواخر الشتاء بالسيول .. النوق توالدت مضيفة إلي قطيعه اثني عشر حواراً . وحمل له الرعاة بشارة أخرى من المراعي وقالوا له إن ماشيته تكاثرت وتكاد تتضاعف بالجديان . ( تاسيلي) تفيض بالحليب والسمن والزبد والأجبان هذا العام. مؤونة السنة الماضية لم تنفد من المطامير فماذا دفعه لصنع الفخ غير الملل والتسلية . أغرته وفرة الخير فصنع فخاً للصيد وأطاح بشجرة كاملة حتى يتمكن من تركيب لعبته المشؤومة .
في وقت يقضي ميثاق الصحراء بأن يوافق من يعيش فيها ويلتزم بقوانينها ألا يسفك الدم وألا يصطاد أنثى نضوجاً تحمل جنيناً وألا ينزع عشبة من جذورها ولا يقطع غصناً من شجرة خضراء .
الودّان المسكين لا يعرف العزلة ...
لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة
الخطر في العزلة ولكن الحرية في العزلة أيضاً
الخطر والحرية إذن رفيقان قرينان توأمان
المعتزل قوى حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لإنقاذه عندما يقع في الخطر عندما يهاجمه ضبع أو يلتف حول رقبته ثعبان أو يغويه السراب ويرميه بعيداً عن صراط القوافل فيجد نفسه أسير غول اسمه الظمأ ...
شاة الودّان التي اختارت أن تنفصل عن القطيع وتبحث عن الكلأ في وادي " اميهرو " بدل الوادي المجاور هي عضو شجاع قرر أن يصنع مصيره ويتولي أمر نفسه بنفسه، وما وقوعها في الفخ ( الذي نصبه اخنوخن ) إلا شهادة على هذه الشجاعة وبرهان على مسؤولية الاختيار.
خالف ( اخنوخن ) ميثاق الصحراء وخان العهد ( عندما شبع ) ولم يلتزم بشريعة الصحراء ولا بأسطورة الرباط المقدس الذي يجعل من كل كائنات الصحراء إخوة ينتمون إلي الأصل الواحد ...
حُق عليه العقاب ..
والإذلال هو ما يليق بالصحراوي إذا اختار بلا سبب أن ينضمّ لعشيرة الأشرار .. الذل في عرف الصحراء أشر من الموت .. الذل عار والعار أسوأ من الموت ...
احتمى ( اخنوخن ) من حملة التعذيب بقبر الأم .. أصبح يقضي لياليه متوسداً قبر الأم .. حوّل القبر إلي مأوى يعتصم به في الليالي من العقاب . هجر الوديان والكهوف وصنع من المقبرة بيتاً يأوي إليه في كل ليل .. أصبح يحتكم إلي الحرم ( قبر الأم ) هذا الحصن تحول إلي سجن
تحول ( اخنوخن ) إلي أسير في هذا الحصن وجد نفسه مشدوداً إلي حجارة القبر مثل معزةٍ مقيدة إلي الوتد بحبل أصبح الحرم سجناً بعد أن كان خلاصاً وملاذاً له من عقاب الجلد اليومي من أهل الخفاء ..
وإذا كان للمعزةِ سيد يأتي لها بحزمة عشب فإن القدر جعل منه عبداً بدون سيد هرب من عبودية العصا وعار الضرب ( من أهل الخفاء ) ليجد نفسه طفلاً يحتمي بتلابيب الأم وعبداً لحجارة قبر ...
.. نبش القبر وحمل معه الرفات تميمة احتفظ بها في جراب السرج كي تؤنسه في وحدته ...
إلا أن الرباط المقدس الذي يجعل من كل كائنات الصحراء إخوة ينتمون إلي الأصل الواحد .. لم يجد عنه فكاكاً ...
فاجأه السيل .. هذا الغول الذي لا يرحم .. تلقفه اللسان الوحشي وفرَّ به عبر الوادي
في صباح اليوم التالي وبعد المعاناة القاسية اكتشف ( اخنوخن ) أن الشجرة التي أنقذته من الموت ووهبته الحياة هي نفس الطلحة التي جرَّدها من الأغصان الخضراء وأطعمها للنار كي يتدفأ بها ...
الشجرة أعادت له الحياة، ولكنها أخذت منه تميمة الحياة ... أخذت منه رفاة أمه .. جمجمة أمه التي كان يحتمي بها من العقاب .
قضى شهراً كاملاً وهو يتفحص الوديان ويفتش الشعب بحثاً عن جمجمة أمه .. عاقبه الصوت بدلاً من السوط .. ظلَّ يركض، أحس أنه كائن غير الصحراوي، حاول أن يلتقط الهواء سدت السكِّينة الناريةُ كل المنافذ والأوعية والقنوات والأوردة. جحظت عيناه .. دارتا في محجريهما في تحية وداع مهداة إلي الملكوت الصحراوي في الأفق.
أحاط لثامه برقبته، لم يلحظ كيف سقط طرف اللثام وتعلق بنتوء بارز شرس في الصخرة .. أطلق أنيناً طويلاً موحياً كأنه جمل يذبح .. وقفز قفز من القمة لم يسقط إلي الأرض . القدر الذي حوّل اللثام في رمشة إلي فخٍّ تلقفه قبل أن يبلغ السفح شهق طلق التنفس ودَّع النفس فاستقر في فعلتيه تسليم وخلاص، وبسمة غموض .
نفس الغموض الذي نطقت بع مقلتا الأم المشدودة إلي الفخ المعلقة من رجليها الخلفيتين في الجبل .
إنها غضبــة الصحراء... معنى الضياع والعزلة والحياة ...
فقد الأم ولكنها تركت له الصحراء أو تركته أمانة في عنق الصحراء عهدةً في يد الصحراء، خان العهد فتنكرت له الصحراء أمُّه الثانية ... أمُّه بالتبنِّي قتل الأم الأولى .. الأم التي جعلته يحس بصلة القرابة بينه وبين الصحراء ..
بينه وبين كائنات الصحراء
بينه وبين الجن
بينه وبين الودّان
بينه وبين شجرة الطلح
بينه وبين طائر الوقواق
أحسَّ أنه لا يبكي عزلته ولا تيتمه ولا فقدان الأب والأم وإنما يبكي غضبة الصحراء
يبكي ضياعه الأبدي
هذا البكاء في ديوان النثر البري تقابله البكائيات في ديوان الشعر العربي إنه بكاء الضياع الأبدي ..
العمامة الزرقاء :
وفي بحثه عن فهم الكائنات الصحراوية يستنطق ( الكوني ) هذه الكائنات حتى الصماء منها راسماً أسطورة هذا الكوكب الصحراوي في حوار تتلألأ حروفه كومضات النجوم وتتخفى معانيه متلفحة العمامة مخترقة السر ، سابرة الغور .. فالجبل المدبب جنوب الحمادة الحمراء الذي صلّى طويلاً وطلب في صلاته الصامتة عمامة من السماء تقيه صفعات القبلي وتحميه من حريق قرص النار المعلق فوق رأسه لتجعل منه شبيهاً جليلاً بأهل الصحراء النبلاء .
سمعت الحمادة الحمراء شعائره الصامتة فحدثته وحاورته متفقة معه بأن الآلهة ترفض من يشاركها في الكبرياء كما ترفض السماء رأساً ينافسها في الارتفاع فمن أراد أن يجاور الآلهة ويحتفظ بالعُلا عليه أن يفهم طبيعة الأشياء .
حرَّك الكوني شخوصه في حوار وحركة استجاب الجبل لحاجة الحمادة وطلبها بأن نطح السحابة بعد اعتراضها بالعمود المنصوب على رأسه فأصابها بجرح بليغ بدأت تنز الماء وتبكي .. اعتذر الجبل لها بعينين دامعتين وخاطبها بطلب الغفران إنه جزء من استحقاقات الحياة على هذا الكوكب .. شربت الحمادة حتى ارتوت فأجابته إلى طلبه وذلك بأن أخرجت أثقالها وسلطت على الجبل الأقهب بركاناً قاسياً استمر يلفظ الحمم عدة شهور . تعذب الجبل وغاب في الظلمات ولد من جديد فأوقفت الحمادة حمم أحشائها .. تلونت قمته بالزرقة وجد نفسه أخيراً يرفع رأساً متوجاً بعمامة زرقاء .
إنها رسالة من ( الكوني ) في تبريره للأشياء والمرجعية السببية لها فليست خارج الكون ، إن المرجع السببي هي الذات نفسها فلا الدعوات إلى السماء ولا الانتظار إنها استحقاقات الحياة وفاعلية الذات فيها .
المبتدأ في سفر الشقاء..
وفيها سطر ( الكوني ) أسطورة الصحراء والجمل والعهد الذي قطعه بأن يحمل عنها الإنسان مقابل حصانة تهيّئها له ضد غول الصحراء ( الظمأ ) .. وصبراً على الماء تخصه به من دون الحيوانات كلها .. هذا العهد الذي كتب في اللوح المحفوظ .. كان المبتدأ في سفر الشقاء لأن الجمل تمنى أن تحمل الصحراء عنه الإنسان وتعيد له الظمأ .
الاعتزال والانعتاق والحرية..
قضية فكرية هامة جداً وشائكة وتشكل إحدى الأعشاب الشوكية في هذا النثر الثري .. تلك هي قضية الحرية والانفصال والاعتزال ، مفهوم الحرية يقتضي النظر إليه من ناحية فكرية فلسفية ماذا يعني وأين يكمن الخطر فيه ، هل غطاء الوحدة يشكل أماناً ولكنه يسلب الحرية ، وهل الحرية تقتضي العزلة ولكنها تشكل خطراً ؟
يقول الكوني في ( الفخ ) الذي نصبه (اخنوخن) لشاة الودّان :
" قطعان الودان لا تنزل لترعى في السهول إلا في الليل . تنزل في قطعان عادة ، وتعود لتعتصم بالقمم قبل انبثاق قبس الفجر . ولكن هذه الشاة لم تكن عضواً في قطيع . ربما انفصلت عن القطيع في الوادي المجاور وقررت أن تجرّب حظها وحيدة. الودّان المسكين لا يعرف العزلة،لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة . الخطر في العزلة والحرية في العزلة أيضاً . الخطر والحرية إذن رفيقان " قرينان " توأمان وهذه هي الحيلة الوحيدة ، الحكمة الوحيدة التي لم يسمعها من الأم ، ولم يتعلمها من الأسلاف ، ولم يقرأها في رموز الكهوف . هذا هو المبدأ الوحيد الذي تعلمه بنفسه في الصحراء . المعتزل قوي حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لإنقاذه عندما يقع في ورطة عندما يقع في الخطر . عندما يهاجمه ضبع . أو يلتف حول رقبته ثعبان أو يغويه السراب ويرميه بعيداً عن صراط القوافل فيجد نفسه أسير غول اسمه الظمأ . " ص 50
ويواصل الكوني مناقشته لهذه القضية بتأمل عميق :
" ولكن هل يستطيع القطيع أن يفعل شيئاً ؟ هل يفيد التواجد بين الجماعة حسب شريعة الصحراء ؟ " ص51
ثم يقرر :
" لا . لا يفيد ولا ينفع . بل يؤذي أكثر مما يفيد . لأن الأذى إنما يأتي أغلب الأحيان من الجماعة. العضو في قبيلة . أو في قطيع يسترخي معتمداً على الجماعة . وما أن تحل لحظة الامتحان ويحتاج لمساعدة أعضاء القطيع يكتشف أنهم أضعف من أن يساعدوا حتى أنفسهم . يكتشف أنهم كانوا . طوال الوقت ينتظرون يد المساعدة منه هو لا أن يقوموا بتقديمها له . يكتشف أنه غريق يتعلق بقشة . يكتشف أنه مخدوع " ص 51
ثم يعود (الكوني) ليقرر أنه ليكتشف ذلك لابد أولاً من أن يعيش في القطيع يقول
" والمصاب أن من لم يجرب الانتماء إلى الجماعة ، والقطيع لن يستطيع أن يختصر الطريق ويتولى أمر نفسه بنفسه . وشاة الودان التي اختارت أن تنفصل عن القطيع وتبحث عن الكلأ في وادي (إميهرو) بدل الوادي المجاور . هي عضو شجاع قرر أن يصنع مصيره ويتولى أمر نفسه بنفسه .
وما وقوعها في الفخ إلا شهادة على هذه الشجاعة . وبرهان على مسؤولية الاختيار" ص 51
تلك إحدى القضايا الهامة التي نثرها الكوني في ديوانه مستلهماً لها من التجربة .. فهل تتوافق عادات الفكر في فهم العزلة على أنها شجاعة وليست انتحارا .. وفي أن الكائنات الحية كائنات اجتماعية وخاصة الإنسان وأن اجتماعيته صحيح أنها تسقط جزءاً من حريته بمقابل هذا الانتماء ولكنها تصون وجوده وتحفظ حياته ...
قد نتفق نوعاً ما في أن القطعان البشرية الآن يهشّها الراعي وفي الوقت نفسه تسعى هذه القطعان أن تحقق حريتها ولكن من خلال انعزالها وانفصالها .. والشجاعة هنا تعني الانتحار دون مقابل كما فعلت شاة الودان .
أما الدائرة السرية للاعتزال فقد شكلها (الكوني) في تأملات الضب في جحر البيات الشتوي .
لقد عرف أن الصيام ليس تميمة لعلاج الهوى وحده ، وإنما هو الذي يرجع له الفضل في إكساب المناعة ضد الموت . ولا يعرف أولئك البلهاء الراكضون وراء الشبع والامتلاك أن صيامه هو سر خلوده إذ لاحظ بالتجربة أن الجوع يصفي الدم ويطرده من البدن وعندما يختفي الدم في العروق والأوردة ، أو عندما يتراجع إلى الحد الأدنى ولا يتبقى منه سوى قطرات . فإن الموت يهرب مع سائل الدم ، ولحياة تستر من مكان آخر غير الأوعية أو الأوردة أو العروق ..
" كاد يفك رموز المعادلة السحرية . كاد يقول أن مفتاح اللغز في الاعتزال . المعتزل خالد لأنه ميت وميت لأنه صائم وصائم لأنه ممتنع ، وممتنع لأنه قوي وقوي لأنه وحيد ، ووحيد لأنه زاهد لأنه فان والفاني هو المخلوق الخالد . في هذه النقطة تقفل الدائرة السحرية لتبدأ من البداية وأهل الصحراء البلهاء الذين يجهلون المفتاح يدورون في فراغ المتاهة ويحلمون بالخلود بدون قرابين ولا يعلمون أن الخلاص أقرب لهم من حبل الوريد . لا يعلمون أن الخلاص هو الزهد في الخلاص . كما أن الحياة هي في رفض الحياة . وهو مخلوق خالد (أي الضب)لأنه يتلذذ بالفناء ويجد متعة بالصيام أو الغياب في غيهب القبر . ومن أراد الحياة من أراد الخلود يا بلهاء فليفعل مثلي .ص160
" لم يدرك أن النار لا تأكل إلا من يأكل . والسكين لا تقتل إلا البدن المسكون بالدم . والموت يهجر البدن الميت لأنه لا يجد ما يتغذى عليه . والعدم يفر من جسد تيبّست فيه الأوردة والأوعية والعروق . والحياة تتعلق بمخلوق يعتبر الآخرون أن لا حياة فيه .
بهذه الخاتمة تنقفل الدائرة السرية " .ص 16
الأفق الأفريقي في قراءة الكوني..
هارى كريسكى من معهد الدراسات العالمية – بيركلي في مقابلة مع وولي شوينكا سأله عن رؤيته حول المزايا الأساسية التي تجعل الشخص كاتباً ؟ فأجاب " أن يفرق الإنسان نفسه في خضم متنوع من الخبرة والظاهرات ، بعبارة أخرى القدرة أن يهب أو يرهن وعيـه وإحساسه لمظاهر الحياة من حوله . إنها أساسيات عمق التفكير " (5)
ذلك ما قرأناه في قراءة (الكوني) لمظاهر الوجود حيث التقى الإشراق الصوفي بالزهد الصحراوي بصور الديانات والأساطير وسيمياء الثقافة الأفريقية ومعطياتها التي ترسم في مجملها الموت كذروة رحلة إلى الحكمة . فالكائن الذي يموت يكمل وعيه بحياته أو يعبر الخطوات في اعتلاء وخروج .. فالموت يكون جواب الحياة .. والمرور من الولادة إلى الموت يستلزم حشد التورية والخرافات والألغاز في التوحد .. هذا الجمع والتوحيد إضافة إلى الصور تقود القارئ لأن يعتقد في أن تلك الحياة ما هي إلاّ اللغز أو النكتة التي تحل بالموت . فالثمار التي تنتظر هي في نهاية الحياة .
شوينكا يعلى أو يمجد الموت بوصله بوضوح بأهمية الظاهرة في الاعتقاد اليوروبي(6) :
التلال ، الأرض ، المطر ، وطرق الحياة ، كل زمرة تشكل مصدراً خاصاً للطاقة .. فهناك عوامل فعالة خصوصاً في علم لاهوت المجموعة العرقية .. التلال قد شرفت تقليدياً كبيوت الآلهة ، لبضعة أسباب فقد قدموا حماية رائعة خلال زمن الحرب ، وكانوا بحجم الإلهام رهبة ، واستحوذوا على الفكر بكثافة النباتات الغامضة بكونها بيوتاً للحيوانات والأرواح الطائشة وحافظوا على الحضور السرمدي ، كما عرفوا أن يدوموا أطول من أجيال البشر.
فالتل وسيمياء الصخر وقمة الجبل وأصابع الشوكة على التل الحجري والأرض كبيت لبقايا الأسلاف . والموت الأقرب إلى الأرض المقدسة من الحياة . حملت كلها كما حمل المطر أهمية عظيمة في دين اليوروبا بطقوسه الأكثر شكلية في أرض اليوروبا .
أمّا عند ( الكوني ) فالأفق الأفريقي في قراءته لكوكب الصحراء الكبرى ، أو الفردوس الأرضي لا يبعد كثيراً عن تلك الأساطير وإن كان العمق والإيحاء والدلالة تزيد من عمق العراء والصحراء في تدوين الأسطورة .
والأساطير هي قراءة إبداعية لمنظومات الكون ، هي دلالات وتفسير لعلامات وسيمياء ومظاهر وآيات الكون . و ( الكوني ) سعى من خلال قراءته العميقة عمق الصحراء إلى نقل الوجود المغلق الأخرس إلى حالة شفوية منفتحة أمام لغة يستوعبها الجميع . إنه يستنطق الأصل والماقبل فيخضع كامل الكوكب كعالم متفرد معزول إلى خطاب نقرأ من خلاله الدلالات الغنية بصورة فنية لاستكناه هذا العالم اللغز وسبر أغواره .. عالم المتناقضات .. حياة الموت وموت الحياة . الانعزال والاتصال ، الفردوس الأرضي بوحشيته وقسوته وبحنانه ورقته ، بضوئه وأشعته بظلامه وعتمته .. يعيش فيه الضب معتزلاً صائماً زاهداً متماهياً مع الصحراء .. ويحيا فيه الغزال والودان والإنسان مليئاً بالحيوية في هذا العراء .
وبين الميلاد والفناء لغة الطبيعة الصحراوية العصيّة التي لا تنداح إلاً لابنها طيّعة مستسلمة لقراءته الإبداعية ناثراً فكره البرّي في ديوانه .
من هذه البرية نلتقط ما يربط هذه القراءة بالأفق الأفريقي .
.. واو التي يبحث عنها الأب وابنه والصحراوي عموماً هي أبعد من كانو وأقرب من حبل الوريد ص9 .
..لست أنا من اخترع الشريعة . والزعيم يكف أن يكون زعيماً في تلك اللحظة الجنونية التي يخالف فيها تعاليم الأسلاف .
.. أنت لا تعلم أن لي أبنة من امرأة زنجية عقدت عليها في كانو منذ زمن بعيد كنت أقوم برحلة تجارية وأنا في عمر الهوى والحماقات . راقت لي فتزوجتها . أنجبت بنتاً والبنت الآن في عصمة زنجي .. ولي حفيدة زنجية ، هل تصدق أن حفيدتي زنجية .
.. في تلك اللحظة فقط نزل الإلهام وعرف التاجر القديم الذي قطع الصحراء منذ كان فتى يرافق الأب إلى جنوب القارة . أن التجارة أيضاً باطل لأنها لا تساوي قطرة ماء.
ونحن نربط بين (واو) و(كانو) و(المرأة الزنجيّة) و(الابنة) التي هي في عصمـة الزنجي و(الحفيدة الزنجية) نربط كل تلك الإشارات مع تقديس الأفارقـة (للأسلاف) وهو ما ورد كثيراً في ديوان النثر البري .
(قبور الأسلاف) التي تنبئ بالمستقبل.
(إدبني الذي يخفى رفات الأسلاف) ص 32
(وجدت مزبورة في جدران الكهوف حيث حفرها الأسلاف)ص44
(رفع رأسه إلى السقف وتلهى بمشاهدة الجموع التي أتقن الأسلاف حفرها في الصخر) ص45
(صعد المرتفع المزروع بمقابر الأسلاف) ص63 .. تعاليم الأسلاف .. إلخ
أما الديانات الأفريقية التي دائماً ما ترتبط بالأسلاف فيجسدها عدد من الأدباء الشعراء الأفارقة .. حيث رسم ويلي شوينكا في قصيدته ( الدورة Last Turniny ) رسم الموت كرحلة عقلية وفيزيائية فالشخص الذي يموت يكمل وعيه بحياته أو يعبر " الخطوات في اعتلاء " .
الموت يكون جواب الحياة .. المرور من الولادة إلى الموت .. الموت يكسو ثقب الحياة .. الموت أكثر ثمرة من الحياة والشخص الحي الميّت الذي يحاول أن يجني كل الحياة.. يجب أن يصلي قبل أن يفقدها إلى الأبد .
شوينكا يرى أن الحياة ليست ثمينة كتلك ، .... الرحلة إلى الموت في " طريق الأعشاب الضارة " الطريق مليئة بالنباتات القاحلة .. عندما يموت الأحياء يصلون " بيّارة الحياة " حيث التمر الوفير ، الحياة هي عشبة ضارة ، ذلك أن الناس يتعلقون بها بشكل يائس لكن الموت على الرغم من كونه محملاً بثمار الفردوس فمازالت أسباب الميتة تعود إلى العصر بالأيادي الهزيلة .. وهنا كما يبدو يقترح شوينكا أن لا موت ولا حياة بل هي خبرة إيجابية كاملة .
ومعظم الشعوب الأفريقية يقوم نظامها الاجتماعي على أساس دقيق من النظام التدريجي، الذي يشمل الموتى والأحياء، فلكل مرتبته الخاصة، وأعلى مراتب هذا النظام يختص بها الأسلاف العظام الذين أسسوا القبيلة، ثم يليهم في المرتبة من الموتى الجد الأعلى للأسرة، ثم أسبقيتهم في الوفاة، ويأتي بعد هؤلاء جماعة الأحياء على الترتيب.(7) إنها الخبرة الإيجابيّة الكاملة.
وفي ديوان النثر البري نلتقط الإشارات الكثيرة جداً .
.. عندما يتعب كوز الطين ويبيد وتقترب الساعة التي يتحرر فيها عصفور النور من وزره فإن الأرض لا تأخذ إلاّ كوم العظام . أما العصفور فيطير إلى واو . ص15
.. لن يترك خلفه نسلاً . القيد مسلط على رقبته من السيف .. إذا أخذه معه إلى واو
ضمن له السكينة .. و .. الخلاص الأبدي ص26
.. ظل الأب يتأمل القمة النفيسة .. الرأس الحقّي الساعي للالتحام بالله الجنين المتمرد على سلطة الأرض . التواق للتحرر من كوز الطين والخروج إلى خلاء الحرية ..
.. أفلت الطائر من القفص وطارت شعلة النور . بقى كوز الطين هامداً متحداً ،
مستسلماً للتراب . في العراء الحزين الخالد اكتمل نزول العتمة ص 38 . ال
استعباد البنية وأخطار الحرية..
يستوقفنا ( الفخ ) مقطـع (8)* من بين أعشاب البر ليطرح أمامنا قضية جد عميقة .. عمقها ينطلق من كونها الحكمة الوحيدة التي لم يسمعها من الأم . ولم يتعلمها من الأسلاف ولم يقرأها في رموز الكهوف .. والمبدأ الوحيد الذي تعلمه بنفسه في الصحراء ..
خروجاً من عادات الفكر التي صممت الحياة الجمعية وأرست ثوابت النظرة القطيعية الجمعية من كون الإنسان كائناً اجتماعياً لا يستطيع أن يعيش بمفرده أو يلوذ بقداسة صمته .. عليه أن يحتمي بالقطيع ليؤمن نفسه من الضياع .
فالودان المسكين لا يعرف العزلة
لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة
الخطر في العزلة
والحرية في العزلة أيضاً
الخطر والحرية إذن رفيقان .. قرينان .. توأمان
والمعتزل قوي حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لانقاذه عندما يقع ي الخطر
إذن الهدف هو الحرية ، ولا يستطيع أن يجازف ليتحمل هذا الخطر إلاّ من اتصف بالشجاعة وقرر أن يصنع ويتولى أمر نفسه بنفسه مبرهناً على مسؤولية الاختيار ..
وتأييداً لهذه الفكرة يتساءل المبدع : هل يستطيع القطيع أن يفعل شيئاً ؟
هل يفيد التواجد بين الجماعة حسب شريعة الصحراء ؟ ويجيب : لا . لا يفيد ولا ينفع بل يؤذي أكثر مما يفيد . لأن الأذى إنما يأتي أغلب الأحيان من الجماعة .
العضو في قبيلة أو في قطيع يسترخى معتمداً على الجماعة وهي أضعف من أن تساعده.
والإسقاط هنا يتمثل في كيفية الخروج من القطيع .. التحلي بالشجاعة .. مخالفة السائد واعتزاله والتمرد عليه .. اكتساب المشروع المخالف للبنية السائدة التي تحكم القطيع بأعراف وتقاليد وموروث وعادات هي أسّ البنية السائدة..
فالشجاعة إذن في التحرر من أسر القطيع الخائف أبداً والذي يعتقد أن البنية ستحميه وتوفر له الحماية ثم يكتشف الخدعة والزيف . هذه البنية المغلقة والقاصرة والحاكمة والمتحكمة والحارمة لأفرادها من الحرية تخدع الجموع بأنها هي المأمن والملاذ ، وفي حين أنها ترعبه وتغرس في قلبه الخوف وتحذره من المجازفة والعزلة ، وتحول بينه وبين الشجاعة والحرية واتخاذ القرار الجرئ ، فإذا ما خالفها كادت له وأنبته وعاقبته وتخلت عنه .
وإذا ما انعزل فإنه يكون بذلك قد اتخذ قراره بنفسه ويتحمل كامل التبعات التي تترتب على هذا التصرف حتى ولو كلفه حياته .
الإسقاط هنا في الجرأة والشجاعة والمبادرة والمبادأة ومخالفة القطيع الذي يشكل حماية وهمية .. لأن القطيع الخاضع للبنية والمستعبد لبرامجها وضوابطها يغرس فيه الخوف وينتزع منه روح المبادرة والمجازفة والحرية.
والمصاب أن الإنسان – كما الشاة – لا يعرف التمرد ولا يتوق إلى الانعزال دون أن يجرب قسوة الانتماء ويكتشف الحماية الوهمية ولو أدرك الإنسان ذلك لاختصر الطريق على نفسه إلى نفسه وأدرك أن قيمته في داخله ، وحريته يحققها بإرادته وشجاعته وأنه يمكنه أن يبدع ويثري الحياة دون الخضوع لسيادة البنية ودون الركون لاستعبادها ودون قيود التعصب التي تفرضها عليه .
فالبنية السائدة الحاكمة للجموع تحدد له مساره وفاعليته . والخروج عن المألوف والسائد يحمله عناء مواجهة الأخطار . لكنه يكسبه نفسه ، ويمنحه حريته ، ويسترد به شجاعته وقوته . في حين أن البقاء في القطيع يستعبده ، ويغرس فيه الخوف موهماً أياه بأن ذلك يجنبه الأخطار ويشكل له الحماية .
والانتماء الذي يشكل هوية تقليدية لقطيع وفق محددات تاريخية جهوية لغوية دينية عرقية ، هو انتماء لا إرادي وجد الإنسان نفسه فيه وهذا الانتماء لا يعني بأي حال من الأحوال قدراً لا فكاك منه .
صحيح أن مخالفة السائد والتمرد على المألوف والخروج من القطيع واختيار العزلة بل واحتياز البنية البديلة المفتوحة به الكثير من المخاطرة والمجازفة لكن به أيضاً الشجاعة والحرية والتألق والإبداع والتفرد والتميز والانعتاق..
صحيح أنه قد يقع في الفخ ولكن بشجاعته قد يحرض الآخرين لبناء شخصياتهم المتفردة وكينونيتهم المستقلة وإبداعاتهم المتميزة .
بقى أن نشير هنا إلى أن القطيع من الشياه قد لا يتأثر بخروج شاة منه ولكن البنية السائدة في المجتمع ستلحق بك الأذى إن خالفتها أو تمردت عليها أو سلكت طريقاً غير ما يحقق لها مهامها وأغراضها ..
وطريقها يتمثل في التعصب والاعتقاد بامتلاك الحقيقة والالتزام بالأعراف والتقاليد والعادات .. وإذا قبل الفرد أن يكون ضمن هذا القطيع سيقبل حتماً أن يهشه الراعي وأن يسلك به الطريق الذي يحدده له ويطعمه العشب الذي يقوده إليه .. وعليه أن يقبل بالقيود التي يفرضها عليه وأن يتحمل الأذى الذي سيلحق به وأوله انعدام شخصيته وفقدانه لحريته ، وقيمته التي يحددها له الآخر .
من هنا كانت فاعلية المبدع بهذه الإشارة التي اكتسبها بنفسه لم يجدها في تراثه الذي خلفه الأسلاف ولا من الجموع التي عاش معها .. و ( الكوني ) في تأملاته للحياة الجمعية في الصحراء لا يصورها لنا بقدر ما يدعو مركزاً على الانعتاق والاعتزال والخروج بما يحمل من دلالة ومخاطر .
لقد حصر فاعلية الإنسان الصحراوي في التوق إلى الانعتاق والحرية إلى الآفاق .. إلى العراء .. إلى الخروج من كوز الطين . حصر الفاعلية في التأمل والحوار مع كل الكائنات للتوصل إلى المعرفة وحل إشكال الوجود . بالدعوة إلى التمرد على القطيع من أجل التعدد والتنوع والثراء والتجدد والحرية .. وعرّى البنى المغلقة بأن حريتها مقيدة وتكسب الضعف وتفرض القيود وتشكل استرخاء يضعف الفاعلية ويجعلها قاصرة وضيقة ومحدودة الأفق .
فاعلية البنية اللغوية :
وما يهمنا هنا ليس ورود المفردة بهذا الزخم المتناغم مع مئات المفردات المشبعة بالألف الممدودة . ولا التناسب في الاستخدام والتساوي في العدد بقدر ما يصلنا من دلالة هذا الاستخدام حيث يشير إلى أن الكوني لم يعشق الصحراء بحد ذاتها فحديثه عنها محدود جداً إذا ما قيس بصفاتها أو بساكنيها . وتكفي الإشارة إلى أن أكثر ورودها مضافة إلي حيث وردت ( 89 ) مـرة مثل :
( ابن الصحراء ، يد الصحراء ، أهل الصحراء ، عشق الصحراء ، عقيدة الصحراء ، ما وراء الصحراء ، حدود الصحراء ، سكون الصحراء ، هواء الصحراء ، تعذيب الصحراء ، سكان الصحراء ، تقلبات الصحراء ، شريعة الصحراء ، كائنات الصحراء ، أمام الصحراء ، عنق الصحراء ، غضبة الصحراء ، جسد الصحراء ، عرف الصحراء ، حياة الصحراء ، سفر الصحراء ، قبيلة الصحراء ، أصحاب الصحراء ، كنوز الصحراء ، ملاك الصحراء ، فتنـة الصحراء ، ضيوف الصحراء ، استضافة الصحراء ، قدرة الصحراء ، كفاءة الصحراء ، ، عبور الصحراء ، قساوة الصحراء ، ملـذات الصحراء ، امتداد الصحراء ، سيد الصحراء ، وجه الصحراء ، طبيعة الصحراء ، بدن الصحراء ، غبار الصحراء ، أحلام الصحراء ) وهكذا .
وذلك يعني أن الاهتمام بساكني الصحراء وتأثرهم بها ومشاعرهم تجاهها ، وأعرافهم وشرائعهم فيها ، وتأملاتهم لها ، واتقاءهم لغضبها وتسامحهم معها ، وتبنيهم لها وعشقها .. شكل ذلك المنطلق الذي اهتم به ( الكوني ) بإبرازه وتجسيده ، فتحدث وتغنى بكل الكائنات التي تعيش في الصحراء أكثر من حديثه عن الصحراء نفسها .
المنطلق إذن هو الإنسان والكائنات التي عايشها وعاشت معه وكيف نفسه معها وخلق الأساطير لاحتوائها وتأثر بها وعشقها فتميز في هذه البنية عن غيره .. وتشكل من خلالها صفاءً وأفكاراً ومشاعر ورؤى ..
ألهمه مجتمع الصحراء الصور الفنية الزاخرة التي حشدها على امتداد تراكيبه ونثره الشعري .. باحثاً ومنقباً عن الحقيقة عن ( واو ) الضائعة ... فتنازرت البنيات من خلال طرحه لفلسفة الضب التي تدعو إلى قطع الأمل والاعتصام برؤوس الحجارة والرؤية المفتوحة للودان الذي يدعو إلى الأمل والحياة
الإيقاع الذي اختزنه ( الكوني ) وسيطر على أسلوبه ، هو غنائية الألف الممدودة قافية وإيقاعاً وحشداً لمفردات تنم عن تكوين وجداني خلقته وشكلته الصحراء بمدها وامتدادها ، بعرائها وأفقها .. فامتلأ النص بها من ( هباء ، شعراء ، وأهل الخفاء ، والرقاب الهيفاء ، والمساء ، وأهل الصحراء النبلاء ، والعمامة الزرقاء ، والحمادة الحمراء ، وطبيعة الأشياء ، ونقاء الهواء ، والغطاء والرمضاء ، الشقاء والبقاء والانتشاء ، الوراء والصفاء والنداء والبكاء والكبرياء الماء والكتلة الممسوسة السوداء . الالتقاء والإغواء وميزان الأشياء . الفناء والغناء والخباء والبلهاء . الأسماء والعطاء والبقاء . الأعضاء والظلماء . الجزاء والامتلاء والحكماء .. سلطان الضياء ، الأبرياء والأرض الجدباء وتفتح الأثداء وإدرار السماء والحجارة السوداء.. الغشاء والانتماء . العزاء والفقهاء ، وسلالة الأنبياء . ذرات الهباء وصلاة الرجاء ، الشتاء والنساء والأشقياء ومشية الخيلاء . العراء والخلاء والفضاء ..)
حتى معظم الديوان كتبه في ( الدار البيضاء ..
وسيطرة هذا المد بألفه على أسلوبه وإيقاعه منح النص انطباعاً جمالياً أوقل خاصية جمالية مرتبطة بمعشوقته الصحراء .. وبنموذج إحصائي تتبعنا مفردات ( السماء ، الخلاء ، العراء ، الفناء ، الفضاء والأفق ) حيث وردت السماء (90) مرة والخلاء (20) مرة والعراء (40) مرة والفناء (20) مرة والفضاء (15) مرة والأفق (60) مرة وهي بمجملها (245) في حين وردت مفردة ( الصحراء ) (316) مرة .. بما يصل المجموع إلى ( 561) مرة في وقت استخدمت فيه كلمة الواحة ( 10) مرات فقط في مجمل الديوان ..
ومفردة الصحراء التي وردت (316) مرة مركبة وفق تركيبات مختلفة مقصودة بذاتها مبتدأ أو فاعلاً أو نائب فاعل أو مفعولاً به 77 مرة
وتركيباً وصفياً ( صحراوي ) 71 مرة
كما وردت مجرورة بحرف الجر 79 مرة
ومجرورة بالإضافة 89 مرة
ونقرأ من خلال التميمة البرية القديمة ما يلي :
( إن كل مخلوق مسؤول عن اختياره ، والقـدر لن يكتب الحرية لمن اختار القيد واستسلم منذ البدء ) ص127
ومن خلال طرحه للخروج من أسر البنية والانفلات من القطيع كانت قراءته لشاة الودان التي اختارت الحرية وتحملت نتاج اختيارها بشجاعة .
ومـن خلال دعوته للخروج عن البنية السائدة رغـم قســوة هذا المشـروع فـ ( الطريق المرسوم دائماً مستباح ولا خير فيه ، يهرب من أمامه العشب ويختفي الترفاس .. الترفاس يهرب من كل المساحات التي تعبرها القوافل )
ومن خلال دعوته لبنية منفتحة غيرقاصرة أو منغلقة، بنية وعي خلاق فـ ( المخلوق الذي وجد في نفسه الرجولة لأن يسخر من السيوف ومن حملة السيوف قال إن الرجولة الحقيقية هي أن يضبط الرجل هواه ويسيطر على رغباته ) .
من ديوان النثر البري نعرض بعضا من مقولاته التي تقول:
..القدر لن يكتب الحرية لمن اختار القيد واستسلم. ص 127 المبتدأ ي سفر الشقاء .
..العتمة قناع يحجب الكبرياء .
..لا شئ في الحياة بلا ثمن. (القبلي في حواره مع النخلة).
..إن طبيعة الأشياء تقول : لا يلقح القبلي النخلة إلاّ إذا صرع في طريقه أخرى
لا يولد مخلوق إلاّ إذا تنحى له مخلوق آخر عن مكانه.
( القبلي في حواره مع النخلة )
..الصحراويون لا هدف لهم إلاّ الارتحال تحرراً من وزر المكان مؤثرين الأسفار خلاصاً من قيد الزمان. ص 165 ( عودة الضب إلى منفاه السفلي )
..الصبايا دائماً مركز اللقاء .
نقطة التقاطع .
ينبوع الحزن والفناء
يقطع الصحراوي القارة الخالية من أقصاها إلى أقصاها ويعود إلى نقطة
الانطلاق إلى
الصبايا .
يخرج إلى الغزوات في سبيل الصبايا
يصد الغزاة دفاعاً عن الصبايا في سبيل الصبايا
يسقط في الوجد تدلّهاً وعشقاً للصبايا
يغني في الخلاء حنيناً للصبايا
يولد ليحب الصبايا
ويموت خوفاً من فعل ربما بدا عاراً في نظر الصبايا
الصبايا في الصحراء ، قدر الرجل ، إلهات الصحراء .
وعندما يرفعن الحناجر بالغناء الفاجع فإن كل شئ لا بد أن يرقص في الصحراء
الرجل يرقص ، المهري يرقص ، الجن يرقص ، السراب يرقص ، وحجارة الجبال أيضاً تلين
وترق وتسقط في الوحد .. و.. وترقص .
ص 109 – 110 باتا تنتهك الحرم وتهرع إلى خباء العريس
..أهل الصحراء لا يجاهرون بالحقائق
يجاهرون بالدعابات وحدها
أما الحقائق فيهمسون بها لأنفسهم
يهمسون بها بينهم وبين أنفسهم
إذا أردتم أن تعرفوا الحق من الباطل في كلامهم .. راقبوا طريقهم
فإن انحنى أحدهم وتكلم في إذن الآخر فإنه نطق بالحق. 115 باتا تنتهك
..الصحراء هذه المعمرة الحكيمة المعتزلة عن الخلق ، العارية تعاهدت مع الظمأ .. تصحرت وطاب لها الخلاص والخلوه .. تناجي الله في ملكوت السكون .
لا تحب المخلوقات المكابرة ، التي تتشبه بالإنسان .. حيث طردت كل الحيوانات المكابرة كالزراف ، الأسود ، والنمور ، والفيله . وتركت الوديعة منها كالغزال والأرنب والفأر ومع الجمل أقامت العهد معه بعد أن قبل عرضها .. يحمل عنها الإنسان مقابل أن تعفيه من غول الصحراء ( الظمأ ) .. ( المبتدأ في سفر الشتاء )
..يظل الإنسان إنساناً حتى يشرف على اليأس .. والإنسان أشرس حيوان إذا نوى أن ينتقم.. 174 ( والضب إذا توسد الحجر )
الضب يسافر في السكينة والسكون
والجمل في المسافة
الضب يحيا في العمق
والجمل في الأفق
الضب يقوم برحلة في الباطن
والجمل في المدى
الضب يفر من مكان إلى آخر
والجمل يفر من المكان في الزمان .
خصائص وسمات أدب البرّية:
نتلمس خصائص وسمات أدب البريّة أو أدب الصحراء من خلال قراءتنا لديوان النثر البرّي في:
..مساحة التأمل الكوني للطبيعة والامتزاج والتفاعل والتوحد الوجداني معها.
..البعد الذي يخترق سمك الواقع إلى الآفاق الممتدّة المتجدّدة..
..الحرّية لدى الصحراوي المستمدّة من الفضاء الرحب والتي تتعادل مع مبرر الوجود، فلا قيد يقبله الصحراوي إنسانا أو حيوانا أو حتى الكائنات الصمّاء أو كائنات الخفاء . وهو مدرك ومتحمّل لما يترتب عليها من عواقب.
..بلاغة الصمت والسكون والهدوء الذي توحي به الصحراء وتلهم به أبناءها يتدفّق عبر المحبّة الشاملة والرؤى الفكريّة العميقة بشاعريّة المفردة وإشراقها الصوفي وأبعادها الدلاليّة حاملة لفلسفة الوجود.
..التقاء الإشراق الصوفي في الأسلوب بالزهد الصحراوي بصور الديانات والأساطير التي تشكل سيمياء الثقافة الأفريقية.
..تجلّي بنية الوعي الخلاّق من خلال القيم التي يستخلصها والعبر التي يستنتجها كمعادل طبيعي للتجربة وعمق التأمل.
المصادر والمراجع:
1 .. إبراهيم الكوني، ديوان النثر البرّي، دار التنوير للطباعة والنشر، تاسيلي للنشر والإعلام، ط1، 1991 .
2 .. الشيخ محمد الشيخ ، التحليل الفاعلي ، نحو نظريّة حول الإنسان، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2001 .
3 .. الشيخ محمد الشيخ، التحليل الفاعلي والأدب. ( تحت الطبع).
4 .. عبد الرؤوف بابكر السيّد، النص الأدبي الاستلاب والفاعليّة، (تحت الطبع).
5 ..هاري كريسكي، حوار مع التاريخ، مقابلة أجراها مع وولي شوينكا. www. Globetrotter.berkeley.edu/Elberg/soyink
Conversation with History:Institute of International studies,UC Berekely.
6 ..ليزي.ل.ستيرن، استخدام شوينكا لمفهوم اليوروبا عن الإنسان.
African Postcolonial Literature in English, in the Postcolonial web
www. Scholars>edu.sg/landow/post/soyinka/wsyorub.html.
7 ..عبد الله بخيت محمد، دراسات في الأدب السواحيلي،مكتبة النهضة المصريّة، ط الفجر الجديد،1987 .
(*)
وقف فوق الحفرة فدّّق قلبه بشدة
كانت الحفرة خاوية
أطبق فم الشرك على الشاة ، ولكنها استطاعت أن تخرج من الهاوية وتجرجر المصيدة إلى الجبل . اقتفى الأثر . على بعد خطوات خلّف الحيوان بعراً . تناول بعره وهرسه بين أصابع . بدأت تجف وتتيبس . البقرة تعود إلى يومين أو ثلاثة أيام . الأرجح أنها ثلاثة أيام . الحيوان وقع . نزل من الجبل ووقع في الشرك في نفس اليوم الذي نصب فيه " لعبته " . في مساء نفس اليوم . قطعان الودّان لا تزال تترعى في السهول إلاّ في الليل . تنزل في قطعان عادة وتعود لتعتصم بالقمم قبل انبثاق قبس الفجر . ولكن هذه الشاة لم تكن عضواً في قطيع . ربما انفصلت في الوادي المجاور وقررت أن تجرب حظها وحيدة .الودّان المسكين لا يعرف العزلة . لا يعرف أن المجازفة تبدأ لحظة اختيار العزلة . الخطر في العزلة . الحرية في العزلة أيضاً . الخطر والحرية إذن رفيقان قرينان . توأمان . وهذه هي الحيلة الوحيدة ، الحكمة الوحيدة التي لم يسمعها من الأم . ولم يتعلمها من الأسلاف . ولم يقرأها في رموز الكهوف . هذا هو المبدأ الوحيد الذي تعلمه بنفسه في الصحراء .
المعتزل قوي حقاً لأنه لا يستطيع أن يعتمد على أحد يهرع لإنقاذه عندما يقع في ورطة . عندما يقع في خطر . عندما يهاجمه ضبع . أو يلتف حول رقبته ثعبان ، أو يغويه السراب ويرميه بعيداً عن صراط القوافل . فيجد نفسه أسير غول اسمه : الظمأ .
ولكن هل يستطيع القطيع أن يفعل شيئاً ؟ هل يفيد التواجد بين الجماعة حسب شريعة الصحراء ؟ لا لا يفيد ولا ينفع بل يؤذي أكثر مما يفيد . لأن الأذى إنما يأتي أغلب الأحيان من الجماعة . العضو في القبيلة ، أو في القطيع ، يسترخى معتمداً على الجماعة ، وما أن تحل لحظة الامتحان ، ويحتاج أعضاء القطيع يكتشف أنهم أضعف من أن يساعدوا حتى أنفسهم .
يكتشف أنهم إنما كانوا طوال الوقت ينتظرون يد المساعدة منه هو لا أن يقوموا هم بتقديمها له . يكتشف أنه غريق يتعلق بقشة . يكتشف أنه مخدوع . والمصاب أن من لم يجرب الانتماء إلى الجماعة ، لن يستطيع أن يختصر الطريق ويتولى أمر نفسه بنفسه .
وشاة الودّان التي اختارت أن تنفصل عن القطيع وتبحث عن الكلأ في وادي " أميهرو " بدل الوادي المجاور ، هي عضو شجاع قرر أن يصنع مصيره ويتولى أمر نفسه بنفسه . وما وقوعها في الفخ إلاّ شهادة على هذه الشجاعة . وبرهان على مسؤولية الاختيار .
مقطع (8) من الفخ ( ديوان النثر البرّي )
.
الخميس، 8 أكتوبر 2009
الحروف
شعر عبدالرؤوف بابكر السيّد
صدر عن سلسلة منشورات المؤتمرالتي يشرف عليها
المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر في مارس 2007 في 315 صفحة. وقد اشتمل على المجموعات الشعريّة التالية:
. الهاجس والحرف .. مطوّلة
وعي الجنون .. مطوّلة..
مدانون ..مطوّلة
لمّا تجلّى الحبّ فيك .. مطوّلتان و 29 قصيدة
تساؤلات ..9 قصائد..
طفل البراءة .. مطوّلة وقصيدتان
الدموع المحال .. أربع مطوّلات و4 قصائد..
أمّا المجموعات الشعريّة الثانية وهي بعنوان "المفردات " فلازالت تحت الطبع...
إقرأ المزيد Entry>>
وعي الجنون .. مطوّلة..
مدانون ..مطوّلة
لمّا تجلّى الحبّ فيك .. مطوّلتان و 29 قصيدة
تساؤلات ..9 قصائد..
طفل البراءة .. مطوّلة وقصيدتان
الدموع المحال .. أربع مطوّلات و4 قصائد..
أمّا المجموعات الشعريّة الثانية وهي بعنوان "المفردات " فلازالت تحت الطبع...
الأحد، 4 أكتوبر 2009
المدارس العروضيّة
في الشعر العربي
أوّل رسالة أكاديميّة في علم العروض تمّت مناقشتها في جامعة القاهرة فرع الخرطوم يناير 1972، وقد كانت بإشراف الدكتور عبدالمجيد عابدين وناقشها كل من الدكتور عبدالله الطيب والدكتور شكري عيّاد . وقد قامت بطباعتها عام 1985 المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان – طرابلس – الجماهيرية، في 615 صفحة .......
. اشتملت على دراسة وافية لكل المدارس العروضية بدءا من المدرسة التقليدية (عروض الخليل بن أحمد) و (عروض الموشحات) و (عروض الشعر الحر) موضحا الفروق الأساسية بينها .
تناول الباب الأول واضع علم العروض ..آثاره ومصطلحاته.. واشتمل على ثلاثة فصول تناول الأول منها ميلاد علم العروض، والثاني واضع علم العروض، والثالث المصطلحات العروضية .أما الباب الثاني (علم العروض ومقوماته) فقد تناول الفصل الأول منه تعريفا بعلم العروض ومقوماته، والفصل الثاني: التفاعيل العروضية وتغييراتها، والثالث البحور العروضية ودوائرها، أما الرابع فقد تم تخصيصه للقافية .
والباب الثالث من هذه الدراسة جاء عن العروض بين الفراهيدي وناقديه ، تناول الفصل الأول العروضيون والخليل، والفصل الثاني الشعراء وعلم الخليل، والفصل الثالث حول تطور النقد العروضي، أما الفصل الرابع فكان حول المنهج والدراسة .
والباب الرابع كان حول تطور الفكرة العروضية، تناول الفصل الأول منه : الفكرة العروضية – نشأتها وتطورها - والفصل الثاني: الخصائص العروضية للفنون الشعرية ، والثالث حول تقسيم العروض العربي إلى مدارس، ثم خاتمة البحث إضافة إلى ملحقين اشتمل الملحق الأول على معجم مفهرس للمصطلحات العروضية (المدرسة التقليدية القديمة)، والمعجم الثاني كان عن الكتب التي ألفت في علم العروض إضافة إلى ثبت المصادر والمراجع ..
.
إقرأ المزيد Entry>>
تناول الباب الأول واضع علم العروض ..آثاره ومصطلحاته.. واشتمل على ثلاثة فصول تناول الأول منها ميلاد علم العروض، والثاني واضع علم العروض، والثالث المصطلحات العروضية .أما الباب الثاني (علم العروض ومقوماته) فقد تناول الفصل الأول منه تعريفا بعلم العروض ومقوماته، والفصل الثاني: التفاعيل العروضية وتغييراتها، والثالث البحور العروضية ودوائرها، أما الرابع فقد تم تخصيصه للقافية .
والباب الثالث من هذه الدراسة جاء عن العروض بين الفراهيدي وناقديه ، تناول الفصل الأول العروضيون والخليل، والفصل الثاني الشعراء وعلم الخليل، والفصل الثالث حول تطور النقد العروضي، أما الفصل الرابع فكان حول المنهج والدراسة .
والباب الرابع كان حول تطور الفكرة العروضية، تناول الفصل الأول منه : الفكرة العروضية – نشأتها وتطورها - والفصل الثاني: الخصائص العروضية للفنون الشعرية ، والثالث حول تقسيم العروض العربي إلى مدارس، ثم خاتمة البحث إضافة إلى ملحقين اشتمل الملحق الأول على معجم مفهرس للمصطلحات العروضية (المدرسة التقليدية القديمة)، والمعجم الثاني كان عن الكتب التي ألفت في علم العروض إضافة إلى ثبت المصادر والمراجع ..
.
إشكالات اللغة والهويّة
في المشهد الثقافي العربي الأفريقي
أ. عبد الرؤوف بابكر السيد
كليّة الآداب ـ جامعة التحدّي ـ سرت ـ ليبيا
(تمّت المشاركة بالبحث في ندوة العلاقات الثقافيّة العربيّة – رؤية مستقبليّة – 13. 7 / 3. 8. 2005 بقاعة الوفاء –سرت .. والتي أقامها اتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب عموم أفريقيا تحت رعاية رابطة الأدباء والكتاب بالجماهيريّة العظمى)
مقدّمة :
التحدّيات التي تواجه المثقف والأديب الأفريقي بين أن يكون رقما فاعلا في الآداب العالميّة من خلال خصوصيّة فنّه وتراثه وقيمه ومجتمعه وفضائه الثقافي ، وبين أن يكون مستلبا يوظف فاعليّته في مدارات الفضاءات الأخرى .. بين أن يوائم بين فنه النابع من أفريقيّته مع الثقافة العالميّة المكتسبة من جهة وبين أن يتخلّى عن فضائه ليصبّ إبداعه في فضاءات أخرى من خلال المكتسب والمستلب والمعرفة والثقافة التي نهل منها، عليه أن يقف عند الموروث بعصبيّة نازعا روحه من المعاصرة متكئا على الماضي ، أو أن يعيش العصر مسائلا الماضي قارئا له برؤية معاصرة، والوقوف أمام المفاهيم التي تتسع لدلالات المفردة في اللغة، والوقوف على بنية الوعي السائدة في هذا الفضاء ومخرجاتها ، وأيّ مفهوم للهويّة سيتبنّى من خلال بنية الوعي التي سيحتاز .......
. كثيرا ما استوقفتنا إشكالات اللغة في الأدب الأفريقي بين اللغات الأفريقيّة واللغات الغازية . وعدد من المبدعين الأفارقة وجدوا أنفسهم يعبّرون بلغة غير لغة أبناء وطنهم أو قارّتهم، فهاجمهم البعض، وبعضهم كتب بلغته الأفريقيّة فظلّ حبيس مجتمعه غير القارئ ولم يصل صوته للعالم. البعض رأى أن اللغة هي أساس الهويّة ، وتجريد الشعوب من لغتها يعني استلابها وتدمير هويّتها ، وآخرون يرون أن الهويّة غير قابلة للتدمير متجاوزين للمفهوم التقليدي ، ناظرين إلى اللغة بمنظار آخر.
تلك أهم القضايا التي تتناولها هذه الدراسة التي تعتمد منهج التحليل الفاعلي من حيث تنازر بنيات الوعي(تنازعها وتآزرها) ، والبنية السائدة في هذا الفضاء الثقافي العربي الأفريقي.
تمهيـــــد :
أفريقيا القارّة السوداء أو القارة البائسة، أو القارة المظلمة، أو المخنوقة أو الهالكة كما يطلق عليها رينيه ديمون (1) استنادا إلى معطيات رقميّة واستحقاقات موضوعيّة طرحها بحياد تام في دراساته التي لم تحرّك ساكنا إلى إنقاذ نفسها أو عمل مراجعة شاملة للمؤثرات والأسباب التي جعلت منها قارّة جائعة اقتصاديّا ومريضة سياسيّا، ومتخلّفة ثقافيّا ، في وقت تتنامى فيه قوّتها البشريّة بشكل مذهل جعل خبراء الأمم المتّحدة يتوقّعون أن يتجاوز تعداد سكانها في العام 2030 تعداد سكان آسيا الجنوبيّة (الصين واليابان والشرق الأقصى) بل إنهم يتوقعون أن يبلغ تعداد السكان الأفارقة في العام 2100 ما يصل إلى 6,2 مليار نسمة مقابل 550 مليونا في العام 1985 (2) دون وضع استراتيجيّة تخرجها من عوامل الهلاك.
ونتيجة جهود حكماء أفريقيا ، وما بذله الأخ القائد معمّر القذّافي ، شكلت قمّة سرت الأولى والثانية، كما شكّل تاريخ 9. 9. 99 صحوة جبّارة في المجال السياسي ، وخطوة هامّة لتحقيق حلم الروّاد في شقّ الطريق رغم العواصف والتحدّيات التي تجابهها القارة منذ استقلالها وحتى الآن.
صحيح إنّ في العمق الوجداني الأفريقي والعربي جروحا غائرة لا تزال تنزف، ومواردها لا تزال تستنزف ومنذ حقب طوال استعبدت فيها الشعوب، ومورست عليها سياسات الاضطهاد والقهر والاستعلاء والاستباحة من بنية برجوازيّة قاصرة. وحين استيقظ الجميع وجدوا أنفسهم على هامش العصر التقني والتكنولوجي ، فإذا بالحسرة القابضة من حيث عدم بناء القوّة المعرفيّة ، وعدم اللحاق والإسهام بفاعليّة في علوم العصر وإبداعاته. وكان لزاما على أبناء القارّة من تلقّي هذه المعارف والعلوم بلغة أجنبيّة ، حيث شكلت لغة للتواصل مع الآخر الذي كان محتلا .
وكثير من الدارسين والمثقفين العرب والأفارقة انشغلوا بإبراز ماضيهم وبالبحث عن جذورهم والتنقيب عن سماتهم وخصائصهم خوفا من ضياع هويّتهم، وذلك ما يوضح بجلاء كيف أننا ما نزال نبحث عن الذات ولم نتجاوز ذلك إلى الفعل .
الشيخ عنتا ديوب (3) يكرّس جهده المقدّر في البحث عن الأصول الأفريقيّة وصلات القربى بين الأفارقة ، وحتى الصلات الألسنيّة بين اللغات الأفريقيّة والمقارنة بين مفرداتها والتنقيب حول التأثير والتأثّر والعلاقة، كما يدعو إلى تطوير اللغات الوطنيّة.
وذاك سنغور يبذل جهدا فكريّا مضنيا بحثا عن الإسهامات الأصيلة " المقدّسات، المسلّمات وأحكام القيمة، الأسلوب والمفردات" التي ينبغي لها أن تميّزنا عن الآخر ، وأن تعبّر عنّا وتصلنا بالعائلة البشريّة في آن واحد .(4)
كذلك يذهب جوزيف ـ كى ـ زيربو إلى أنّ " إعطاء القيمة لماضي هذه القارّة هو سمة من سمات العصر والحافز الذاتي على ذلك أمر بديهي، فهو يعني بالنسبة للأفارقة بحثا عن الهويّة خلال تجميع عناصر متناثرة في الذاكرة الجمعيّة، وهذا الحاضر الذاتي يقوم هو نفسه على أساس موضوعي متمثّل في حصول العديد من البلدان الأفريقيّة على استقلالها إذ إنّ تاريخهم لم يكن خلال الوجود الاستعماري غير زائدة عديمة القيمة ، أو خرقة بالية في تاريخ البلد المستعمر"(5)
وما دفع الأفارقة للبحث عن ماضيهم هو ذاته الذي دفع العرب سواء من الاستفزاز الشعوبي أو الحروب الصليبيّة ، كذلك الأفارقة والاستفزاز الذي شكّله سدّ من الخرافات أشاعها الأوربيّون بأن تاريخ أفريقيا (السوداء) لا وجود له .
فهيغل يقول بأن " أفريقيا ليست جزءا تاريخيّا من العالم ، وهي تقف أمام عتبة تاريخ العالم"(6).
وكوبلان في الربع الأوّل من القرن العشرين يقول " إن أفريقيا لم تعرف تاريخا بالمعنى الصحيح حتى قدم ليفنغستون ـ المبشّر البروتستانتي والمكتشف الاسكوتلاندي ـ حيث إن غالبيّة سكانها ظلّوا جامدين لا يتقدمون ولا يتأخّرون .(7)
وأوجين بيتناز يقول "إنّ الأعراق الأفريقيّة بمعناها الدقيق لم تشارك مطلقا في التاريخ ". (8) .و ب.غاسكوت يقول " إنّ تلك الشعوب الأفريقيّة لم تقدّم شيئا للبشريّة، ولابدّ أنّ شيئا ما فيها قد منعها من ذلك، لم يظهر فيها اقليدس ولا أرسطو ولا غاليلو ولا لافوزييه ولا باستور ، وملاحمها لم يغنّها أحد من طراز هوميروس". (9)
والمؤرخ شارل أندريه جوليان يصل إلى أنّ أفريقيا بلد بلا تاريخ. (10)
و أندريه سيك المؤرخ الهنغاري يكتب قائلا " إنّ الغالبيّة العظمى من الشعوب الأفريقيّة لم تشكّل دولا بالمعنى الصحيح، وذلك لأنها كانت بلا طبقات ، ولهذا لا يمكننا الحديث عن تاريخ لهذه الشعوب قبل ظهور الغاصبين الأوربيّين ". (11)
وفي المقابل يعلّق جوزيف ـ كى ـ زيربو بأنه " على المؤرخ الذي يهتم بأفريقيا أن يضع الاضطهاد الذي تمثّل بتجارة العبيد ، وبالاستغلال الإمبريالي في الموقع الذي شغله بالفعل في تاريخ القارّة، الذي غالبا ما يجري اجتزاؤه بمهارة من قبل بعض المؤرّخين الأوربّيين مع ما في ذلك من تأثيرات مرعبة على عقليّة الشبيبة الأفريقيّة التي التهمت تلك الأطباق المسمومة على مقاعد الدراسة.".(12)
ومن جانبه يأخذ د. محي الدين صابر على توسع التعليم جنوب الصحراء استخدامه اللغات الأوربّية والمناهج الأوربّية، ومعنى هذا كما يقول " إن الأفارقة يصنعون اليوم بأيديهم وأموالهم هذا الاغتراب الثقافي ، وينشرون اللغات الأوربيّة ويبتعدون عن جذورهم الحضاريّة ".(13)
إشكاليات اللغة في أفريقيا :
حريّ بنا أن نوضّح أن أقدم ما وصل من الأدب وخاصّة الشعر المدوّن بلغة أفريقيّة محدود . ذلك أن المجتمعات كانت شفاهية ، واللغات ذات الأبجديّة المدوّنة قليل .
فأقدم ما وصل من الشعر كما ترويه المصادر ما تضمّه اللغة الأمهريّة في أثيوبيا ويرجع إلى القرن الرابع عشر .. يليه ما تضمّه لغة الهوسا في شمال نيجيريا وغربها ، ويرجع إلى القرن السابع عشر .. ثمّ ماتضمّه اللغة السواحليّة في شرق أفريقيا (كينيا ـ تنزانيا) ويرجع إلى القرن الثامن عشر ، ثم يأتي الشعر الذي تضمّه لغات اليوروبا (جنوب غرب نيجيريا) والصوماليّة (الصومال) والزولو والزوسا والسوتو (جنوب أفريقيا) ويرجع إلى القرن التاسع عشر. (14)
وقد أشار عدد من الدارسين إلى أن العدد الدقيق للغات في أفريقيا غير معروف لأنه لا توجد دراسة شاملة لتحديد هذه اللغات في القارة الأفريقيّة ككل ، ولأن هناك مشكلة للخلط بين اللغات واللهجات . (15)
لقد جرت عدّة محاولات لتصنيف اللغات في أفريقيا ، ووفقا لما ذهب إليه (وجرينبرج) الذي وضع قوائم وأوصافا لما يقرب من 850 مجتمعا أفريقيا تقليديا فإن اللغات الأفريقيّة يمكن تجميعها في خمس عائلات عظمى مميّزة ، هذه المجموعات الخمس أو العائلات تغطّي 98% من مناطق وسكان أفريقيا.
وخلاصة ما توصّل إليه (وجرينبرج) عن اللغات الأفريقيّة أنه في اشتراكها في السمات الرئيسية تؤكد تعقّد أصولها وفي اختلاف مناطقها، إلاّ أنها تتفق في النمط العام مع الجوانب الأخرى للثقافة الأفريقيّة.
وهكذا فإن التأثيرات الإسلاميّة المتلاحقة طويلة المدى والتي صاغت إلى درجة كبيرة أنماط حياة الناس الزنوج في السودان بأكمله وفي كثير من شرق أفريقيا، بل وحتى جنوبها نجد انعكاساتها في الكلمات العديدة التي تعود في أصلها النهائي إلى اللغة العربيّة حتى بين الناس غير المسلمين . وفي معظم أنحاء القارة ، فإن التأثير الأوربي على اللغات الأفريقيّة يظل محدودا مقارنة بالتأثير العربي. (16)
وإذا نظرنا لواقع اللغات الأفريقيّة بكثرتها وتنوّعها وتعقيدها ، والذي حسب تقديرات الدارسين يصل إلى مابين 850 و 1000 لغة ، لوجدنا هذا الكم الهائل من المجموعات المنعزلة والذي نرجع سبب انعزالها إلي العزلة التي كانت قد فرضتها ظروف البيئة الاستوائيّة على سكانها من حواجز طبيعيّة غابات أو أنهار أو جبال . أو ظروف التخلّف الذي كان يعيق التواصل بين المجموعات، أو يجبرهم علي الانعزال خوف ما تتربّص به الطبيعة من جهة ، واعتداءات القبائل الأخرى من جهة ثانية.
فإذا علمنا أن تعداد سكان أفريقيا يصل إلي 550 مليون نسمة حتى 1985 وأن ثلث هذا العدد يتحدث اللغة العربية وأن المتبقي يتحدث 999 لغة أي أن كل 250 ألف يتحدثون لغة خاصة بهم ، بل إن جمهوريّة زائير يتكلم حوالي 80% من سكانها ما يزيد عن 50 لغة ينتمون إلى سلالة البانتو .
أما واقعها من حيث اللغات التي يتكلم بها عدد كبير من السكان فتبرز في:
1 ـ لغة الهوسا : التي أصبحت لغة التخاطب في شمال نيجيريا وفي كل القسم الشرقي من غرب أفريقيا من ساحل العاج حتى الكمرون والجابون.
2 ـ لغة السواحيلي : والتي تتكون أساسا من لغة البانتو شرق أفريقيا حيث أصبحت لغة التخاطب في كل شرق أفريقيا وشرق الكونغو والموزمبيق.
3 ـ ثم لغة الماندي : بلهجاتها الثلاث ( المالينكا ـ البامبارا ـ الجولا ) لغة التخاطب في القسم الغربي من أفريقيا من ساحل العاج ، حتى السنغال وتمبكتو .
4 ـ واللغة العربيّة ، وهي التي يتكلم بها كل سكان أفريقيا الشماليّة وأفريقيا الصحراء والتي غدت كما يقول توماس أرنو لد " لغة تخاطب بين قبائل نصف القارة الأفريقيّة(17) أو كما يقول الرحالة الإنجليزي فرنسيس مور 1731 " بأنه وجد معظم أهل غامبيا البريطانية يتكلم اللغة العربيّة وأن الإلمام بها يفوق إلمام أهل أوربا الوسيطة باللغة اللاتينيّة " (18)
أما السواحليّة فيتحدث بها أكثر من (60) مليون نسمة ويغلب استعمالها في عشر دول تقريبا، اثنتان فقط هما اللتان أقبلتا على استخدامها كلغة عمل . في حين نجد الفولانيّة تنتشر في أكثر من ثلاث عشرة دولة ويتحدث بها أكثر من (20) مليونا من جماعات الفولان ، بيد أنه ليس ثمّة دولة من كل هذه الدول قد استخدمتها في الإدارة أو جعلت منها لغة للتدريس بصورة جادة (19) هذا إضافة إلى الأمهريّة في أثيوبيا ، ولغة اليوروبا ، جنوب غرب نيجيريا واللغة الصوماليّة ، ولغة الزولو والزوسا والسوتو (جنوب غرب أفريقيا) .
هذا من ناحية اللغات الأفريقية أما اللغات الغازية فقد وجدت اللغة الإنجليزيّة والفرنسية مواطئ قدم لها إضافة وبنسبة أقل البرتغاليّة. وأضحى هذا الخليط من اللغات يوزع ويشتت أبناء القارة بين الحديث والتواصل اليومي ، وبين استخدام اللغة في مجال التعليم ، وبين استخدامها في الأعمال اللغويّة الإبداعيّة . بين من وجد نفسه يجيد اللغة الأجنبيّة فاستغلّها . وبين من كتب بلغته المحلّية فكانت محدودة الأثر أو ترجمت فخانتها الترجمة وأطفأت بعض بريقها الإبداعي .
يظل الهدف في التوحيد أو التقليص هو أن يتواصل أبناء القارة فيما بينهم ، وبينهم والفضاءات الأخرى ، ويعزز هذا الهدف تقنيات التواصل الحديثة التي أخرجت كامل المجموعات داخل أفريقيا من عزلتها لتستوعب الآخر ، وليتلقى الآخر عنها .
صحيح إن الاستعمار استهدف فيما استهدف اللغات لتمزيق الشعوب واستلابها ثقافيا وفكريا لجعلها تابعة على الدوام .. فقد كتب الحاكم العام البريطاني في السودان عام 1927 تقريرا يقول فيه : "حيثما ذهبت ، سواء عند قمة جبل (اتماتونج) أو عند حدود الكونغو البلجيكي وجدت أبناء الشعب في مختلف المناطق يتكلمون العربيّة، وعلينا في مواجهة هذا الأمر الواقع أن نقدّر بعناية ما إذا كانت مسألة العمل لاستبعاد اللغة العربيّة استبعادا كاملا تستحق ما نتطلبه من جهود وأموال. بل ينبغي لنا أن نتساءل هلاّ يمكن أن تكون العربيّة أداتنا رغم ما ينطوي عليه من أخطار.؟(20)
من هذا التقرير يتضح أن ليس الهدف القضاء على اللغة العربيّة بل الحيلولة دون انتشارها، والتساؤل الذي يطرحه إمكانيّة استخدامها لتحقيق مآرب استعماريّة أخرى غير اللغة .
هذه المسألة درست بعناية في مؤتمر الرجاف لشؤون اللغة في عام 1928، ووضع هذا المؤتمر الأسس الضروريّة لتنمية اللهجات المحلّية واللغة الإنجليزيّة في جنوب السودان ، وإقامة كافّة العراقيل في وجه اللغة العربيّة. واختار المؤتمر ست مجموعات من اللغات هي: الدينكا ، والباري ، والنوير ، واللاتوكا ، والشلك ، والزاندي .. وقرر أن يجري التدريس في المراحل الأولى بأي منها رافضا استخدام اللغة العربيّة بدعوى أنها ستحمل معها النظرة السودانيّة الشماليّة. (21) هذا النموذج الذي يوضح جهود المستعمر البريطاني لخلق فوارق بين شمال السودان وجنوبه ، هو نفس النموذج الذي تعامل به الغرب للفصل بين شمال القارة وجنوبها بدءا من دور المستشرقين ودور المستفرقين في الإعداد لذلك .
لقد أضحى المشكل اللغوي في القارة الأفريقيّة قضيّة احتلّت مساحة واسعة من الجدل بين أن يستخدم الأديب لغته الأفريقيّة أو أن يكتب الأديب وقد امتلك لغة أخرى بحكم عوامل لا دخل له فيها ، وجد نفسه يتحدث الفرنسيّة أو الإنجليزية أو البرتغاليّة فكتب بها ولم يكتب فيها بمعنى أنه كتب ثقافته وجسّد بيئته منطلقا من بنية وعيه وهويّته، موفرا على الآخر عثرات الترجمة وخيانتها.وهو ما دفع بعض الباحثين إلي القول " بأن الكتاب الأفريقيين، والمسلمين منهم بصفة خاصّة ، وإن عبروا بلغة غير لغة قومهم ، إلاّ أنهم قد أخضعوا اللغة الأجنبية لتسطير خواطرهم ومشاعرهم وللتعبير عن مضامين ومفاهيم ثقافية تتخطى أحيانا وعاء اللغة الأوربية، فطوعتها للتعبير عن تلك الثقافة . "(22) وكما يذهب د. خالد عبد المجيد مرسي إلى أنه" نستطيع أن نقول، بمعنى آخر ، إن هؤلاء الكتاب وإن اتخذوا من اللغة الأجنبية وسيلة للتعبير عن ذواتهم وبيئتهم، إلا أن تلك الذات تبقى ذاتا إفريقية أصيلة . فالأدب الأفريقي بلسان أوروبي يظل أدب إفريقيين لم يكتبوا باللغة الأجنبية طواعية أو انقيادا، وإنما نتيجة إفراز لواقع استعماري كانوا ضحيته ، وهو أدب يترجم أفكارا أفريقيّة ويبث مناخات ثقافيّة إفريقية تختص بهم ."(23)
لقد عرض لهذا الجدل د. خالد مرسي في دراسته القيّمة حول " الأدب الأفريقي الحديث وقضيّة اللغة" إلا أنه كان كان في هذه الدراسة قاسيا في هجومه على اللغات الأوربيّة التي كتب بها الأفريقي . فالأدب الأفريقي لم يولد مع ميلاد اللغة الأوربيّة كما يشير إلى ذلك في مطلع دراسته(24) التي استهلها بنصّين أحدهما للشيخ انتا ديوب 1954 يقول فيه :
" أن نطوّر لغة وطنيّة خير من أن نغرس لغة أجنبيّة في بيئة غير بيئتها .. ذلك أن التعبير بلغة الغير في معظم الأحيان كالحاجز الذي يمنع العقل من أن ينفذ إلى محتوى الكلمات ومضامينها الصميمة .. حينئذ يقوم نماء الذاكرة مقام نماء الذهن " (25) وهو رأي يذهب إلى أن اللغة التي هي إحدى إبداعات الإنسان يصبح أسيرا لها منغلقا بها تقود تفكيره وتوجّه ذهنه دون مساءلة لها أو تطوير لمدلولاتها، حيث تدخل ضمن الموروث .
والنص الثاني لادوارد ويلموت بليدن 1897 يقول فيه:
" سيأتي اليوم لا محالة ، حين يطور التعليم الصحيح وينتشر ، الذي سينشأ فيه أدب أفريقيّ يحمل عبير أفريقيا وحرّيتها وفكرها وعقيدتها ، إذ لا يجب أن يظل الأفريقي إلى الأبد متلقّيا لأفكار الآخرين ولاجئا في غير بلاده، لا يفعل شيئا سوى استيراد مفاهيم الغير والتمثّل بلسانهم . فالأفريقي سيظلّ أفريقيّا تماما كما سيظل الأوربيّ أوربيّا إلى الأبد . وليس ثمّة أدنى احتمال لأن يتحوّل أحدهما إلى شاكلة الآخر .. ويقيننا أن ذلك من شأنه أن يكفل للبشريّة انسجامها وسلامها وتقدّمها" (26) وهو ما يثبت أن الهويّة التي يخاف الكثيرون من أن تستلب أو تدمّر هي باقية لا يؤثر فيها استخدام لغة أو تغيير معتقد .
إلا أن د. خالد مرسي غير ماكتبه في " شيخ حامدوكاني " التجربة الغامضة" يحمل في دراسته هذه على الرعيل الأوّل من أدباء أفريقيا الذين استخدموا لغة المحتل معتبرا أنّ التغريب عن اللغة الأم يعتبر من أشد صنوف التغريب إيلاما .
وبالرغم من المؤتمرات الكثيرة التي عقدت والدراسات التي صدرت حول قضيّة اللغة في أفريقيا وضرورة إحياء اللغات الأفريقيّة وتدوينها وإدخالها ساحة الأدب المكتوب، إلاّ أننا نود الإشارة إلى أن الفكر اللغويّ قد أثبت أن الإنسان لم يفكر في كلامه " فلقد انطلق في مزاولة هذه الحاجة ، كما انطلق في المشي والحركة والبحث عن الطعام " (27) أما بنية العقل التي يحتازها الفرد فهي التي يفكر من خلالها ويمنح الكلمات بالتالي دلالتها ، حتى أصحاب اللغة الواحدة إذا ما اختلفت بنى الوعي لديهم فسّروا نصوصهم بمعان مختلفة ووصلت لكل منهم دلالة مختلفة ، فالبنية سابقة للخطاب ، الأمر الذي يجعلنا نميل إلى أن اللغة ليست الكائن الناطق بها بل ما وراءها من بنية وعي.
اللغة هي هذه الصوتيات التي تشكلها البنية المجتمعيّة للتواصل الحياتي والإبداعي والمعرفي ، لا تعدو كونها إحدى الإشارات التي يستعان بها ، وليست هي الوسيلة الوحيدة للتعبير ، وهي من هذا المنظور قاصرة عن أن تحمل عوالم الإنسان الإبداعيّة لذا فهو يستعين بغيرها من الفنون التي ينجذب إليها الإنسان أيا كان ويستوعبها .
لذا فليست هي ـ أعني اللغة ـ من القداسة بحيث تشكل المجتمعات البشريّة في ضوئها مجموعات صوتيّة متناحرة ، كل يريد أن يفرض لسانه على الآخر .
وهي لا تحمل كل ما يصدّر بها بل تحمل جزءا منه يكمله المتلقّي بالقراءة والتأويل.
وهي كذلك لا تشكّل ركنا أساسيا من أركان الهويّة ، بل تقع فريسة دلالات الهويّة وظلالها .
ورغم ذلك فلم يتناول باحث في اللغة أو مجموعة اللغات في أفريقيا المحلّية منها والأجنبيّة إلاّ وشكل انحيازه للغته انحرافا صارخا عن الموضوعيّة البحثيّة، وخرقا واضحا للمنهج العلمي ، حيث يتم تناول البحث تحت ظلال من التعصّب المغرق في بنية وعي القصور والكامن فيها. هكذا يتناول الباحثون العرب والأفارقة اللغة في دراساتهم ، وهكذا عمد الغرب الاستعماري لفرض لغته على الآخر وكأنه بهذه اللغة سيتمكّن من الاستحواذ على الآخر ويمحو مرتكز هويّته وعصبها .
ما نود الإشارة إليه أنه ما من لغة إلا وأثرت أو تأثرت بلغات مجاورة أو مهاجرة ، ذلك أن الإنسان في حركته ليس هو المكان في ثباته، لذلك لا ترتبط اللغة بالمكان قدر ارتباطها بإنسانه ، وقد شهد التاريخ موجات من الهجرات السلميّة من ناحية ، كالارتحال من مكان إلى آخر للتجارة أو غيرها . أو الغزوات القتالية من ناحية أخرى ، وقد يكون تأثير السلم أقوى وأوثق والعلاقة أبقى وأعمق . ولست مع من يذهب إلى أن اللغة هي الوعاء والمحتوى في ذات الوقت . فإذا انكسر الوعاء ضاع بما فيه، إنها أداة كغيرها من الأدوات التي أبدعها الإنسان ،ويستطيع أن يبدع ويجدد فيها كما يشاء .وبمعناها الأشمل فهي لا تعني الحرف والمفردة واللسان، تعني البنية المنتجة لها ، فالبنى المتدنية تكون قاصرة الدلالة ، غير قادرة على القراءة وتفجير المعاني بل تسطيحها لدرجة الخلل.
اللهجات مثلا يردها البعض إلى نتاج الصراع بين اللغة الأم واللغة الغازية وآخرون يربطون بينها وبين البيئة وتأثيراتها حتى داخل القطر الواحد إلا أن الفاعليّة واحدة ومنهج التفكير واحد حتى لو اختلفت هذه اللهجات بل واللغات .
فالمجموعات العربية الإسلامية " التي وفدت إلى غرب أفريقيا لأسباب تجاريّة أو سياسية أو علمية في فترة ما قبل الاستعمار قد انصهرت في البوتقة الوطنيّة لأي من الدول في غرب أفريقيا عن طريق التزاوج أو التمازج أو الاندماج أو المعايشة ، وأيضا عن طريق الذوبان اللغوي والثقافي والاجتماعي في المجموعات الأفريقية المختلفة في دول غرب أفريقيا" (28)
كما نجد الكثير " من المجموعات الأفريقية في أفريقيا قد استعربت أو تعرّبت واتخذت من اللغة العربية لغتها الأم . وفي الطرف المقابل فإن الكثير من المجموعات العربية قد ذابت في المجموعات العرقيّة الأفريقيّة ، ونسيت لغتها العربية الأصلية. وتبنت المجموعات إحدى اللغات الأفريقية كلغة تتخاطب بها فيما بينها، كما حدث في مناطق شمال غرب أفريقيا وحوالي بحيرة شاد وشرق أفريقيا والسودان على وجه أخص " (29)
تماس اللغة بالهويّة :
بعد أن وقعت القارة فريسة للاستعمار تداخلت اللغات الأوربية من إنجليزية وفرنسيّة وبرتغاليّة ، لتفرض نفسها وتمحو اللغات المحلّيّة، وتهيمن بالمسوح اللغوي، عمد عدد من الأدباء والمبدعين ـ الذين وجدوا أنفسهم ، في بلاد غير بلادهم ، ويتحدثون بلسان غير لسانهم ـ إلي التعبير عما يعانون من هذه الظاهرة التي شكلت اغترابا واغترابا قاسيا ، وفق مفهوم البنية التي يحتازون للهويّة ، أحسوا بأنهم وهم يعبرون عن أحاسيسهم ومشاعرهم بلغة ليست لغتهم فيه امتهان لهم ، وضياع لشخصيتهم ،ومن ثم تسربلوا بالتعاسة، وركنوا لليأس .
في قصيدة للشاعر الهاييتي (ليون لالو) تحمل عنوان الخيانة(30) يقول فيها:
إن قلبي الملحاح يناقض لغة الحديث عندي واللباس،
كالمخلب القبّاض تحبسه،
أحاسيس وعادات من أوربا وافدة.
أمن تعاسة تفوق تعاستي،
ويأسي الذي لا يماثله يأس
أن أروّض بكلمات من فرنسا
نبضات قلب أتاني من السنغال .
يفجر (ليون لالو) بهذا النص قضيّة أساسيّة ـ نحتاج إلى إلقاء حجر في ماء ساكن ليتفجّر الحوار حولها ـ وهي هذا الربط الكامل بين اللغة والهويّة، ويطرح في ضوء ذلك سيل من الأسئلة:
هل العلاقة أساسيّة بين اللغة والهويّة ؟
وهل الوعي باللغة يجعلها الميدان الوحيد الذي تحسم فيه المعارك بين البشر .؟
وهل حروب الإبادة للشعوب تتعادل مع قتل وإبادة اللغات ؟
لقد شهد التاريخ شعوبا وأمما لم تنته رغم استخدامها للغات أخرى والدخول في معتقدات جديدة ، سيما وقد أصبح تعدّد اللغات هو سمة العصر بحكم التثاقف بين الشعوب والأمم ، وبحكم ما وصل إليه الإنسان من تقدّم يجعل الفرد بحاجة للآخر ، لمعرفة لغته وأسلوب تفكيره ، ونمط حياته .
فهل يعدّ التعصّب للغة محاولة انعزال الذات عن الآخر ومن ثم عدم تطوير القدرات الذاتيّة أو إمكانيات اللغة التي يستخدمها .
إن أعجب " ما تحدثنا به الروايات أن عالما سويديّا في القرن السابع عشر كان يؤكد لمستمعيه في صورة جدّية أن الرب في جنة عدن كان يتكلّم اللغة السويديّة، وأن آدم كان يتكلم اللغة الدنماركيّة وأن الحيّة كانت تتكلم اللغة الفرنسيّة " (31)
وهناك عالم تركي وقف في مؤتمر لغويّ سنة 1934 يؤكد للمستمعين أن اللغة التركيّة هي الأساس الذي اشتقت منه كل اللغات مستدلاّ على هذا بكلمة تركيّة معناها الشمس هي Gunes لأن الشمس أول ما استرعى نظر الإنسان الأول بين المخلوقات . (32)
وكان بعض العلماء من القدماء يعتمدون في بحثهم على أدلّة نقليّة التمسوها من الكتب المقدّسة، كالتوراة والقرآن ، وفسّروها تفسيرا يلائم ما ذهبوا إليه من آراء . ففي الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين نقرأ قصّة بابل حين حاول الناس أن يتخذوا لأنفسهم مدينة عظيمة، وبرجا شامخا يطاول السماء ، فبلبل الله ألسنتهم وجعلهم فرقا وشيعا ، لا يفهم بعضهم بعضا ، بعد أن كانوا أهل لغة واحدة ولسان واحد ، فانتشروا في الأرض وتعدّدت لغات البشر (33)
وهناك من يقول إن اللغة العربيّة هي لغة أهل الجنّة وأن آدم كان يتحدث العربيّة ، إلى آخر هذا التعصّب الذي تمليه بنية الوعي القاصرة التي تدّعي امتلاك الحقيقة دون غيرها والتفوّق اللغوي والعرقي والديني ..
صحيح إن اللغة العربية ذات بعد روحي إلا أن الإسلام يقصي اللغة حيث لا فضل لعربيّ على عجميّ إلاّ بالتقوى .
ما من قوم إلا تشبثوا بلغتهم ودينهم وماضيهم ومعتقدهم ( فهذا ما وجدنا عليه آباءنا أو أسلافنا) . وأبلغ ما يمكن أن يقال في مجال هذا التماس ومجال الهويّة تحديدا الحديث الشريف الذي يقول : يولد الإنسان على الفطرة وأبواه يهوّدانه أو يمجسانه أو ينصّرانه . أي أن المدخلات تؤثر على المخرجات حيث تعيد البنية إنتاج نفسها .
الهويّة من منظور التحليل الفاعلي :
وبالاستناد إلى منهج التحليل الفاعلي الذي يصنّف بنى الوعي لدى الإنسان إلى ثلاث بنيات، إثنتان منهما مغلقة وقاصرة والثالثة مفتوحة هي بنية الوعي الخلاق ، على صعيد الفرد والمجتمع تتآزر فيما بينها وتتنازر ، فإنّ مجتمعاتنا الأفريقيّة ظلـت ولازالت أسيرة بنية الوعي التناسلي في صراعها مع بنية الوعي البرجوازي ، مستخدمة لغتها أو لغة الغير فإن بنية الوعي لديها تجذبها دائما إلى التعصّب .
ومع تماس اللغة بالهويّة ، حريّ بنا أن نتساءل عن مفهوم الهويّة لدى كل بنية من بنى الوعي .
البنية التناسليّة ـ التي يكون همّها توفير البشر كمّيا ـ باعتبارها إحدى البنى التي تعتمد الإنجاب والتكاثر فاعليّة للإنسان ترى أن الهويّة تتشكل بالانتماء إلى تلك المحدّدات التاريخيّة والاجتماعيّة والعرقيّة والدينيّة واللغويّة ، وهي بذلك تحتمي بهذه المحددات غير الإراديّة والتي تشكل أساس الانتماء للجنس واللغة والدين . وهي بذلك تحتمي بها ، وتدافع عن وجودها من خلال اعتماد الماضويّة التي شكّلت الفرد ، ولا تسمح له مطلقا بتجاوزها .
وللدلالة على أن اللغة هي إحدى إفرازات البنية، فإننا نجد أثر صياغتها في المفردة أو التركيب اللغوي. فالإعلاء من شأن الرجل ينتج عنه الانحياز الذكوري في اللغة .. ففي نحو العربيّة مثلا حين نصف تاء التأنيث بأنها ساكنة غير متحرّكة، غير فاعلة ، ولا محلّ لها من الإعراب له دلالته . في حين أن التاء المتحرّكة هي تاء الفاعل . كذلك نجده في مخاطبتنا لمئات النساء بإضافة نون النسوة ، وحين يكون معهنّ رجل واحد فخطابنا لهنّ بواو الجماعة، حيث لايجوز مخاطبتهنّ بنونهنّ لوجود رجل بينهنّ .
كما نجد توظيف دلالة المفردة لصالح البنية ، كاستخدام مفردة " الشرف" فرغم تمدّد دلالتها واتساع ظلالها حول عدد من المجالات : كشرف العمل أو شرف المهنة أو شرف الوطن .. الخ إلاّ أن المساحة الأكبر من دلالة المفردة تمنحها البنية لشرف الأسرة .
وكدلالة مفردة " التنمية" ففي حين تنظر إليها البنية التناسليّة على أساس زيادة النسل ، ينظر إليها على أساس زيادة الثروة في البنية البرجوازيّة وعلى أنها زيادة الفاعليّة في البنية الخلاّقة .
والتقعيد اللغوي نجد أثر البنية فيه واضحا من خلال ارتباط اللين بالأنوثة ، وتحديد حروف اللين أو الحروف الأنثويّة بالألف والواو والياء .. وفوق ذلك فهي حروف علّة .. لما كانت تمثله الأنثى في سابق العهد من علّة أو عالة على الأسرة التي نجم عنها الوأد لهنّ في الجاهليّة.وتاء المخاطبة يميّزها الكسر .وضميرها المنفصل كذلك .
والمجتمعات التي تسيطر عليها أو تسود فيها بنية الوعي التناسلي ، تحدّد للمرأة مكانها المتمثّل في البيت وتمنحها لقب : ربّة البيت ، ليس إعلاء من شأنها بل قصر لفاعليتها في حدود الإنجاب ، وخدمة الرجل السيّد وأبنائه ، ألا يحقّ لشاكونتالا هاولدار من الموريشيوس أن تصرخ قائلة :
أن يكون الإنسان امرأة
ظلاّ بغير هيئة
يزيل ضوء الشمس
يحمل رجالا في جوفه بغير معنى
في سلسلة الحاجة التي لا تنتهي،
أن يبلى في الأيام الممطرة
مثل حذاء قديم لا لون له ،
ويتلمّس طريقه بين القدور والأواني
وعيناه مشدودتان إلى البخار ،
تدمعان أكثر مما يدمعهما البصل ،
أن يكون الإنسان امرأة
بغير شخصيّة مثل أعواد الخيزران
يتم تفصيله حسب الطلب ،
فيكون وقاء من الجو الغريب .
وحين ينام
يطير مثل العصفور
بغير عائق. (34)
والثقافة العربية والأفريقيّة كلتاهما تنطلقان من نفس البنية كلتاهما تعتمدان الماضي خوفا كما يظن الكثيرون من فقدان الهويّة ، وكلتاهما بكائيتان الأولى من بكائيات العصر الجاهلي في المقدمات الطلليّة مرورا ببكائيات الأندلسيات وانتهاء ببكائيات الماضي واعتمادها الفعل الناقص كان وكنّا . والثانية بدءا من الاضطهاد ومراحل الاسترقاق والاغتراب التي مارسها علينا الغرب وسخرنا واستغلنا لبناء حضارته . الأولى ترتكز على ماضيها العريق وإسهاماتها واتساعها وامتدادها عبر العالم ، والثانية ترتكز على ممالكها وحضاراتها السابقة .
هذا الانكفاء والبكاء إن دلّ فإنما يدل على العجز والخوف من أن تجور بنية امتلكت القوّة المعرفيّة والمادّية والعسكريّة، من أن تسطو عليها وتدمّرها وتمحو هويّتها. لم تستطع كلتا الثقافتين من أن تتجاوز الماضي ، وتسهم في عصرها بفاعليّة ، لتشكل رافدا هامّا من روافد الثقافة العالميّة .
مفهوم الهويّة لدى هذه البنية (التناسليّة) يعتمد على مفهوم الذات حيث ينبثق من أن النسق أو النواة التوليدية للوعي التي تحدد فكرة الإنسان عن نفسه ومنحى استجابته وتفاعله مع العالم يجعل مفهوم الذات جزءا لا يتجزّأ من بنية العقل . ومن ثم تصبح الذات بمفاهيمها الإقصائيّة للآخر المرتكز لتحديد مفهوم الهويّة .
فالذات المنبثقة إلى هذا الوجود من خلال رحم الأم تظل أكثر التصاقا بمحدّدات الانتمائيّة الماضويّة باعتبارها هي التي شكلته ومن ثم لابد من أن يشكل هو امتدادا للسلف بلغاتهم ومعتقداتهم وثقافاتهم . لذلك يدافع كل من ينتمي لهذه البنية عن ذاته وعن هويّته التي حددها الأسلاف ، ونصّروه أو هوّدوه أو مجّسوه، وأبعدوه عن الفطرة التي ولد عليها . وتترسخ هويته في العرق واللون والدين واللغة والثقافة ..الخ كما يصبح دفاعه عن هذه الهويّة هو دفاع عن الذات التي حدّدها وعيه عن نفسه والقائمة على إقصاء الآخر . حتى الخطابات الدينيّة لم تشفع لصلف البنية من أن تخفّف من حدّة انحيازها وتعصّبها وجاهليّتها بل أصبحت تفسّر الخطاب وفق منظورها وطبيعة تشكيلها. وتطوّع اللغة وفق مفاهيمها وتجعل منها سياجا تطوّق الجميع به .
البنية البرجوازيّة السائدة الآن في الغرب لا تعتمد تلك المحدّدات ، فبإمكانها كما هو حادث الآن تشكيل مجتمعها من عدد من الأعراق والألوان والمعتقدات واللغات ، لتصبح الهويّة عندها الأيديولوجيّة التي يحملها الفرد ، ما اختاره هو بنفسه من أفكار ومن ثم فهو شيوعي أو رأسمالي أو إرهابي أو براجماتي ، من الدول الغنيّة أم من دول العالم الثالث ..
لقد حدّدت بنية الوعي السائدة في الغرب (البرجوازيّة) مفهوم الذات التي تعتمد المادة ، واستحواذ الخيرات المادّية وجمع الثروة بمختلف السبل بما في ذلك استباحة الآخر ، حدّدت مفهوم الإنسان بوصفه فاعلية مادية هدفها في هذه الحياة جمع الثروات ، وهي بنية وعي تنشأ " حينما يحقق المجتمع درجة من التطوّر والسيطرة على صحة البيئة فيزداد تعداد السكان وتكتظ المدن بالبشر . وحينما تشكل علاقات الإنتاج السائدة القائمة على الملكيّة الخاصة لوسائل الإنتاج عائقا أمام الأمن الغذائي المطلوب للأعداد المتزايدة من البشر ، عندها تبدأ بنية الوعي البرجوازي في التشكل ، فيعي الإنسان ذاته ككائن اقتصادي وظيفته ودوره في الحياة يتمثل في إنتاج واستحواذ الخيرات المادية " (35 ) و " من خلال عملية إنتاج الخيرات المادّية تتعرّف بنية الوعي البرجوازي على مادّية العالم فتنشئ العلم والتكنولوجيا ويلبي كل ذلك حاجتها إلى الأمن الغذائي فتبجل العلم . أما الإنسان ونتيجة للانفجار السكاني يصبح سلعة متوفّرة بخسة الثمن" (36)
ولو تتبعنا خصائص هذه البنية ودورها في إنتاج اللغة لوجدنا هذا الوعي قد أثر في التراكيب اللغويّة والمفردات ودلالاتها وعلى اعتبار المدن حتى في دولنا قد تسللت لها بنية الوعي البرجوازي فكثير من المبدعين وصفوا المدن بأن ليس فيها " تفضّل، بل ادفع .. ادفع بكتفيك .. ادفع بكفيك .. ادفع من جيبك .. ادفع من أي اعتبار اجتماعي ، المدينة ادفع .. لا تفضّل " (37) .
البنية البرجوازيّة تقيس الإنسان بما يملك من ثروة ، وعلى ذلك فمفهوم الهويّة لديها يتحدّد وفق وعيها للذات فالانتماء للمال وللاستثمار وللشركات متعددة الجنسيّة ، الانتماء للاقتصاد وفي سبيل المال تستبيح الآخر وتضطهده وتستغلّه وتستعمره ، لغتها لغة القوّة ، ومفرداتها مشحونة بالأنانيّة وتراكيبها اللغويّة تسير وفق نهجها المادّي.
بنية الوعي الخلاّق: تلك التي ترى هويّة الإنسان مرتبطة بقيم الخير والعدالة والمساواة والعطاء غير المشروط والبذل والتضحية والإيثار . تنظر إلى الإنسان الكوني دون عنصريّة أو عصبيّة أو فوقيّة ، وبتسامح كبير وبأفق ووعي مفتوح.
تلك رؤى بنى الوعي ومفهوم كل عن الهويّة، مما يؤكد أنه مهما سعت إحدى بنيتي القصور تناسليّة أو برجوازيّة من اكتساح إحداهما الأخرى وفرض نموذجها وثقافتها ووعيها لتدمير هويّة الآخر فذلك محض هراء. لا تتدمّر البنية وفق آلياتها وبرامج عطائها إلا إذا فقدت مبرّر وجودها، وعجزت عن تأمين الحماية لمن يحتازونها، وحدثت بها شروخ كبيرة أدت إلى ضعفها . عندها فقط تتشكل بنية جديدة دون عنف ودون إقصاء .
الهويّة كذلك بمفهوم البنية لا يمكن محوها أو تدميرها أو استلابها، فالشعوب تغيّر لغتها ودينها وتبقي هي هي بخصائصها وسماتها،وحسب تعبير إدوارد ويلموت بليدن "فالأفريقيّ سيظل أفريقيّا تماما كما سيظل الأوربيّ أوربيّا إلى الأبد. وليس ثمّة أدنى احتمال لأن يتحوّل أحدهما إلى شاكلة الآخر" (38)
الهويّة لا تمحى ولا تتدمر لأنها غير قابلة للتدمير لكنها قابلة دائما للتغيّر المستمر وفق تنازع بنيات الوعي أو تآزرها ، فإذا تصوّرنا جدلا ـ كما يقول شريف يونس ـ (39) في كتاب سؤال الهويّة أن مصر هي بالفعل كيان واحد متحد متجانس ، فإنها بالمقابل تنفرد بتجربة تغيير دينها ولغتها وثقافتها أكثر من مرّة دون أن يعني ذلك بالضرورة تدمير البشر أنفسهم أو مستقبلهم أو مصالحهم أو حتى شعورهم بانتماءات ما . فالهويّة حدث من أحداث التاريخ تجري صناعته وإعادة إنتاجه في شروط تاريخيّة معيّنة .. ومن منظور التحليل الفاعلي نرى أن كل بنية وعي تشكل مفهوما للهويّة خاصا بها وفق القصور أو الانفتاح في بنية الوعي.
المشهد الثقافي في الفضاء العربي الأفريقي :
ما يتشكل الآن من اجتياح غربي واستباحة إمبريالية ومحاولة الهيمنة والإخضاع والقسر والإقصاء الذي يمارس ضدنا يحبط البعض ويجعل البعض الآخر يهرب من ذاته أو يلتصق بماضويّته هروبا من واقع ليس أقل من أن يوصف عاطفيا بأنه يجرح العين ، أو عقلانيا بأنه استحقاقات الاسترخاء الذي حجب الفاعليّة الإبداعيّة لزمن ليس باليسير.بعدنا أو أبعدنا فيه عن العلم والمعرفة، والاستكانة لبنية وعي قاصرة.
الضياع الآن الذي يعيشه كثير من المثقفين، يتمثل في عدم وجود مشروع يشكل هويّة واحدة ويمثّل رابطا قويّا يدافع الجموع عنه، يؤمنون به ويعتزون ويدافعون ، ويلتزمونه نهجا حضاريّا يؤسس للذات وفاعليّتها وإبداعاتها ، ويبرّر لوجودها .
البحث عما يجمع هذا التعدد والتنوع العرقي والثقافي واللغوي والديني في قارتنا الأم لبناء القوّة المادية والمعنوية ، والتزام مشروع لحماية الذات والإسهام مع الفضاءات الأخرى في بناء الحضارة .
إنه بلا شك ، مجموع القيم الإنسانيّة التي تشكل رصيدا تأسيسيا للذات ، وحل إشكالات الديمقراطيّة والحرّية من واقع الهويّة الإنسانيّة لمجتمعات قارتنا وشعوبها ، حيث إنه " لم يعد من الممكن للمجتمعات المعاصرة ، خاصة المتخلّفة ، أن تحل مشكلات العدالة الاجتماعيّة والنهضة انطلاقا من معطيات بنية الوعي البرجوازي أو التناسلي ، لأن المعوّق الأساسي لا يقتصر الآن على ضعف السيطرة على البيئة الطبيعيّة أو زيادة السكان بل يتعدّى ذلك إلى الاستغلال الطبقي والتنافس العالمي على السيطرة على موارد الأرض وفي كافة أشكال الاستعمار الاقتصادي المعلنة والمستترة ، علاوة على ذلك دخلت البلدان المتخلفة في مواجهة حضاريّة بمحتويات بنية الوعي التناسلي ضد البلدان المستعمرة فانهزمت عسكريا وتكنولوجيا وحضاريا ، بل إن معظمها مازال يستجدي الغذاء والدواء . أما بنية الوعي البرجوازي فقد فاقمت من الصراع الطبقي ، ولم تحقق الأمن الغذائي والرفاهية إلا للطبقة الموسرة ، وكان ذلك على حساب الطبقة العاملة وعلى حساب إفقار ونهب ثروات الدول المتخلفة . كل هذه الأسباب تستوجب نشأة وهيمنة بنية وعي جديدة تتجاوز قصور بنيتي الوعي التناسلي والبرجوازي هي بنية الوعي الخلاق " (40)
ومادمنا في دائرة العولمة شئنا أم أبينا ، فإن الأمر يقتضي تفعيل بنية الوعي الخلاق لنقدّم للعالم رؤية جديدة للهويّة الإنسانيّة التي تتأسس على المفاهيم غير الإقصائية، وعلي المحبة والعطاء غير المحدود لإثراء الحياة البشرية جمعاء بدلا من الدخول في صراع بين بنيتي قصور تدعي كل منهما امتلاك الحقيقة ، وما ينجم عن ذلك من شرور ومآس للبشرية .
هذا لا يعني أن نستباح أو نستبيح ، بل تأسيس الذات على نبذ التعصب والتحيّز واعتماد التعدد والتنوع مصدرا للثراء الروحي والمادّي .. وأن يقدّم كل شيء على حقيقته.. وأن يتم كسر احتكار مصادر القوّة من ثروة وسلطة وسلاح التي يتنازع عليها كل من احتاز إحدى بنيتي القصور .
بنية الوعي التي يستدمجها الفرد أو السائدة في المشهد الثقافي العربي والأفريقي بدأت ولا شك تهتز وتحدث شروخا ، بل إن هذا التصدّع الذي يحدث للبنية من جراء عدم حمايتها لأبنائها دفع إلى تسلل بنية الوعي البرجوازي بثقافتها وقيمها ، وأصبح جليّا الصراع بين المجابهة بعنصرية والانحياز إلى الماضوية، وبين ارتياد خطى الغرب التي يسعى لفرضها على العالم مستخدما كل ما في جعبته من (عصي أو جزر) دون النظر إلى بنية الوعي الخلاق التي بدأت تتشكل لحماية هذا الفضاء من أن تحتويه الفضاءات الأخرى ، بل لحماية البشريّة من حماقاتها .
بنية الوعي الخلاق التي كثيرا ما استعانت بها الحضارات المهددة بالسقوط أو الآيلة للانهيار والانقراض لإحداث نهضة جديدة عنصرها الأساس إسهام الذات الفاعلة وإثبات وجودها من خلال مفهوم يفجر طاقات الإنسان الإبداعية ، ويعبر عن إسهام حضاري ينبذ التطرّف والمفاهيم الإقصائيّة .
ذلك ما يدعونا إلى البحث عن الحرية والإعلاء من شأنها ، وممارسة الديمقراطيّة الحقيقيّة غير المزيّفة تلك التي تمنح الإنسان الثقة بنفسه في أن يصوغ حياته لا أن يتنازل عنها لشخص آخر ببطاقة تصويت يلقيها في صناديق الاقتراع .
وذلك ما يطرح علينا الآن عددا من الأسئلة السياسية والثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والروحيّة جماعها ينبغي أن تتم الإجابة عليه بمفاهيم جديدة نقدمها للعالم متجاوزين ما هو سائد من قصور .
الخلاصة :
وما نخلص إليه هو أن اللغة نتاج وإبداع بشري على الإنسان أن لا يصبح أسيرا داخل سجنها وأن يطوّر مفرداته ودلالاتها لتجاوز قصور اللغة وتجاوز قصور البنية وانغلاقها، وأن إشكالاتها كامنة في ارتباطها بالهويّة ناجم عن النظرة الاستا تيكيّة ، وأن هذا التعدّد لايرقى إلي درجة الإشكال إذا نظرنا إلى الهوية بمفهوم ديناميكي مرتبط ببنى العقل. وأن المشهد الثقافي العربي هو مشهد تراكبي يحتوي عددا من الخطابات التي انتجتها بنى الوعي، وهذا التراكب لخطابات بنى الوعي يحتاج إلى تحليل حيث نجد في كل ثقافة مجموعة من القيم التي تنتمي لبنية الوعي الخلاق.
إضافة إلى أننا استعضنا عن المفهوم الاستاتيكي للهويّة بمفهوم ديناميكي قائم على معطيات تركيب الوعي ، ومن خلال علاقة الفرد بالمجتمع تنتج هذه الديناميكيّة استنادا إلى تنازر وتآزر بنى الوعي .. في الوقت نفسه فإن السيادة للبنية لا تعني إلغاء البنى الأخرى ولكنها توظف وفق الحاجات والآليات . كما أن فهمنا الديناميكي للهويّة لديه مرتكزاته في وعي الفرد ، ومرتكزاته في ثقافة المجتمع المعني ، وبالتالي فإن عمليّة الانتقال لهذه المنظومة القيميّة الجديدة التي تشكل الهويّة الكونيّة هو موجود ومضمر في ثقافة أو في وعي الفرد نفسه .
وعلى هذا فإن اللغة تصبح أداة يتم توظيفها ومنحها من الدلالة بما ينسجم مع البنية إنتاجا واستهلاكا ، إبداعا وتلقيا .
توصيات ومقترحات:
ونصل إلى عرض بعض التوصيات والمقترحات متمثلة في :
1 ـ دراسة طرح جديد للديمقراطيّة يتمثّل في الديمقراطيّة المباشرة بحيث يتم تجاوز مفهوم الديمقراطيّة النيابيّة التقليدي، وما يترتب على ذلك من كسر لاحتكار مصادر القوّة التي تستند إليها بنيتا وعي القصور (البرجوازيّة الماديّة والتناسليّة ) وذلك لإتاحة الفرصة لنشوء وتشكّل بنية الوعي الخلاق التي تسود فيها المحبة والإخاء والتعاون والعطاء الشامل . بما يقطع الطريق أمام الاستبداد وهو المناهض الرئيس للفاعليّة .
2 ـ أن تشكل دراسة الارتقاء بالوعي الإنساني ـ لدى المثقف العربي الإفريقي ـ حلقة مستمرّة من حلقات الحوار، نرسي من خلالها بنية وعي بديلة لبنى وعي القصور السائدة الآن في العالم .
3 ـ العمل على الخروج من الدائرة الماضويّة بتأسيس الذات من خلال توثيق وحصر التراث العربي الأفريقي وقراءته قراءة معاصرة لتجاوزه وبناء أسس قويّة وثابتة للبدائل التي تشكل الرؤى المستقبليّة لإنسان هذا الفضاء .
4 ـ الانصهار الثقافي ، وذلك من خلال التواصل عبر المهرجانات والندوات والمؤتمرات الأدبيّة والثقافية والفنية والعلمية ، وأن يتولى المثقفون في كل دولة إحياء أسبوع ثقافي كل عام للثقافة والفنون في أفريقيا.
5 ـ إنشاء مركز التواصل الثقافي ، تنتشر فروعه في كل قطر أفريقي ، يكون بمثابة حلقة تنسيق وتوثيق وتبادل للأعمال الإبداعية والدراسات العلميّة .
6 ـ أن يتم في إطار العلاقات الثقافيّة تبادل الكفاءات والخبرات الأكاديميّة والمنح الدراسية لمزيد من توثيق وشائج الأخوّة العربيّة الأفريقية .
7 ـ أن تتبنى الجامعات العربيّة الأفريقيّة الاهتمام باللغات والآداب والفنون العربية الأفريقية ، من خلال مراكزها البحثية ومقرراتها الأكاديمية. وإنشاء مكتبات تضم النتاج الأفريقي وكل ما كتب عن أفريقيا من دراسات بلغات أخرى .
8 ـ أن يتبنى اتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب عموم أفريقيا إصدار سلسلة مشتركة من الدراسات بما يعزز المشهد الثقافي ويعمق التواصل المعرفي بين أبناء الفضاء العربي الأفريقي .
الهوامش:
(1) رينيه ديمون ، نقد العالم المعاصر ، ت، جورج طرابيشي ، المؤسسة العربية للنشر والإبداع، الدار البيضاء، المغرب ط1 ،1993 ، ص92ـ133 .
(2) المرجع السابق ص95
(3) الشيخ عنتا ديوب، الأمم الزنجيّة والثقافة، ت: ريما إسماعيل، الدار الجماهيريّة للنشر ، ط2001 ،ص285 وما بعدها.
(4) ليوبولد سنغور في تقريره الذي قدّمه للمؤتمر الثاني للكتاب والفنّانين الأفارقة نقلا عن د. عبدالله أحمد بشير بولا ، العناصر الأساسيّة المكوّنة للحضارة الزنجيّة الأفريقيّة أم للفكر "الأفريقي" المغترب ؟ دراسة نقديّة، منشورات مركز البحوث والدراسات الأفريقيّة، سبها، ط الشركة العامة للورق والطباعة 1988،ص9 .
(5) جوزيف ـ كي ـ زيربو ، تاريخ أفريقيا السوداء ت، د. عقيل الشيخ حسن ، الدار الجماهيريّة للنشر والتوزيع ، ط1، 2001 ص11 .
(6) هيغل ، دروس في فلسفة التاريخ 1830 ، عن المرجع السابق ص13 .
(7) كوبلان ، حول تاريخ أفريقيا الغربيّة1929 ،المرجع السابق نفسه .
(8) أوجين بتناز ، الأعراق والتاريخ ، باريس 1953،ص505 ، المرجع السابق ص14 .
(9) ب غاسكوت ، مجلة باريس اكتوبر 1975 ، ص12 نقلا عن المرجع السابق نفسه .
(10) المرجع السابق ص15.
(11) أندريه سيك ، تاريخ أفريقيا السوداء ، بودابست 1965 ،ج1 ، ص19 ، المرجع السابق ص15 .
(12) جوزيف ـ كي ـ زيربو ، تاريخ أفريقيا السوداء ، ص51
(13) محي الدين صابر ، أفريقيا والثقافة العربيّة ، محاضرات الموسم الثقافي الأول 79 /1980 ، منشورات مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي ، ط 1989 ،ص 159
(14) علي شلش ، الأدب الأفريقي ، سلسلة عالم المعرفة171 الكويت، مارس 1993 ،ص 44 ، وقد أشار إلى ماذكره داثورني إلى أن 95 لغة محلية من 700 استخدمت في التعبير الأدبي المكتوب ، منها 18 لغة في جنوب أفريقيا . نقلا عن African Literature in The Twentieth Century . .
(15) اكواديبا تولي ، الهويّة الإثنيّة والتعددية اللغويّة في أفريقيا ، مجلة المؤتمر ، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر ، العدد (6) يوليو 2002 ، ص 12 .
(16) عبد السلام أحمد ضو ، التنوّع الثقافي والتبعيّة الإعلامية في أفريقيا ، أعمال مؤتمر التعليم من أجل التحرر في أفريقيا،منشورات مركز البحوث والدراسات الأفريقية، سبها ،1988 ،ص 255 .
(17) أشارإليه د. محمد محمد طه هلالي، اللغات الأفريقية التي يمكن اعتبارها وسائل اتصال، منشورات مركز البحوث والدراسات الأفريقيّة ، سبها1988،ج2 ص 322 نقلا عن الدعوة الإسلامية ص349 ترجمة د. حسين إبراهيم ود. عبد المجيد عابدين ود. النحراوي ـ مصر 1957
(18) أشار إليه المرجع السابق ص 323 ، نقلا عن د. إبراهيم علي ، الإسلام واللغة العربية في السودان الأوسط والغربي ص 26 .
(19) أ. عبد الله جلو ، التركيز على اللغات الأفريقية وازدهارها ، ، أعمال مؤتمر التعليم ، منشورا مركز البحوث والدراسات الأفريقية ،سيها 1988 ، ص 296 .
(20) محمد عمر بشير ، جنوب السودان ، ط1971، ص 87 وانظر مذكرة من الحاكم العام في 12 يونيو 1927.
(21) المرجع السابق ص 88 ، عن مذكرة في تأييد استخدام اللهجات المحلية..
(22) خالد عبد المجيد مرسي، شيخ حامدوكاني " التجربة الغامضة أو التيار الإسلامي في الأدب السنغالي الحديث، مركز البحوث والدراسات الأفريقية ، سبها 1989 ،ص.10
(23) المرجع السابق نفسه .
(24) خالد عبد المجيد مرسي ، الأدب الأفريقي الحديث وقضيّة اللغة .. أعمال مؤتمر التعليم من أجل التحرير في أفريقيا ، ص 504 .
(25) المرجع السابق نفسه.
(26) المرجع السابق ،ص 505 .
(27) ابراهيم السامرائي ، التطور اللغوي ، دار الأندلس ط2 ، 1981 ،ص 13 .
(28) أحمد محمد كاني ، الجاليات العربية الاسلامية في غرب أفريقيا ، التعاون العربي الأفريقي الواقع الراهن وآفاق المستقبل ، سلسلة الدراسات السياسية والاستراتيجيّة ، 6 ، ط1 ، 1992 ، ص283 .
(29) أحمد محمد كاني ، المرجع السابق، ص 284 . وقد اقترح على القارئ دراسة الأوراق التي قدمها ونشرها البروفسور مدثر عبد الرحيم في مجلة " دراسات أفريقيّة" والمتعلّقة بقضايا العروبة والأفريقية وقضايا التحوّلات اللغويّة والانصهار الثقافي .
(30) أوردها د. خالد مرسي في بحثه عن الأدب الأفريقي الحديث وقضيّة اللغة ص260 . وكذا في شيخ حامدو كاني .ص10 .
(31) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ ، الأنجلو المصريّة ، ط4 ، 1980 ، ص 14 .
(32) المرجع السابق نفسه.
(33) المرجع السابق ص 15 .
(34) أوردها علي شلش ، الأدب الأفريقي ص63 .
(35) الشيخ محمد الشيخ ، الإنسان والتحليل الفاعلي ص 8 .
(36) المرجع السابق ص10 .
(37) معمر القذافي ، القرية القرية، الأرض الأرض، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان، ط2 ، ص7 ـ 8
(38) أورده خالد مرسي في الأدب الأفريقي الحديث وقضية اللغة ، ص505 .
(39) شريف يونس ، كتاب سؤال الهويّة، التحرريّة الجماعيّة ، موقع www.geocities.com/samch .
(40) الشيخ محمد الشيخ ، الإنسان والتحليل الفاعلي ص 8 ـ 9 .
.
إقرأ المزيد Entry>>
تلك أهم القضايا التي تتناولها هذه الدراسة التي تعتمد منهج التحليل الفاعلي من حيث تنازر بنيات الوعي(تنازعها وتآزرها) ، والبنية السائدة في هذا الفضاء الثقافي العربي الأفريقي.
تمهيـــــد :
أفريقيا القارّة السوداء أو القارة البائسة، أو القارة المظلمة، أو المخنوقة أو الهالكة كما يطلق عليها رينيه ديمون (1) استنادا إلى معطيات رقميّة واستحقاقات موضوعيّة طرحها بحياد تام في دراساته التي لم تحرّك ساكنا إلى إنقاذ نفسها أو عمل مراجعة شاملة للمؤثرات والأسباب التي جعلت منها قارّة جائعة اقتصاديّا ومريضة سياسيّا، ومتخلّفة ثقافيّا ، في وقت تتنامى فيه قوّتها البشريّة بشكل مذهل جعل خبراء الأمم المتّحدة يتوقّعون أن يتجاوز تعداد سكانها في العام 2030 تعداد سكان آسيا الجنوبيّة (الصين واليابان والشرق الأقصى) بل إنهم يتوقعون أن يبلغ تعداد السكان الأفارقة في العام 2100 ما يصل إلى 6,2 مليار نسمة مقابل 550 مليونا في العام 1985 (2) دون وضع استراتيجيّة تخرجها من عوامل الهلاك.
ونتيجة جهود حكماء أفريقيا ، وما بذله الأخ القائد معمّر القذّافي ، شكلت قمّة سرت الأولى والثانية، كما شكّل تاريخ 9. 9. 99 صحوة جبّارة في المجال السياسي ، وخطوة هامّة لتحقيق حلم الروّاد في شقّ الطريق رغم العواصف والتحدّيات التي تجابهها القارة منذ استقلالها وحتى الآن.
صحيح إنّ في العمق الوجداني الأفريقي والعربي جروحا غائرة لا تزال تنزف، ومواردها لا تزال تستنزف ومنذ حقب طوال استعبدت فيها الشعوب، ومورست عليها سياسات الاضطهاد والقهر والاستعلاء والاستباحة من بنية برجوازيّة قاصرة. وحين استيقظ الجميع وجدوا أنفسهم على هامش العصر التقني والتكنولوجي ، فإذا بالحسرة القابضة من حيث عدم بناء القوّة المعرفيّة ، وعدم اللحاق والإسهام بفاعليّة في علوم العصر وإبداعاته. وكان لزاما على أبناء القارّة من تلقّي هذه المعارف والعلوم بلغة أجنبيّة ، حيث شكلت لغة للتواصل مع الآخر الذي كان محتلا .
وكثير من الدارسين والمثقفين العرب والأفارقة انشغلوا بإبراز ماضيهم وبالبحث عن جذورهم والتنقيب عن سماتهم وخصائصهم خوفا من ضياع هويّتهم، وذلك ما يوضح بجلاء كيف أننا ما نزال نبحث عن الذات ولم نتجاوز ذلك إلى الفعل .
الشيخ عنتا ديوب (3) يكرّس جهده المقدّر في البحث عن الأصول الأفريقيّة وصلات القربى بين الأفارقة ، وحتى الصلات الألسنيّة بين اللغات الأفريقيّة والمقارنة بين مفرداتها والتنقيب حول التأثير والتأثّر والعلاقة، كما يدعو إلى تطوير اللغات الوطنيّة.
وذاك سنغور يبذل جهدا فكريّا مضنيا بحثا عن الإسهامات الأصيلة " المقدّسات، المسلّمات وأحكام القيمة، الأسلوب والمفردات" التي ينبغي لها أن تميّزنا عن الآخر ، وأن تعبّر عنّا وتصلنا بالعائلة البشريّة في آن واحد .(4)
كذلك يذهب جوزيف ـ كى ـ زيربو إلى أنّ " إعطاء القيمة لماضي هذه القارّة هو سمة من سمات العصر والحافز الذاتي على ذلك أمر بديهي، فهو يعني بالنسبة للأفارقة بحثا عن الهويّة خلال تجميع عناصر متناثرة في الذاكرة الجمعيّة، وهذا الحاضر الذاتي يقوم هو نفسه على أساس موضوعي متمثّل في حصول العديد من البلدان الأفريقيّة على استقلالها إذ إنّ تاريخهم لم يكن خلال الوجود الاستعماري غير زائدة عديمة القيمة ، أو خرقة بالية في تاريخ البلد المستعمر"(5)
وما دفع الأفارقة للبحث عن ماضيهم هو ذاته الذي دفع العرب سواء من الاستفزاز الشعوبي أو الحروب الصليبيّة ، كذلك الأفارقة والاستفزاز الذي شكّله سدّ من الخرافات أشاعها الأوربيّون بأن تاريخ أفريقيا (السوداء) لا وجود له .
فهيغل يقول بأن " أفريقيا ليست جزءا تاريخيّا من العالم ، وهي تقف أمام عتبة تاريخ العالم"(6).
وكوبلان في الربع الأوّل من القرن العشرين يقول " إن أفريقيا لم تعرف تاريخا بالمعنى الصحيح حتى قدم ليفنغستون ـ المبشّر البروتستانتي والمكتشف الاسكوتلاندي ـ حيث إن غالبيّة سكانها ظلّوا جامدين لا يتقدمون ولا يتأخّرون .(7)
وأوجين بيتناز يقول "إنّ الأعراق الأفريقيّة بمعناها الدقيق لم تشارك مطلقا في التاريخ ". (8) .و ب.غاسكوت يقول " إنّ تلك الشعوب الأفريقيّة لم تقدّم شيئا للبشريّة، ولابدّ أنّ شيئا ما فيها قد منعها من ذلك، لم يظهر فيها اقليدس ولا أرسطو ولا غاليلو ولا لافوزييه ولا باستور ، وملاحمها لم يغنّها أحد من طراز هوميروس". (9)
والمؤرخ شارل أندريه جوليان يصل إلى أنّ أفريقيا بلد بلا تاريخ. (10)
و أندريه سيك المؤرخ الهنغاري يكتب قائلا " إنّ الغالبيّة العظمى من الشعوب الأفريقيّة لم تشكّل دولا بالمعنى الصحيح، وذلك لأنها كانت بلا طبقات ، ولهذا لا يمكننا الحديث عن تاريخ لهذه الشعوب قبل ظهور الغاصبين الأوربيّين ". (11)
وفي المقابل يعلّق جوزيف ـ كى ـ زيربو بأنه " على المؤرخ الذي يهتم بأفريقيا أن يضع الاضطهاد الذي تمثّل بتجارة العبيد ، وبالاستغلال الإمبريالي في الموقع الذي شغله بالفعل في تاريخ القارّة، الذي غالبا ما يجري اجتزاؤه بمهارة من قبل بعض المؤرّخين الأوربّيين مع ما في ذلك من تأثيرات مرعبة على عقليّة الشبيبة الأفريقيّة التي التهمت تلك الأطباق المسمومة على مقاعد الدراسة.".(12)
ومن جانبه يأخذ د. محي الدين صابر على توسع التعليم جنوب الصحراء استخدامه اللغات الأوربّية والمناهج الأوربّية، ومعنى هذا كما يقول " إن الأفارقة يصنعون اليوم بأيديهم وأموالهم هذا الاغتراب الثقافي ، وينشرون اللغات الأوربيّة ويبتعدون عن جذورهم الحضاريّة ".(13)
إشكاليات اللغة في أفريقيا :
حريّ بنا أن نوضّح أن أقدم ما وصل من الأدب وخاصّة الشعر المدوّن بلغة أفريقيّة محدود . ذلك أن المجتمعات كانت شفاهية ، واللغات ذات الأبجديّة المدوّنة قليل .
فأقدم ما وصل من الشعر كما ترويه المصادر ما تضمّه اللغة الأمهريّة في أثيوبيا ويرجع إلى القرن الرابع عشر .. يليه ما تضمّه لغة الهوسا في شمال نيجيريا وغربها ، ويرجع إلى القرن السابع عشر .. ثمّ ماتضمّه اللغة السواحليّة في شرق أفريقيا (كينيا ـ تنزانيا) ويرجع إلى القرن الثامن عشر ، ثم يأتي الشعر الذي تضمّه لغات اليوروبا (جنوب غرب نيجيريا) والصوماليّة (الصومال) والزولو والزوسا والسوتو (جنوب أفريقيا) ويرجع إلى القرن التاسع عشر. (14)
وقد أشار عدد من الدارسين إلى أن العدد الدقيق للغات في أفريقيا غير معروف لأنه لا توجد دراسة شاملة لتحديد هذه اللغات في القارة الأفريقيّة ككل ، ولأن هناك مشكلة للخلط بين اللغات واللهجات . (15)
لقد جرت عدّة محاولات لتصنيف اللغات في أفريقيا ، ووفقا لما ذهب إليه (وجرينبرج) الذي وضع قوائم وأوصافا لما يقرب من 850 مجتمعا أفريقيا تقليديا فإن اللغات الأفريقيّة يمكن تجميعها في خمس عائلات عظمى مميّزة ، هذه المجموعات الخمس أو العائلات تغطّي 98% من مناطق وسكان أفريقيا.
وخلاصة ما توصّل إليه (وجرينبرج) عن اللغات الأفريقيّة أنه في اشتراكها في السمات الرئيسية تؤكد تعقّد أصولها وفي اختلاف مناطقها، إلاّ أنها تتفق في النمط العام مع الجوانب الأخرى للثقافة الأفريقيّة.
وهكذا فإن التأثيرات الإسلاميّة المتلاحقة طويلة المدى والتي صاغت إلى درجة كبيرة أنماط حياة الناس الزنوج في السودان بأكمله وفي كثير من شرق أفريقيا، بل وحتى جنوبها نجد انعكاساتها في الكلمات العديدة التي تعود في أصلها النهائي إلى اللغة العربيّة حتى بين الناس غير المسلمين . وفي معظم أنحاء القارة ، فإن التأثير الأوربي على اللغات الأفريقيّة يظل محدودا مقارنة بالتأثير العربي. (16)
وإذا نظرنا لواقع اللغات الأفريقيّة بكثرتها وتنوّعها وتعقيدها ، والذي حسب تقديرات الدارسين يصل إلى مابين 850 و 1000 لغة ، لوجدنا هذا الكم الهائل من المجموعات المنعزلة والذي نرجع سبب انعزالها إلي العزلة التي كانت قد فرضتها ظروف البيئة الاستوائيّة على سكانها من حواجز طبيعيّة غابات أو أنهار أو جبال . أو ظروف التخلّف الذي كان يعيق التواصل بين المجموعات، أو يجبرهم علي الانعزال خوف ما تتربّص به الطبيعة من جهة ، واعتداءات القبائل الأخرى من جهة ثانية.
فإذا علمنا أن تعداد سكان أفريقيا يصل إلي 550 مليون نسمة حتى 1985 وأن ثلث هذا العدد يتحدث اللغة العربية وأن المتبقي يتحدث 999 لغة أي أن كل 250 ألف يتحدثون لغة خاصة بهم ، بل إن جمهوريّة زائير يتكلم حوالي 80% من سكانها ما يزيد عن 50 لغة ينتمون إلى سلالة البانتو .
أما واقعها من حيث اللغات التي يتكلم بها عدد كبير من السكان فتبرز في:
1 ـ لغة الهوسا : التي أصبحت لغة التخاطب في شمال نيجيريا وفي كل القسم الشرقي من غرب أفريقيا من ساحل العاج حتى الكمرون والجابون.
2 ـ لغة السواحيلي : والتي تتكون أساسا من لغة البانتو شرق أفريقيا حيث أصبحت لغة التخاطب في كل شرق أفريقيا وشرق الكونغو والموزمبيق.
3 ـ ثم لغة الماندي : بلهجاتها الثلاث ( المالينكا ـ البامبارا ـ الجولا ) لغة التخاطب في القسم الغربي من أفريقيا من ساحل العاج ، حتى السنغال وتمبكتو .
4 ـ واللغة العربيّة ، وهي التي يتكلم بها كل سكان أفريقيا الشماليّة وأفريقيا الصحراء والتي غدت كما يقول توماس أرنو لد " لغة تخاطب بين قبائل نصف القارة الأفريقيّة(17) أو كما يقول الرحالة الإنجليزي فرنسيس مور 1731 " بأنه وجد معظم أهل غامبيا البريطانية يتكلم اللغة العربيّة وأن الإلمام بها يفوق إلمام أهل أوربا الوسيطة باللغة اللاتينيّة " (18)
أما السواحليّة فيتحدث بها أكثر من (60) مليون نسمة ويغلب استعمالها في عشر دول تقريبا، اثنتان فقط هما اللتان أقبلتا على استخدامها كلغة عمل . في حين نجد الفولانيّة تنتشر في أكثر من ثلاث عشرة دولة ويتحدث بها أكثر من (20) مليونا من جماعات الفولان ، بيد أنه ليس ثمّة دولة من كل هذه الدول قد استخدمتها في الإدارة أو جعلت منها لغة للتدريس بصورة جادة (19) هذا إضافة إلى الأمهريّة في أثيوبيا ، ولغة اليوروبا ، جنوب غرب نيجيريا واللغة الصوماليّة ، ولغة الزولو والزوسا والسوتو (جنوب غرب أفريقيا) .
هذا من ناحية اللغات الأفريقية أما اللغات الغازية فقد وجدت اللغة الإنجليزيّة والفرنسية مواطئ قدم لها إضافة وبنسبة أقل البرتغاليّة. وأضحى هذا الخليط من اللغات يوزع ويشتت أبناء القارة بين الحديث والتواصل اليومي ، وبين استخدام اللغة في مجال التعليم ، وبين استخدامها في الأعمال اللغويّة الإبداعيّة . بين من وجد نفسه يجيد اللغة الأجنبيّة فاستغلّها . وبين من كتب بلغته المحلّية فكانت محدودة الأثر أو ترجمت فخانتها الترجمة وأطفأت بعض بريقها الإبداعي .
يظل الهدف في التوحيد أو التقليص هو أن يتواصل أبناء القارة فيما بينهم ، وبينهم والفضاءات الأخرى ، ويعزز هذا الهدف تقنيات التواصل الحديثة التي أخرجت كامل المجموعات داخل أفريقيا من عزلتها لتستوعب الآخر ، وليتلقى الآخر عنها .
صحيح إن الاستعمار استهدف فيما استهدف اللغات لتمزيق الشعوب واستلابها ثقافيا وفكريا لجعلها تابعة على الدوام .. فقد كتب الحاكم العام البريطاني في السودان عام 1927 تقريرا يقول فيه : "حيثما ذهبت ، سواء عند قمة جبل (اتماتونج) أو عند حدود الكونغو البلجيكي وجدت أبناء الشعب في مختلف المناطق يتكلمون العربيّة، وعلينا في مواجهة هذا الأمر الواقع أن نقدّر بعناية ما إذا كانت مسألة العمل لاستبعاد اللغة العربيّة استبعادا كاملا تستحق ما نتطلبه من جهود وأموال. بل ينبغي لنا أن نتساءل هلاّ يمكن أن تكون العربيّة أداتنا رغم ما ينطوي عليه من أخطار.؟(20)
من هذا التقرير يتضح أن ليس الهدف القضاء على اللغة العربيّة بل الحيلولة دون انتشارها، والتساؤل الذي يطرحه إمكانيّة استخدامها لتحقيق مآرب استعماريّة أخرى غير اللغة .
هذه المسألة درست بعناية في مؤتمر الرجاف لشؤون اللغة في عام 1928، ووضع هذا المؤتمر الأسس الضروريّة لتنمية اللهجات المحلّية واللغة الإنجليزيّة في جنوب السودان ، وإقامة كافّة العراقيل في وجه اللغة العربيّة. واختار المؤتمر ست مجموعات من اللغات هي: الدينكا ، والباري ، والنوير ، واللاتوكا ، والشلك ، والزاندي .. وقرر أن يجري التدريس في المراحل الأولى بأي منها رافضا استخدام اللغة العربيّة بدعوى أنها ستحمل معها النظرة السودانيّة الشماليّة. (21) هذا النموذج الذي يوضح جهود المستعمر البريطاني لخلق فوارق بين شمال السودان وجنوبه ، هو نفس النموذج الذي تعامل به الغرب للفصل بين شمال القارة وجنوبها بدءا من دور المستشرقين ودور المستفرقين في الإعداد لذلك .
لقد أضحى المشكل اللغوي في القارة الأفريقيّة قضيّة احتلّت مساحة واسعة من الجدل بين أن يستخدم الأديب لغته الأفريقيّة أو أن يكتب الأديب وقد امتلك لغة أخرى بحكم عوامل لا دخل له فيها ، وجد نفسه يتحدث الفرنسيّة أو الإنجليزية أو البرتغاليّة فكتب بها ولم يكتب فيها بمعنى أنه كتب ثقافته وجسّد بيئته منطلقا من بنية وعيه وهويّته، موفرا على الآخر عثرات الترجمة وخيانتها.وهو ما دفع بعض الباحثين إلي القول " بأن الكتاب الأفريقيين، والمسلمين منهم بصفة خاصّة ، وإن عبروا بلغة غير لغة قومهم ، إلاّ أنهم قد أخضعوا اللغة الأجنبية لتسطير خواطرهم ومشاعرهم وللتعبير عن مضامين ومفاهيم ثقافية تتخطى أحيانا وعاء اللغة الأوربية، فطوعتها للتعبير عن تلك الثقافة . "(22) وكما يذهب د. خالد عبد المجيد مرسي إلى أنه" نستطيع أن نقول، بمعنى آخر ، إن هؤلاء الكتاب وإن اتخذوا من اللغة الأجنبية وسيلة للتعبير عن ذواتهم وبيئتهم، إلا أن تلك الذات تبقى ذاتا إفريقية أصيلة . فالأدب الأفريقي بلسان أوروبي يظل أدب إفريقيين لم يكتبوا باللغة الأجنبية طواعية أو انقيادا، وإنما نتيجة إفراز لواقع استعماري كانوا ضحيته ، وهو أدب يترجم أفكارا أفريقيّة ويبث مناخات ثقافيّة إفريقية تختص بهم ."(23)
لقد عرض لهذا الجدل د. خالد مرسي في دراسته القيّمة حول " الأدب الأفريقي الحديث وقضيّة اللغة" إلا أنه كان كان في هذه الدراسة قاسيا في هجومه على اللغات الأوربيّة التي كتب بها الأفريقي . فالأدب الأفريقي لم يولد مع ميلاد اللغة الأوربيّة كما يشير إلى ذلك في مطلع دراسته(24) التي استهلها بنصّين أحدهما للشيخ انتا ديوب 1954 يقول فيه :
" أن نطوّر لغة وطنيّة خير من أن نغرس لغة أجنبيّة في بيئة غير بيئتها .. ذلك أن التعبير بلغة الغير في معظم الأحيان كالحاجز الذي يمنع العقل من أن ينفذ إلى محتوى الكلمات ومضامينها الصميمة .. حينئذ يقوم نماء الذاكرة مقام نماء الذهن " (25) وهو رأي يذهب إلى أن اللغة التي هي إحدى إبداعات الإنسان يصبح أسيرا لها منغلقا بها تقود تفكيره وتوجّه ذهنه دون مساءلة لها أو تطوير لمدلولاتها، حيث تدخل ضمن الموروث .
والنص الثاني لادوارد ويلموت بليدن 1897 يقول فيه:
" سيأتي اليوم لا محالة ، حين يطور التعليم الصحيح وينتشر ، الذي سينشأ فيه أدب أفريقيّ يحمل عبير أفريقيا وحرّيتها وفكرها وعقيدتها ، إذ لا يجب أن يظل الأفريقي إلى الأبد متلقّيا لأفكار الآخرين ولاجئا في غير بلاده، لا يفعل شيئا سوى استيراد مفاهيم الغير والتمثّل بلسانهم . فالأفريقي سيظلّ أفريقيّا تماما كما سيظل الأوربيّ أوربيّا إلى الأبد . وليس ثمّة أدنى احتمال لأن يتحوّل أحدهما إلى شاكلة الآخر .. ويقيننا أن ذلك من شأنه أن يكفل للبشريّة انسجامها وسلامها وتقدّمها" (26) وهو ما يثبت أن الهويّة التي يخاف الكثيرون من أن تستلب أو تدمّر هي باقية لا يؤثر فيها استخدام لغة أو تغيير معتقد .
إلا أن د. خالد مرسي غير ماكتبه في " شيخ حامدوكاني " التجربة الغامضة" يحمل في دراسته هذه على الرعيل الأوّل من أدباء أفريقيا الذين استخدموا لغة المحتل معتبرا أنّ التغريب عن اللغة الأم يعتبر من أشد صنوف التغريب إيلاما .
وبالرغم من المؤتمرات الكثيرة التي عقدت والدراسات التي صدرت حول قضيّة اللغة في أفريقيا وضرورة إحياء اللغات الأفريقيّة وتدوينها وإدخالها ساحة الأدب المكتوب، إلاّ أننا نود الإشارة إلى أن الفكر اللغويّ قد أثبت أن الإنسان لم يفكر في كلامه " فلقد انطلق في مزاولة هذه الحاجة ، كما انطلق في المشي والحركة والبحث عن الطعام " (27) أما بنية العقل التي يحتازها الفرد فهي التي يفكر من خلالها ويمنح الكلمات بالتالي دلالتها ، حتى أصحاب اللغة الواحدة إذا ما اختلفت بنى الوعي لديهم فسّروا نصوصهم بمعان مختلفة ووصلت لكل منهم دلالة مختلفة ، فالبنية سابقة للخطاب ، الأمر الذي يجعلنا نميل إلى أن اللغة ليست الكائن الناطق بها بل ما وراءها من بنية وعي.
اللغة هي هذه الصوتيات التي تشكلها البنية المجتمعيّة للتواصل الحياتي والإبداعي والمعرفي ، لا تعدو كونها إحدى الإشارات التي يستعان بها ، وليست هي الوسيلة الوحيدة للتعبير ، وهي من هذا المنظور قاصرة عن أن تحمل عوالم الإنسان الإبداعيّة لذا فهو يستعين بغيرها من الفنون التي ينجذب إليها الإنسان أيا كان ويستوعبها .
لذا فليست هي ـ أعني اللغة ـ من القداسة بحيث تشكل المجتمعات البشريّة في ضوئها مجموعات صوتيّة متناحرة ، كل يريد أن يفرض لسانه على الآخر .
وهي لا تحمل كل ما يصدّر بها بل تحمل جزءا منه يكمله المتلقّي بالقراءة والتأويل.
وهي كذلك لا تشكّل ركنا أساسيا من أركان الهويّة ، بل تقع فريسة دلالات الهويّة وظلالها .
ورغم ذلك فلم يتناول باحث في اللغة أو مجموعة اللغات في أفريقيا المحلّية منها والأجنبيّة إلاّ وشكل انحيازه للغته انحرافا صارخا عن الموضوعيّة البحثيّة، وخرقا واضحا للمنهج العلمي ، حيث يتم تناول البحث تحت ظلال من التعصّب المغرق في بنية وعي القصور والكامن فيها. هكذا يتناول الباحثون العرب والأفارقة اللغة في دراساتهم ، وهكذا عمد الغرب الاستعماري لفرض لغته على الآخر وكأنه بهذه اللغة سيتمكّن من الاستحواذ على الآخر ويمحو مرتكز هويّته وعصبها .
ما نود الإشارة إليه أنه ما من لغة إلا وأثرت أو تأثرت بلغات مجاورة أو مهاجرة ، ذلك أن الإنسان في حركته ليس هو المكان في ثباته، لذلك لا ترتبط اللغة بالمكان قدر ارتباطها بإنسانه ، وقد شهد التاريخ موجات من الهجرات السلميّة من ناحية ، كالارتحال من مكان إلى آخر للتجارة أو غيرها . أو الغزوات القتالية من ناحية أخرى ، وقد يكون تأثير السلم أقوى وأوثق والعلاقة أبقى وأعمق . ولست مع من يذهب إلى أن اللغة هي الوعاء والمحتوى في ذات الوقت . فإذا انكسر الوعاء ضاع بما فيه، إنها أداة كغيرها من الأدوات التي أبدعها الإنسان ،ويستطيع أن يبدع ويجدد فيها كما يشاء .وبمعناها الأشمل فهي لا تعني الحرف والمفردة واللسان، تعني البنية المنتجة لها ، فالبنى المتدنية تكون قاصرة الدلالة ، غير قادرة على القراءة وتفجير المعاني بل تسطيحها لدرجة الخلل.
اللهجات مثلا يردها البعض إلى نتاج الصراع بين اللغة الأم واللغة الغازية وآخرون يربطون بينها وبين البيئة وتأثيراتها حتى داخل القطر الواحد إلا أن الفاعليّة واحدة ومنهج التفكير واحد حتى لو اختلفت هذه اللهجات بل واللغات .
فالمجموعات العربية الإسلامية " التي وفدت إلى غرب أفريقيا لأسباب تجاريّة أو سياسية أو علمية في فترة ما قبل الاستعمار قد انصهرت في البوتقة الوطنيّة لأي من الدول في غرب أفريقيا عن طريق التزاوج أو التمازج أو الاندماج أو المعايشة ، وأيضا عن طريق الذوبان اللغوي والثقافي والاجتماعي في المجموعات الأفريقية المختلفة في دول غرب أفريقيا" (28)
كما نجد الكثير " من المجموعات الأفريقية في أفريقيا قد استعربت أو تعرّبت واتخذت من اللغة العربية لغتها الأم . وفي الطرف المقابل فإن الكثير من المجموعات العربية قد ذابت في المجموعات العرقيّة الأفريقيّة ، ونسيت لغتها العربية الأصلية. وتبنت المجموعات إحدى اللغات الأفريقية كلغة تتخاطب بها فيما بينها، كما حدث في مناطق شمال غرب أفريقيا وحوالي بحيرة شاد وشرق أفريقيا والسودان على وجه أخص " (29)
تماس اللغة بالهويّة :
بعد أن وقعت القارة فريسة للاستعمار تداخلت اللغات الأوربية من إنجليزية وفرنسيّة وبرتغاليّة ، لتفرض نفسها وتمحو اللغات المحلّيّة، وتهيمن بالمسوح اللغوي، عمد عدد من الأدباء والمبدعين ـ الذين وجدوا أنفسهم ، في بلاد غير بلادهم ، ويتحدثون بلسان غير لسانهم ـ إلي التعبير عما يعانون من هذه الظاهرة التي شكلت اغترابا واغترابا قاسيا ، وفق مفهوم البنية التي يحتازون للهويّة ، أحسوا بأنهم وهم يعبرون عن أحاسيسهم ومشاعرهم بلغة ليست لغتهم فيه امتهان لهم ، وضياع لشخصيتهم ،ومن ثم تسربلوا بالتعاسة، وركنوا لليأس .
في قصيدة للشاعر الهاييتي (ليون لالو) تحمل عنوان الخيانة(30) يقول فيها:
إن قلبي الملحاح يناقض لغة الحديث عندي واللباس،
كالمخلب القبّاض تحبسه،
أحاسيس وعادات من أوربا وافدة.
أمن تعاسة تفوق تعاستي،
ويأسي الذي لا يماثله يأس
أن أروّض بكلمات من فرنسا
نبضات قلب أتاني من السنغال .
يفجر (ليون لالو) بهذا النص قضيّة أساسيّة ـ نحتاج إلى إلقاء حجر في ماء ساكن ليتفجّر الحوار حولها ـ وهي هذا الربط الكامل بين اللغة والهويّة، ويطرح في ضوء ذلك سيل من الأسئلة:
هل العلاقة أساسيّة بين اللغة والهويّة ؟
وهل الوعي باللغة يجعلها الميدان الوحيد الذي تحسم فيه المعارك بين البشر .؟
وهل حروب الإبادة للشعوب تتعادل مع قتل وإبادة اللغات ؟
لقد شهد التاريخ شعوبا وأمما لم تنته رغم استخدامها للغات أخرى والدخول في معتقدات جديدة ، سيما وقد أصبح تعدّد اللغات هو سمة العصر بحكم التثاقف بين الشعوب والأمم ، وبحكم ما وصل إليه الإنسان من تقدّم يجعل الفرد بحاجة للآخر ، لمعرفة لغته وأسلوب تفكيره ، ونمط حياته .
فهل يعدّ التعصّب للغة محاولة انعزال الذات عن الآخر ومن ثم عدم تطوير القدرات الذاتيّة أو إمكانيات اللغة التي يستخدمها .
إن أعجب " ما تحدثنا به الروايات أن عالما سويديّا في القرن السابع عشر كان يؤكد لمستمعيه في صورة جدّية أن الرب في جنة عدن كان يتكلّم اللغة السويديّة، وأن آدم كان يتكلم اللغة الدنماركيّة وأن الحيّة كانت تتكلم اللغة الفرنسيّة " (31)
وهناك عالم تركي وقف في مؤتمر لغويّ سنة 1934 يؤكد للمستمعين أن اللغة التركيّة هي الأساس الذي اشتقت منه كل اللغات مستدلاّ على هذا بكلمة تركيّة معناها الشمس هي Gunes لأن الشمس أول ما استرعى نظر الإنسان الأول بين المخلوقات . (32)
وكان بعض العلماء من القدماء يعتمدون في بحثهم على أدلّة نقليّة التمسوها من الكتب المقدّسة، كالتوراة والقرآن ، وفسّروها تفسيرا يلائم ما ذهبوا إليه من آراء . ففي الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين نقرأ قصّة بابل حين حاول الناس أن يتخذوا لأنفسهم مدينة عظيمة، وبرجا شامخا يطاول السماء ، فبلبل الله ألسنتهم وجعلهم فرقا وشيعا ، لا يفهم بعضهم بعضا ، بعد أن كانوا أهل لغة واحدة ولسان واحد ، فانتشروا في الأرض وتعدّدت لغات البشر (33)
وهناك من يقول إن اللغة العربيّة هي لغة أهل الجنّة وأن آدم كان يتحدث العربيّة ، إلى آخر هذا التعصّب الذي تمليه بنية الوعي القاصرة التي تدّعي امتلاك الحقيقة دون غيرها والتفوّق اللغوي والعرقي والديني ..
صحيح إن اللغة العربية ذات بعد روحي إلا أن الإسلام يقصي اللغة حيث لا فضل لعربيّ على عجميّ إلاّ بالتقوى .
ما من قوم إلا تشبثوا بلغتهم ودينهم وماضيهم ومعتقدهم ( فهذا ما وجدنا عليه آباءنا أو أسلافنا) . وأبلغ ما يمكن أن يقال في مجال هذا التماس ومجال الهويّة تحديدا الحديث الشريف الذي يقول : يولد الإنسان على الفطرة وأبواه يهوّدانه أو يمجسانه أو ينصّرانه . أي أن المدخلات تؤثر على المخرجات حيث تعيد البنية إنتاج نفسها .
الهويّة من منظور التحليل الفاعلي :
وبالاستناد إلى منهج التحليل الفاعلي الذي يصنّف بنى الوعي لدى الإنسان إلى ثلاث بنيات، إثنتان منهما مغلقة وقاصرة والثالثة مفتوحة هي بنية الوعي الخلاق ، على صعيد الفرد والمجتمع تتآزر فيما بينها وتتنازر ، فإنّ مجتمعاتنا الأفريقيّة ظلـت ولازالت أسيرة بنية الوعي التناسلي في صراعها مع بنية الوعي البرجوازي ، مستخدمة لغتها أو لغة الغير فإن بنية الوعي لديها تجذبها دائما إلى التعصّب .
ومع تماس اللغة بالهويّة ، حريّ بنا أن نتساءل عن مفهوم الهويّة لدى كل بنية من بنى الوعي .
البنية التناسليّة ـ التي يكون همّها توفير البشر كمّيا ـ باعتبارها إحدى البنى التي تعتمد الإنجاب والتكاثر فاعليّة للإنسان ترى أن الهويّة تتشكل بالانتماء إلى تلك المحدّدات التاريخيّة والاجتماعيّة والعرقيّة والدينيّة واللغويّة ، وهي بذلك تحتمي بهذه المحددات غير الإراديّة والتي تشكل أساس الانتماء للجنس واللغة والدين . وهي بذلك تحتمي بها ، وتدافع عن وجودها من خلال اعتماد الماضويّة التي شكّلت الفرد ، ولا تسمح له مطلقا بتجاوزها .
وللدلالة على أن اللغة هي إحدى إفرازات البنية، فإننا نجد أثر صياغتها في المفردة أو التركيب اللغوي. فالإعلاء من شأن الرجل ينتج عنه الانحياز الذكوري في اللغة .. ففي نحو العربيّة مثلا حين نصف تاء التأنيث بأنها ساكنة غير متحرّكة، غير فاعلة ، ولا محلّ لها من الإعراب له دلالته . في حين أن التاء المتحرّكة هي تاء الفاعل . كذلك نجده في مخاطبتنا لمئات النساء بإضافة نون النسوة ، وحين يكون معهنّ رجل واحد فخطابنا لهنّ بواو الجماعة، حيث لايجوز مخاطبتهنّ بنونهنّ لوجود رجل بينهنّ .
كما نجد توظيف دلالة المفردة لصالح البنية ، كاستخدام مفردة " الشرف" فرغم تمدّد دلالتها واتساع ظلالها حول عدد من المجالات : كشرف العمل أو شرف المهنة أو شرف الوطن .. الخ إلاّ أن المساحة الأكبر من دلالة المفردة تمنحها البنية لشرف الأسرة .
وكدلالة مفردة " التنمية" ففي حين تنظر إليها البنية التناسليّة على أساس زيادة النسل ، ينظر إليها على أساس زيادة الثروة في البنية البرجوازيّة وعلى أنها زيادة الفاعليّة في البنية الخلاّقة .
والتقعيد اللغوي نجد أثر البنية فيه واضحا من خلال ارتباط اللين بالأنوثة ، وتحديد حروف اللين أو الحروف الأنثويّة بالألف والواو والياء .. وفوق ذلك فهي حروف علّة .. لما كانت تمثله الأنثى في سابق العهد من علّة أو عالة على الأسرة التي نجم عنها الوأد لهنّ في الجاهليّة.وتاء المخاطبة يميّزها الكسر .وضميرها المنفصل كذلك .
والمجتمعات التي تسيطر عليها أو تسود فيها بنية الوعي التناسلي ، تحدّد للمرأة مكانها المتمثّل في البيت وتمنحها لقب : ربّة البيت ، ليس إعلاء من شأنها بل قصر لفاعليتها في حدود الإنجاب ، وخدمة الرجل السيّد وأبنائه ، ألا يحقّ لشاكونتالا هاولدار من الموريشيوس أن تصرخ قائلة :
أن يكون الإنسان امرأة
ظلاّ بغير هيئة
يزيل ضوء الشمس
يحمل رجالا في جوفه بغير معنى
في سلسلة الحاجة التي لا تنتهي،
أن يبلى في الأيام الممطرة
مثل حذاء قديم لا لون له ،
ويتلمّس طريقه بين القدور والأواني
وعيناه مشدودتان إلى البخار ،
تدمعان أكثر مما يدمعهما البصل ،
أن يكون الإنسان امرأة
بغير شخصيّة مثل أعواد الخيزران
يتم تفصيله حسب الطلب ،
فيكون وقاء من الجو الغريب .
وحين ينام
يطير مثل العصفور
بغير عائق. (34)
والثقافة العربية والأفريقيّة كلتاهما تنطلقان من نفس البنية كلتاهما تعتمدان الماضي خوفا كما يظن الكثيرون من فقدان الهويّة ، وكلتاهما بكائيتان الأولى من بكائيات العصر الجاهلي في المقدمات الطلليّة مرورا ببكائيات الأندلسيات وانتهاء ببكائيات الماضي واعتمادها الفعل الناقص كان وكنّا . والثانية بدءا من الاضطهاد ومراحل الاسترقاق والاغتراب التي مارسها علينا الغرب وسخرنا واستغلنا لبناء حضارته . الأولى ترتكز على ماضيها العريق وإسهاماتها واتساعها وامتدادها عبر العالم ، والثانية ترتكز على ممالكها وحضاراتها السابقة .
هذا الانكفاء والبكاء إن دلّ فإنما يدل على العجز والخوف من أن تجور بنية امتلكت القوّة المعرفيّة والمادّية والعسكريّة، من أن تسطو عليها وتدمّرها وتمحو هويّتها. لم تستطع كلتا الثقافتين من أن تتجاوز الماضي ، وتسهم في عصرها بفاعليّة ، لتشكل رافدا هامّا من روافد الثقافة العالميّة .
مفهوم الهويّة لدى هذه البنية (التناسليّة) يعتمد على مفهوم الذات حيث ينبثق من أن النسق أو النواة التوليدية للوعي التي تحدد فكرة الإنسان عن نفسه ومنحى استجابته وتفاعله مع العالم يجعل مفهوم الذات جزءا لا يتجزّأ من بنية العقل . ومن ثم تصبح الذات بمفاهيمها الإقصائيّة للآخر المرتكز لتحديد مفهوم الهويّة .
فالذات المنبثقة إلى هذا الوجود من خلال رحم الأم تظل أكثر التصاقا بمحدّدات الانتمائيّة الماضويّة باعتبارها هي التي شكلته ومن ثم لابد من أن يشكل هو امتدادا للسلف بلغاتهم ومعتقداتهم وثقافاتهم . لذلك يدافع كل من ينتمي لهذه البنية عن ذاته وعن هويّته التي حددها الأسلاف ، ونصّروه أو هوّدوه أو مجّسوه، وأبعدوه عن الفطرة التي ولد عليها . وتترسخ هويته في العرق واللون والدين واللغة والثقافة ..الخ كما يصبح دفاعه عن هذه الهويّة هو دفاع عن الذات التي حدّدها وعيه عن نفسه والقائمة على إقصاء الآخر . حتى الخطابات الدينيّة لم تشفع لصلف البنية من أن تخفّف من حدّة انحيازها وتعصّبها وجاهليّتها بل أصبحت تفسّر الخطاب وفق منظورها وطبيعة تشكيلها. وتطوّع اللغة وفق مفاهيمها وتجعل منها سياجا تطوّق الجميع به .
البنية البرجوازيّة السائدة الآن في الغرب لا تعتمد تلك المحدّدات ، فبإمكانها كما هو حادث الآن تشكيل مجتمعها من عدد من الأعراق والألوان والمعتقدات واللغات ، لتصبح الهويّة عندها الأيديولوجيّة التي يحملها الفرد ، ما اختاره هو بنفسه من أفكار ومن ثم فهو شيوعي أو رأسمالي أو إرهابي أو براجماتي ، من الدول الغنيّة أم من دول العالم الثالث ..
لقد حدّدت بنية الوعي السائدة في الغرب (البرجوازيّة) مفهوم الذات التي تعتمد المادة ، واستحواذ الخيرات المادّية وجمع الثروة بمختلف السبل بما في ذلك استباحة الآخر ، حدّدت مفهوم الإنسان بوصفه فاعلية مادية هدفها في هذه الحياة جمع الثروات ، وهي بنية وعي تنشأ " حينما يحقق المجتمع درجة من التطوّر والسيطرة على صحة البيئة فيزداد تعداد السكان وتكتظ المدن بالبشر . وحينما تشكل علاقات الإنتاج السائدة القائمة على الملكيّة الخاصة لوسائل الإنتاج عائقا أمام الأمن الغذائي المطلوب للأعداد المتزايدة من البشر ، عندها تبدأ بنية الوعي البرجوازي في التشكل ، فيعي الإنسان ذاته ككائن اقتصادي وظيفته ودوره في الحياة يتمثل في إنتاج واستحواذ الخيرات المادية " (35 ) و " من خلال عملية إنتاج الخيرات المادّية تتعرّف بنية الوعي البرجوازي على مادّية العالم فتنشئ العلم والتكنولوجيا ويلبي كل ذلك حاجتها إلى الأمن الغذائي فتبجل العلم . أما الإنسان ونتيجة للانفجار السكاني يصبح سلعة متوفّرة بخسة الثمن" (36)
ولو تتبعنا خصائص هذه البنية ودورها في إنتاج اللغة لوجدنا هذا الوعي قد أثر في التراكيب اللغويّة والمفردات ودلالاتها وعلى اعتبار المدن حتى في دولنا قد تسللت لها بنية الوعي البرجوازي فكثير من المبدعين وصفوا المدن بأن ليس فيها " تفضّل، بل ادفع .. ادفع بكتفيك .. ادفع بكفيك .. ادفع من جيبك .. ادفع من أي اعتبار اجتماعي ، المدينة ادفع .. لا تفضّل " (37) .
البنية البرجوازيّة تقيس الإنسان بما يملك من ثروة ، وعلى ذلك فمفهوم الهويّة لديها يتحدّد وفق وعيها للذات فالانتماء للمال وللاستثمار وللشركات متعددة الجنسيّة ، الانتماء للاقتصاد وفي سبيل المال تستبيح الآخر وتضطهده وتستغلّه وتستعمره ، لغتها لغة القوّة ، ومفرداتها مشحونة بالأنانيّة وتراكيبها اللغويّة تسير وفق نهجها المادّي.
بنية الوعي الخلاّق: تلك التي ترى هويّة الإنسان مرتبطة بقيم الخير والعدالة والمساواة والعطاء غير المشروط والبذل والتضحية والإيثار . تنظر إلى الإنسان الكوني دون عنصريّة أو عصبيّة أو فوقيّة ، وبتسامح كبير وبأفق ووعي مفتوح.
تلك رؤى بنى الوعي ومفهوم كل عن الهويّة، مما يؤكد أنه مهما سعت إحدى بنيتي القصور تناسليّة أو برجوازيّة من اكتساح إحداهما الأخرى وفرض نموذجها وثقافتها ووعيها لتدمير هويّة الآخر فذلك محض هراء. لا تتدمّر البنية وفق آلياتها وبرامج عطائها إلا إذا فقدت مبرّر وجودها، وعجزت عن تأمين الحماية لمن يحتازونها، وحدثت بها شروخ كبيرة أدت إلى ضعفها . عندها فقط تتشكل بنية جديدة دون عنف ودون إقصاء .
الهويّة كذلك بمفهوم البنية لا يمكن محوها أو تدميرها أو استلابها، فالشعوب تغيّر لغتها ودينها وتبقي هي هي بخصائصها وسماتها،وحسب تعبير إدوارد ويلموت بليدن "فالأفريقيّ سيظل أفريقيّا تماما كما سيظل الأوربيّ أوربيّا إلى الأبد. وليس ثمّة أدنى احتمال لأن يتحوّل أحدهما إلى شاكلة الآخر" (38)
الهويّة لا تمحى ولا تتدمر لأنها غير قابلة للتدمير لكنها قابلة دائما للتغيّر المستمر وفق تنازع بنيات الوعي أو تآزرها ، فإذا تصوّرنا جدلا ـ كما يقول شريف يونس ـ (39) في كتاب سؤال الهويّة أن مصر هي بالفعل كيان واحد متحد متجانس ، فإنها بالمقابل تنفرد بتجربة تغيير دينها ولغتها وثقافتها أكثر من مرّة دون أن يعني ذلك بالضرورة تدمير البشر أنفسهم أو مستقبلهم أو مصالحهم أو حتى شعورهم بانتماءات ما . فالهويّة حدث من أحداث التاريخ تجري صناعته وإعادة إنتاجه في شروط تاريخيّة معيّنة .. ومن منظور التحليل الفاعلي نرى أن كل بنية وعي تشكل مفهوما للهويّة خاصا بها وفق القصور أو الانفتاح في بنية الوعي.
المشهد الثقافي في الفضاء العربي الأفريقي :
ما يتشكل الآن من اجتياح غربي واستباحة إمبريالية ومحاولة الهيمنة والإخضاع والقسر والإقصاء الذي يمارس ضدنا يحبط البعض ويجعل البعض الآخر يهرب من ذاته أو يلتصق بماضويّته هروبا من واقع ليس أقل من أن يوصف عاطفيا بأنه يجرح العين ، أو عقلانيا بأنه استحقاقات الاسترخاء الذي حجب الفاعليّة الإبداعيّة لزمن ليس باليسير.بعدنا أو أبعدنا فيه عن العلم والمعرفة، والاستكانة لبنية وعي قاصرة.
الضياع الآن الذي يعيشه كثير من المثقفين، يتمثل في عدم وجود مشروع يشكل هويّة واحدة ويمثّل رابطا قويّا يدافع الجموع عنه، يؤمنون به ويعتزون ويدافعون ، ويلتزمونه نهجا حضاريّا يؤسس للذات وفاعليّتها وإبداعاتها ، ويبرّر لوجودها .
البحث عما يجمع هذا التعدد والتنوع العرقي والثقافي واللغوي والديني في قارتنا الأم لبناء القوّة المادية والمعنوية ، والتزام مشروع لحماية الذات والإسهام مع الفضاءات الأخرى في بناء الحضارة .
إنه بلا شك ، مجموع القيم الإنسانيّة التي تشكل رصيدا تأسيسيا للذات ، وحل إشكالات الديمقراطيّة والحرّية من واقع الهويّة الإنسانيّة لمجتمعات قارتنا وشعوبها ، حيث إنه " لم يعد من الممكن للمجتمعات المعاصرة ، خاصة المتخلّفة ، أن تحل مشكلات العدالة الاجتماعيّة والنهضة انطلاقا من معطيات بنية الوعي البرجوازي أو التناسلي ، لأن المعوّق الأساسي لا يقتصر الآن على ضعف السيطرة على البيئة الطبيعيّة أو زيادة السكان بل يتعدّى ذلك إلى الاستغلال الطبقي والتنافس العالمي على السيطرة على موارد الأرض وفي كافة أشكال الاستعمار الاقتصادي المعلنة والمستترة ، علاوة على ذلك دخلت البلدان المتخلفة في مواجهة حضاريّة بمحتويات بنية الوعي التناسلي ضد البلدان المستعمرة فانهزمت عسكريا وتكنولوجيا وحضاريا ، بل إن معظمها مازال يستجدي الغذاء والدواء . أما بنية الوعي البرجوازي فقد فاقمت من الصراع الطبقي ، ولم تحقق الأمن الغذائي والرفاهية إلا للطبقة الموسرة ، وكان ذلك على حساب الطبقة العاملة وعلى حساب إفقار ونهب ثروات الدول المتخلفة . كل هذه الأسباب تستوجب نشأة وهيمنة بنية وعي جديدة تتجاوز قصور بنيتي الوعي التناسلي والبرجوازي هي بنية الوعي الخلاق " (40)
ومادمنا في دائرة العولمة شئنا أم أبينا ، فإن الأمر يقتضي تفعيل بنية الوعي الخلاق لنقدّم للعالم رؤية جديدة للهويّة الإنسانيّة التي تتأسس على المفاهيم غير الإقصائية، وعلي المحبة والعطاء غير المحدود لإثراء الحياة البشرية جمعاء بدلا من الدخول في صراع بين بنيتي قصور تدعي كل منهما امتلاك الحقيقة ، وما ينجم عن ذلك من شرور ومآس للبشرية .
هذا لا يعني أن نستباح أو نستبيح ، بل تأسيس الذات على نبذ التعصب والتحيّز واعتماد التعدد والتنوع مصدرا للثراء الروحي والمادّي .. وأن يقدّم كل شيء على حقيقته.. وأن يتم كسر احتكار مصادر القوّة من ثروة وسلطة وسلاح التي يتنازع عليها كل من احتاز إحدى بنيتي القصور .
بنية الوعي التي يستدمجها الفرد أو السائدة في المشهد الثقافي العربي والأفريقي بدأت ولا شك تهتز وتحدث شروخا ، بل إن هذا التصدّع الذي يحدث للبنية من جراء عدم حمايتها لأبنائها دفع إلى تسلل بنية الوعي البرجوازي بثقافتها وقيمها ، وأصبح جليّا الصراع بين المجابهة بعنصرية والانحياز إلى الماضوية، وبين ارتياد خطى الغرب التي يسعى لفرضها على العالم مستخدما كل ما في جعبته من (عصي أو جزر) دون النظر إلى بنية الوعي الخلاق التي بدأت تتشكل لحماية هذا الفضاء من أن تحتويه الفضاءات الأخرى ، بل لحماية البشريّة من حماقاتها .
بنية الوعي الخلاق التي كثيرا ما استعانت بها الحضارات المهددة بالسقوط أو الآيلة للانهيار والانقراض لإحداث نهضة جديدة عنصرها الأساس إسهام الذات الفاعلة وإثبات وجودها من خلال مفهوم يفجر طاقات الإنسان الإبداعية ، ويعبر عن إسهام حضاري ينبذ التطرّف والمفاهيم الإقصائيّة .
ذلك ما يدعونا إلى البحث عن الحرية والإعلاء من شأنها ، وممارسة الديمقراطيّة الحقيقيّة غير المزيّفة تلك التي تمنح الإنسان الثقة بنفسه في أن يصوغ حياته لا أن يتنازل عنها لشخص آخر ببطاقة تصويت يلقيها في صناديق الاقتراع .
وذلك ما يطرح علينا الآن عددا من الأسئلة السياسية والثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والروحيّة جماعها ينبغي أن تتم الإجابة عليه بمفاهيم جديدة نقدمها للعالم متجاوزين ما هو سائد من قصور .
الخلاصة :
وما نخلص إليه هو أن اللغة نتاج وإبداع بشري على الإنسان أن لا يصبح أسيرا داخل سجنها وأن يطوّر مفرداته ودلالاتها لتجاوز قصور اللغة وتجاوز قصور البنية وانغلاقها، وأن إشكالاتها كامنة في ارتباطها بالهويّة ناجم عن النظرة الاستا تيكيّة ، وأن هذا التعدّد لايرقى إلي درجة الإشكال إذا نظرنا إلى الهوية بمفهوم ديناميكي مرتبط ببنى العقل. وأن المشهد الثقافي العربي هو مشهد تراكبي يحتوي عددا من الخطابات التي انتجتها بنى الوعي، وهذا التراكب لخطابات بنى الوعي يحتاج إلى تحليل حيث نجد في كل ثقافة مجموعة من القيم التي تنتمي لبنية الوعي الخلاق.
إضافة إلى أننا استعضنا عن المفهوم الاستاتيكي للهويّة بمفهوم ديناميكي قائم على معطيات تركيب الوعي ، ومن خلال علاقة الفرد بالمجتمع تنتج هذه الديناميكيّة استنادا إلى تنازر وتآزر بنى الوعي .. في الوقت نفسه فإن السيادة للبنية لا تعني إلغاء البنى الأخرى ولكنها توظف وفق الحاجات والآليات . كما أن فهمنا الديناميكي للهويّة لديه مرتكزاته في وعي الفرد ، ومرتكزاته في ثقافة المجتمع المعني ، وبالتالي فإن عمليّة الانتقال لهذه المنظومة القيميّة الجديدة التي تشكل الهويّة الكونيّة هو موجود ومضمر في ثقافة أو في وعي الفرد نفسه .
وعلى هذا فإن اللغة تصبح أداة يتم توظيفها ومنحها من الدلالة بما ينسجم مع البنية إنتاجا واستهلاكا ، إبداعا وتلقيا .
توصيات ومقترحات:
ونصل إلى عرض بعض التوصيات والمقترحات متمثلة في :
1 ـ دراسة طرح جديد للديمقراطيّة يتمثّل في الديمقراطيّة المباشرة بحيث يتم تجاوز مفهوم الديمقراطيّة النيابيّة التقليدي، وما يترتب على ذلك من كسر لاحتكار مصادر القوّة التي تستند إليها بنيتا وعي القصور (البرجوازيّة الماديّة والتناسليّة ) وذلك لإتاحة الفرصة لنشوء وتشكّل بنية الوعي الخلاق التي تسود فيها المحبة والإخاء والتعاون والعطاء الشامل . بما يقطع الطريق أمام الاستبداد وهو المناهض الرئيس للفاعليّة .
2 ـ أن تشكل دراسة الارتقاء بالوعي الإنساني ـ لدى المثقف العربي الإفريقي ـ حلقة مستمرّة من حلقات الحوار، نرسي من خلالها بنية وعي بديلة لبنى وعي القصور السائدة الآن في العالم .
3 ـ العمل على الخروج من الدائرة الماضويّة بتأسيس الذات من خلال توثيق وحصر التراث العربي الأفريقي وقراءته قراءة معاصرة لتجاوزه وبناء أسس قويّة وثابتة للبدائل التي تشكل الرؤى المستقبليّة لإنسان هذا الفضاء .
4 ـ الانصهار الثقافي ، وذلك من خلال التواصل عبر المهرجانات والندوات والمؤتمرات الأدبيّة والثقافية والفنية والعلمية ، وأن يتولى المثقفون في كل دولة إحياء أسبوع ثقافي كل عام للثقافة والفنون في أفريقيا.
5 ـ إنشاء مركز التواصل الثقافي ، تنتشر فروعه في كل قطر أفريقي ، يكون بمثابة حلقة تنسيق وتوثيق وتبادل للأعمال الإبداعية والدراسات العلميّة .
6 ـ أن يتم في إطار العلاقات الثقافيّة تبادل الكفاءات والخبرات الأكاديميّة والمنح الدراسية لمزيد من توثيق وشائج الأخوّة العربيّة الأفريقية .
7 ـ أن تتبنى الجامعات العربيّة الأفريقيّة الاهتمام باللغات والآداب والفنون العربية الأفريقية ، من خلال مراكزها البحثية ومقرراتها الأكاديمية. وإنشاء مكتبات تضم النتاج الأفريقي وكل ما كتب عن أفريقيا من دراسات بلغات أخرى .
8 ـ أن يتبنى اتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب عموم أفريقيا إصدار سلسلة مشتركة من الدراسات بما يعزز المشهد الثقافي ويعمق التواصل المعرفي بين أبناء الفضاء العربي الأفريقي .
الهوامش:
(1) رينيه ديمون ، نقد العالم المعاصر ، ت، جورج طرابيشي ، المؤسسة العربية للنشر والإبداع، الدار البيضاء، المغرب ط1 ،1993 ، ص92ـ133 .
(2) المرجع السابق ص95
(3) الشيخ عنتا ديوب، الأمم الزنجيّة والثقافة، ت: ريما إسماعيل، الدار الجماهيريّة للنشر ، ط2001 ،ص285 وما بعدها.
(4) ليوبولد سنغور في تقريره الذي قدّمه للمؤتمر الثاني للكتاب والفنّانين الأفارقة نقلا عن د. عبدالله أحمد بشير بولا ، العناصر الأساسيّة المكوّنة للحضارة الزنجيّة الأفريقيّة أم للفكر "الأفريقي" المغترب ؟ دراسة نقديّة، منشورات مركز البحوث والدراسات الأفريقيّة، سبها، ط الشركة العامة للورق والطباعة 1988،ص9 .
(5) جوزيف ـ كي ـ زيربو ، تاريخ أفريقيا السوداء ت، د. عقيل الشيخ حسن ، الدار الجماهيريّة للنشر والتوزيع ، ط1، 2001 ص11 .
(6) هيغل ، دروس في فلسفة التاريخ 1830 ، عن المرجع السابق ص13 .
(7) كوبلان ، حول تاريخ أفريقيا الغربيّة1929 ،المرجع السابق نفسه .
(8) أوجين بتناز ، الأعراق والتاريخ ، باريس 1953،ص505 ، المرجع السابق ص14 .
(9) ب غاسكوت ، مجلة باريس اكتوبر 1975 ، ص12 نقلا عن المرجع السابق نفسه .
(10) المرجع السابق ص15.
(11) أندريه سيك ، تاريخ أفريقيا السوداء ، بودابست 1965 ،ج1 ، ص19 ، المرجع السابق ص15 .
(12) جوزيف ـ كي ـ زيربو ، تاريخ أفريقيا السوداء ، ص51
(13) محي الدين صابر ، أفريقيا والثقافة العربيّة ، محاضرات الموسم الثقافي الأول 79 /1980 ، منشورات مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي ، ط 1989 ،ص 159
(14) علي شلش ، الأدب الأفريقي ، سلسلة عالم المعرفة171 الكويت، مارس 1993 ،ص 44 ، وقد أشار إلى ماذكره داثورني إلى أن 95 لغة محلية من 700 استخدمت في التعبير الأدبي المكتوب ، منها 18 لغة في جنوب أفريقيا . نقلا عن African Literature in The Twentieth Century . .
(15) اكواديبا تولي ، الهويّة الإثنيّة والتعددية اللغويّة في أفريقيا ، مجلة المؤتمر ، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر ، العدد (6) يوليو 2002 ، ص 12 .
(16) عبد السلام أحمد ضو ، التنوّع الثقافي والتبعيّة الإعلامية في أفريقيا ، أعمال مؤتمر التعليم من أجل التحرر في أفريقيا،منشورات مركز البحوث والدراسات الأفريقية، سبها ،1988 ،ص 255 .
(17) أشارإليه د. محمد محمد طه هلالي، اللغات الأفريقية التي يمكن اعتبارها وسائل اتصال، منشورات مركز البحوث والدراسات الأفريقيّة ، سبها1988،ج2 ص 322 نقلا عن الدعوة الإسلامية ص349 ترجمة د. حسين إبراهيم ود. عبد المجيد عابدين ود. النحراوي ـ مصر 1957
(18) أشار إليه المرجع السابق ص 323 ، نقلا عن د. إبراهيم علي ، الإسلام واللغة العربية في السودان الأوسط والغربي ص 26 .
(19) أ. عبد الله جلو ، التركيز على اللغات الأفريقية وازدهارها ، ، أعمال مؤتمر التعليم ، منشورا مركز البحوث والدراسات الأفريقية ،سيها 1988 ، ص 296 .
(20) محمد عمر بشير ، جنوب السودان ، ط1971، ص 87 وانظر مذكرة من الحاكم العام في 12 يونيو 1927.
(21) المرجع السابق ص 88 ، عن مذكرة في تأييد استخدام اللهجات المحلية..
(22) خالد عبد المجيد مرسي، شيخ حامدوكاني " التجربة الغامضة أو التيار الإسلامي في الأدب السنغالي الحديث، مركز البحوث والدراسات الأفريقية ، سبها 1989 ،ص.10
(23) المرجع السابق نفسه .
(24) خالد عبد المجيد مرسي ، الأدب الأفريقي الحديث وقضيّة اللغة .. أعمال مؤتمر التعليم من أجل التحرير في أفريقيا ، ص 504 .
(25) المرجع السابق نفسه.
(26) المرجع السابق ،ص 505 .
(27) ابراهيم السامرائي ، التطور اللغوي ، دار الأندلس ط2 ، 1981 ،ص 13 .
(28) أحمد محمد كاني ، الجاليات العربية الاسلامية في غرب أفريقيا ، التعاون العربي الأفريقي الواقع الراهن وآفاق المستقبل ، سلسلة الدراسات السياسية والاستراتيجيّة ، 6 ، ط1 ، 1992 ، ص283 .
(29) أحمد محمد كاني ، المرجع السابق، ص 284 . وقد اقترح على القارئ دراسة الأوراق التي قدمها ونشرها البروفسور مدثر عبد الرحيم في مجلة " دراسات أفريقيّة" والمتعلّقة بقضايا العروبة والأفريقية وقضايا التحوّلات اللغويّة والانصهار الثقافي .
(30) أوردها د. خالد مرسي في بحثه عن الأدب الأفريقي الحديث وقضيّة اللغة ص260 . وكذا في شيخ حامدو كاني .ص10 .
(31) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ ، الأنجلو المصريّة ، ط4 ، 1980 ، ص 14 .
(32) المرجع السابق نفسه.
(33) المرجع السابق ص 15 .
(34) أوردها علي شلش ، الأدب الأفريقي ص63 .
(35) الشيخ محمد الشيخ ، الإنسان والتحليل الفاعلي ص 8 .
(36) المرجع السابق ص10 .
(37) معمر القذافي ، القرية القرية، الأرض الأرض، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان، ط2 ، ص7 ـ 8
(38) أورده خالد مرسي في الأدب الأفريقي الحديث وقضية اللغة ، ص505 .
(39) شريف يونس ، كتاب سؤال الهويّة، التحرريّة الجماعيّة ، موقع www.geocities.com/samch .
(40) الشيخ محمد الشيخ ، الإنسان والتحليل الفاعلي ص 8 ـ 9 .
.
الخميس، 1 أكتوبر 2009
استغفر الإنسان..
يتثاءب الزمن الكسول من الحروف القاصرات عن المساحات الحقول ،
تفتّحت للشمس عن وعيٍ ،
وقبّلت الفضاء بشهوة خفقت لها قلب السماء..
هذى المساراتُ التي شدّت ذيول الريح في كلّ اتجاه ،
خطّت دروبا نحن نتبعها،
خطىً كُتبت على سفر السماء.......
. استغفر الإنسان..
يتثاءب الزمن الكسول من الحروف القاصرات عن المساحات الحقول ،
تفتّحت للشمس عن وعيٍ ،
وقبّلت الفضاء بشهوة خفقت لها قلب السماء..
هذى المساراتُ التي شدّت ذيول الريح في كلّ اتجاه ،
خطّت دروبا نحن نتبعها،
خطىً كُتبت على سفر السماء.......
هذى الفضاءات التي نقشت حدود الأرض
فارتسمت أخاديد السماء..
مادت بي الدنيا وكان حديثها خشنا يقضّ مضاجعي،
ويهزّ أضلعي التي حملت عوالمها وعانقت السماء..
مادت بي الدنيا على عتباتها أحبو
وتجهدني قوافيها ومن فيها
شهيقا أو زفيرا أو عويلا وارتحالا للسماء..
قالت وكان حديثها متلاحقاً
أعمى البلاغة أرهق الكلمات هاجر حرفها،
والمفردات تسابق الزمن الذي لم يجفّفه العمر..
ولم يطاوله الفناء..
هذي المنيّة أنثى تحتمون بها..
لكنها لنسائكم موتٌ تدثّر بالفحولة
ضاجع الكلمات في كبد السماء..
هذى السحائب منكمُ هربت،
فعادت بعدها تهب الحياة لكلّ أبناء السماء..
هذى الجبال المثقلات بهمّهنّ
تنوء من بشر طغى متجبّرا جهلا، وعاند للسماء..
هذى البحار السادرات بسرّها
أخفت عوالمَ طالها فعلُ السماء..
حتى الفضاءَ صفاؤه ما عاد يحتمل السموم
من الغيوم الصاعدات إلى السماء..
ألف الجرائم سادرات طالت معالمه
فأضحى مسرحا للطيش ترقبه السماء..
والبعضُ قد ألفَ التواكل
علّق الآمال والفعل المميت بكلّ أسباب السماء..
وتربّع الإنسان في ملكوته جزلاً ،
عوالمُهُ جنانٌ ، سندسٌ ، خضراءَ ينعشه هواها،
يصطفيه إلهُهُ حبّاً،
ويخلق بين أضلعه الكواكب والسماء..
أستغفر الإنسانَ من فعل البشر،
متخفّيا يخشى ملاحقة السماء..
وأعوذ بالوعي الذي سكناه عامرةً بحبّ فضائه،
احتمل القوافي الصاعدات إلى السماء...
.
إقرأ المزيد Entry>>
يتثاءب الزمن الكسول من الحروف القاصرات عن المساحات الحقول ،
تفتّحت للشمس عن وعيٍ ،
وقبّلت الفضاء بشهوة خفقت لها قلب السماء..
هذى المساراتُ التي شدّت ذيول الريح في كلّ اتجاه ،
خطّت دروبا نحن نتبعها،
خطىً كُتبت على سفر السماء.......
هذى الفضاءات التي نقشت حدود الأرض
فارتسمت أخاديد السماء..
مادت بي الدنيا وكان حديثها خشنا يقضّ مضاجعي،
ويهزّ أضلعي التي حملت عوالمها وعانقت السماء..
مادت بي الدنيا على عتباتها أحبو
وتجهدني قوافيها ومن فيها
شهيقا أو زفيرا أو عويلا وارتحالا للسماء..
قالت وكان حديثها متلاحقاً
أعمى البلاغة أرهق الكلمات هاجر حرفها،
والمفردات تسابق الزمن الذي لم يجفّفه العمر..
ولم يطاوله الفناء..
هذي المنيّة أنثى تحتمون بها..
لكنها لنسائكم موتٌ تدثّر بالفحولة
ضاجع الكلمات في كبد السماء..
هذى السحائب منكمُ هربت،
فعادت بعدها تهب الحياة لكلّ أبناء السماء..
هذى الجبال المثقلات بهمّهنّ
تنوء من بشر طغى متجبّرا جهلا، وعاند للسماء..
هذى البحار السادرات بسرّها
أخفت عوالمَ طالها فعلُ السماء..
حتى الفضاءَ صفاؤه ما عاد يحتمل السموم
من الغيوم الصاعدات إلى السماء..
ألف الجرائم سادرات طالت معالمه
فأضحى مسرحا للطيش ترقبه السماء..
والبعضُ قد ألفَ التواكل
علّق الآمال والفعل المميت بكلّ أسباب السماء..
وتربّع الإنسان في ملكوته جزلاً ،
عوالمُهُ جنانٌ ، سندسٌ ، خضراءَ ينعشه هواها،
يصطفيه إلهُهُ حبّاً،
ويخلق بين أضلعه الكواكب والسماء..
أستغفر الإنسانَ من فعل البشر،
متخفّيا يخشى ملاحقة السماء..
وأعوذ بالوعي الذي سكناه عامرةً بحبّ فضائه،
احتمل القوافي الصاعدات إلى السماء...
.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
